المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : بحبوح الدعبل


سلطان اليباب
16-07-2009, 04:24 PM
(البحبوح)
نصوص معفّرة بالرُّقم الطينية

فيما يبدو تفريقاً للتباين الجوهري بين الخامات المشكّلة لشخصية التماثيل، وأثر النصب المعمارية والجمالية، ينتصر النحات الدانمركي ثورفالدسن لمادة الطين، حين يعادله بالحياة، فيما يشبّه الجص بالموت، ويماثل الرخام بالإنبعاث. وهو - أي الطين - بالنسبة لحسن دعبل (غواية البشرية الأولى، وسر الكون، وسر المعابد، وسر بيوت العبادة، وسر الكتب والرسل والحياة) كما يفصح عن هذا اليقين بقوة في مجموعته (البحبوح) الصادرة حديثاً عن دار فضاءات، من خلال التعبير الصريح عن ولعه بهذا اللازب الذي يعادل (طهر الأرض) وحيث يعفّر نصوصه بما تطاير من رماده الذي (منه عٌجنت الرُّقم واللقي والألواح، ومنه نُقشت رسمُ الآلهات). ليؤكد بحركة بندولية ذهاباً وإياباً في مجرى النصوص على قناعته بأن (الطين صلصال الأبدية وهيولها وطوطمها قبل أن يُعبد) وأنه إذا ما مسته النار صار (سرّ وقدس وروح).
في نصوصه التي تفوح منها رائحة الرُّقم الطينية، لا يبدو مهموماً بالقص، ولا معنياً بتجنيس النص أصلاً، أو قولبته في شكل فني ناجز يحدّ من مرونته، بقدر ما يكتب بلذة وفضول الحفّار الذي ينقّب في موروثه المادي واللامادي عن أثرٍ ذي دلالة بالمعنى الأدبي، حيث يمارس الإشتغال على المركبات الغائرة لهوية المكان، ليشبع توق ذاته المهجوسة بإيجاد صلة روحية ما بين ماضيه المغيّب وحاضره الملتبس، وبالتحديد في المطمور تحت الأرض، وفي جب الذاكرة المستباحة نتيجة قناعة فكرو-جمالية راسخة في وعيه بأن (الكنوز تنام قريبة من القبور). كما يبدو ذلك جلياً وشاعرياً أيضاً من خلال مفردة (البحبوح) المثيرة للتخرصات التأويلية، التي اختارها كمظلة سحرية لنصوص ذات سمت واحد، مفهرسة تحت عنوان (مفاتيح) وهي إحالة كثيفة الدلالة، تغري بالتماس مع ثوالب نصية، إشارية وغامضة في تركيبها الفني، ومفتوحة في الآن نفسه على بيئة زمكانية محرّضة على الإكتشاف.
إنه لا يحكي، بقدر ما يفكّر. يتذكر ويحاول إنهاض الآفل، الأمر الذي يفسر ارتداده العمودي في ذاكرة المكان لإعادة تركيب هويته المتشظّية، حيث يستمتع بالإنصات لتراتيل الذين مرّوا ناحية (دير دارين) أولئك الذين يقول عنهم التاريخ أنهم (تعبدوا وغنوا وتعللوا "تعلولة" وفي الصباح شربوا قهوة الراهبة ويمموا البحر وغادروها) حيث يضع التاريخ على حافة التأويل، ويستنطقه ليسرد حكاية دارين التي كانت ذات أسقفية نسطورية مشهورة في العهد الساساني. ثم يقف عند طللٍ تُشبه سيرته المخزية شكل الجرح أو العار التاريخي. عند ماتبقى من آثار (مقهى العبيد). المشرب الذي كان (يغسل عتباته بموج البحر). فيما يبدو محاولة لرسم سيناريوهات استعادية لذلك (الميناء الذي ينام على خاصرة البحر...قبلة فردوس لجزيرةٍ تنعم في الكتب والأسفار لجنة مبتغاة وخلودٍ سرمدي ونعيم لحضارات وأسلاف...نامت كنوزهم وأسرارهم وجرارهم وحليهّم، في قبورٍ حسبوها طافية على الماء، وخلود أبدي لجنات عدنٍ بين أفياء نخيل وماء). وكأنه بهذا السرد الاستذكاري إنما أراد أن يعيد تشكيل ما تبقى من أثر مادي ونفسي لسقيفة كانت بمثابة سوق لتجارة الرقيق.
هكذا صمم استراتيجية نصه لينعش الذاكرة التي تم تطويعها على التناسي، ويوقظ الضمير المخدوع بحيلة الحاضر المفصول عن الماضي، مذكّراً بسحنات طوابير من البشر المعذبين، المجلوبين من مومباسا وزنجبار والحبشة، والأطفال المنهوبين من أحضان أمهاتهم، ليعرضوا في مزاد الطواشين القادمين من الهند والبصرة وعمان والكويت والبحرين. ليخدش المجتمع المتسالم مع ذاكرته المستأنسة بفصيل (العبيد) الذين حمل ذلك الأثر الدارس اسمهم يوم كانوا (يطأون اليابسة بعد غربة وسفر وعيون معصوبة إلا من حسراتها، تاهت عيونهم بين رجالٍ تلهج بلغوٍ، وأكياس مخيطةٍ تتثاقل بها الأيدي بصرير النقود أو الجنيهات والبيزات والآنات، تلك هي تجارة من تاهت مصائرهم وتغرّبت بهم رحالهم إلى أبدية النسيان).
تتحشّد كل تلك التراجيديا الإنسانية في حكاية الأسمر (برّوك) - تصغير مبارك - الذي اشتراه أحد تجار اللؤلؤ في دارين ليخدم ابنته، فأسكنه في غرفة التمر، فصار (من تلك البقعة النائية عن البيوت، يُرّوض صباحاته حتى المغيب، وبمعوله يهدم الدور وبيوت العبادة المطمورة، حتى القبور وهو يمرر عموده بدوّي الجِرار وهي تتكّسر وتتناثر خشوفها الطينية ناثرة رائحة عتيقة مخدرة، وهو يراقب جثثاً وجسوماً تتبخر أمام عينيه، سكنه الفزع، لكن السكينة في المكان، كانت جنته. وكثيراً مامرّر معوله على حصاة بكتابات ونقوش وحروف) فمسّته ربما لعنة الأسلاف حين (أزاحت يديه الرمل عن مرمر مزخرف بصورة السيدة العذراء، حاضنة إبنها، فأصابه الخوف والهلع وتعرق جسده) وعندها انهارت عليه الجدران والسقوف ليندفن مع وتحت الطين (بين جرار وقبور مخلدّة بالنسيان).
كل تلك الآثار الطينية المندثرة والمذرورة على صفحات الماء عبر الأزمنة، والراسية زبداً على شاطئ البحر، لم تكن لتنبت على سطح الأرض وتُحدث أثرها في النفوس والجغرافيا والتاريخ بمعزل عن طقوس الحزن والفرح، الوداع واللقاء، الموت والحياة، بما تحتمله من تعاويذ وبخور وأدعية وابتهالات، حيث كابد حسن دعبل، كما يبدو، للتنقيب دون كلل عن أطلال مدنٍ مطمورة تحت الطين، وإعادة تنصيص ما انطمس وهُجر من العادات والتقاليد والكرنفالات التي تحيل بشكل ما من الأشكال إلى الماقبل الديني، ذي الطابع البدائي، وفي صيغته الوثنية أحياناً، فالنصوص مكتظة بالطعوم والروائح والمشاهد التي لا تعرف لذعتها الحواس المحدّثة، من منظور ذاكرة الطفل الذي لا يريد أن ينسى، بل ينتشي باستدعاء أصداء الأهازيج وهي تنسكب في أذنيه الطريتين، وبروائح زوايا النساء وهن يمرغن وجهه الناعم بصدورهن، وببهجة مناظر الرايات الخضراء والبيارق الحمراء وهي تكحّل عينيه حتى قبل أن تتفتحا على الحياة، فهكذا كان يتلذذ ذلك الطفل المتناوم المتلصص من خلال حواسه الفائرة (برائحة المشموم والمرشوش ولون الثياب وهي تصبغ أجسادهن العطشة والراقصة بغنائهن العفوي).
إنها حكاية الطفل المولود (في بيتٍ ينام في حضن البحر، وبقعةٍ تتوسدُ خاصرة دلمون). المجبول على ذاكرة حسّية عنيدة. الطفل المفطور على تشهّي الحياة من خلال التماس بالمخلوقات الحيّة، الذي أرادوا طمس حواسه لئلا تشب إيروسيته قبل الأوان (غطوا وجهي، وبركتْ من كانت بضّة اللحم بكفها بصري). وقد ظنّوه حينها مجرد إناء لحمي بلا قاع ولا حواس، فيما كان يختزن أسرار ما رأى، يوم كانت الأمهات يتجمعن في الأيام الثلاثة الأخيرة من شهر رمضان (يتزيّن بأبهى لباسهن، وهن ذاهبات لطلب دعاء البحبوح في المساجد، حيث يتقافزن و يتكئن على رؤوس أصابعن، وهن يحجلن داخل الباحة، على هيئة أشواط وصفوف، يُغنين ويزغردن بأمنيات وأدعية).
إنه يسرد، أو يتأوه ربما، ليصدم الذاكرة المعفيّة من استرجاع مآثرها، كما ينبش قناعات الوعي المستكين بحقيقة الزمن الذي كان مكاناً لإنسان ذي مزاج مختلف، وطبع اعتقادي مغاير. يرثي الكائن الدلموني الذي كان يتفنن في تدليل نخلته المغروسة في الطين كما يدلّل السومريون ملوكهم، فيما يسميه (رقصة النوروز) حيث يحتفي وعيه الطري بنشوة إمرأة موعودة بالأمومة، بعد أن دعكت بشرتها بماء رجلها، لتعبّر بمنتهى الانشراح عن فرحتها من خلال طقس عجائبي مثير حيث (تهللت ونذرت بأول حبلها أن تذبح شاة لبون، وتطش الدم وترشه على جذع النخلة، وتمسح جسد زوجها وتمرّر مسحة أخرى قرب ماحلمت به قبل المنام).
هكذا يصوّر ذلك الوراء البعيد الضاج بالكرنفالات المقدّسة في مشاهد سينماتوجرافية ساحرة هي المعادل لجوهر عباراته السردية (كنتُ أراهم وأمشي معهم وأدور؛ أدورحول جذع نخلةٍ زينوها بأعلام وبيارق وأثواب كأستارٍ عُلقت ْ للتبرك والشفاعة والنذور؛ أدور معهم، وهم ُيسرجونَ توسلاتهم برجاءاتٍ هامسة ونذور... كنت صغيراً تمسكني أيدٍ كثيرة، وتجرني بهرولة الرجف وسرعة البركات، كنت صغيراً أتفرس بالوجوه، وأمعن البصرَ في البيارق الخضراء والحمراء والمزخرفة بنقاط مذهبة، يتوهمون بتقديس النخلة المباركة ويقدمون لها القرابين والنذور وما أدّخروه من نقود أسلافهم... كنت صغيراً وهم يألفون ضحكتي وتلصص عينيّ المدهوشة من شدة البياض). وفيما كانوا - رجالاً ونساءً - تحت وطأة حس العربدة الفرحة، كانت حواسه تنتقش بالأصوات والمشاهد والوجوه (حيوات أسمعها وأسجلها مدوناً عن سرّ النخلة وقدسيتها والبيارق الملفوفة والأجساد المكتنزة والبضّة والعطشى والرقص والغناء وتلصص الرجال).
تلك هي تأملات طفل (أخضر العود) امتلأت روحه بحب الحياة يوم قمطّته عمته بالقماش الأبيض وأخذته لحظة ميلاده إلى (جرف ماء البحر، بللّته بكفيها، هللتْ ببكائه، وغطتْ جسده الغّر بملوحة البحر؛ عمّدَته بتسبوعة داخل الماء، وهي تزغرد وتلهج بتسبيحاتٍ وأدعية، وتعاويذ معوذة من الشر والحسد والضياع). يومها صادف (رجالاً إغتسلت أجسادهم بزرقة مالحة وصافية). استهوته تلك القامات الممسوسة بشهوة الطين فقرر تخليدهم في النص، وإعادة بعث عنفوانهم في المكان بما يشبه التراتيل (أمرّر طفولتي صغيراً حين أمرّ بالمكان نفسه، لأزرع جسدي لوهلةٍ أحسبها زمنا خذله النسيان...وغض بصره، أباركه بالنسيان والخذلان والخجل المتواري من سنوات الآباء وهم يغمزون أيضا عن حيواتهم الزاخرة والهانئة حتى بالهوان والجوع وحروب اللؤلؤ والغوص). وعلى حافة هذا الافتتان المزمن صار يتغنى بخطفة الشراع، وببحارة كان يظللهم قمر ناعس حين (تسامروا على إيقاع أكفٍ سمراء، شققها الفرح والكبرياء). ويستريح ببالٍ أبيض قبالة رجال قدريين وهم يلوون الخشب العنيد ليصنعوا سفن موتهم واغترابهم التي ستحملهم إلى ما وراء البحار وأعماقه ربما، فقد أراد أن لا يسمح لذاكرته باستفراغ مخزونها الحسي (كنت أتتبع إيقاع أصوات القلاليف وغنائهم، وأسمع نقر الخشب بفؤوسهم بعد أن صفوا الشلامين، وغطوا الثقوب بفتيل وقار، حبسَ اليم، وعزله حاملاً فلكهم على صفحة الماء).
من رغبته الجارفة للالتصاق بزمن الناس المعجونين بالطين، صار يعيد الروح لقاموس حياة مندثرة، وللمفردة البحرية على وجه الخصوص ليعادل من الوجهة البنيوية بين نصه والحياة المسرودة، بدون أن يسقط خطابه فيما يُعرف بالبيتية الثقافية، إذ لم يعدد مآثر البيئة بمجانية واعتداد بقدر ما حاول توطين المفاهيم والمفردات من منطلق قيمتها الإستعمالية الموحية بوجود حياة حقيقية ترفدها، بما يؤكد قدرته على توظيف اللغة كمركب بنيوي، حيث أنعش الذائقة بشراب (الجنداغ) الذي يستأنس به البحارة والنواخذة والطواشون أيام إسترخائهم في المقاهي بعد إستحمامهم في الحمام التركي. ومن ذات المكمن الجمالي أعاد تأوين كلمة (بَروة) التي تعادل حياة الغواص تقريباً، بما تعنيه من حق ملكيتة للأشياء، وبراءته من ديون النوخذة. ومن نفس المنظور استدمج مفردة (البرودة) في النص بما توحي به كحافظة فخارية ومبردّة للماء، وبما تعنيه كخور مائي آمن، أو كمكان معروف للغرباء والعابرين بين جزيرة تاروت والقطيف.
كل ذلك الحفر العميق الذي أحدثه في طبقات المكان المغمورة، ووشاه باللغة المتناغمة بنيوياً مع روح اللحظة المنقضية، لم يأت به من عندياته، بل كان يوازيه بحفريات معرفية في الكتب، فروح المكان والذكرى الشفاهية المضمحلة لما تبقى من ذلك الزمن لا تكفي لفهم اللحظة. وهو الأمر الذي كشف عن انحقان النصوص بجرعة ثقافية لا يستهان بها، تقوم على تذويب الوثيقة التاريخية داخلها، وتفعيل البعد الأسطوري في أنساقها، فذلك العالم المحمول على سحرية الخيال لإعادة تركيب المشهد، لا يمكن مقاربته بما يتداعي من أفواه الأسلاف وحسب، بل بتوطين المكان في مهاده التاريخي والميثولوجي والأنثروبولوجي، أي في وساعات وأعماق الحاضنة الدلمونية، حيث طبع جلجامش خطواته الأولى. ومن ذات المكان وقف إلى جانب (إنكي) قبالة الشاطئ المليء بالحكايات والأسرار والكنوز، ليسترجع عبورات جلجامش في الأرض المنسية بتساؤلات أشبه ما تكون بالغناء (ماسر دلمون ؟؟؟ ماسر دلمون التي نخّب وتخّب لها الأفئدة؟؟ ماسر مائها، وماحكمة الأجساد التي تتوق لغسل غربتها وتيهها، والبحث عن خلودها). محتفياً بملحمة الغوص كما توارثها آباءه وأجداده، ذوو السواعد السمر من أول غواص في التاريخ (سبع مردياتٍ، تناولها جلجامش من الملاح أنوباتشي، سبع مرديات، لسبع سماوات؛ في كل سماءٍ صرخة وضياع، وفي كل صرخةٍ بحر ويابسة... سبع مردياتٍ، أدرك سرّها اتونابشتم الحكيم، كي يعبر جلجامش أرخبيلات سبعة في مياه دلمون الطاهرة؛ المياه التي غسلت بدن جلجامش الملطخ بوعثاء، وحسرةٍ وضياع وسحنة حائلة).
أما الممر السري لكل تلك المشاهد الكرنفالية والحكايات الغرائبية، فهي أمه المفتونة بسحرية الطقوس، التي أورثته حس الإنغرام بشعائرية الطقس وقدسيته، في قالبه الحزائني بالتحديد، بما يستبطن في طياته من بهجات مشوبة بالحذر، مع اختلاف مواقع الرؤية والإحساس بالأشياء، ما بين منظور الطفل الجمالي، ومكامن خوف الأم الغامض من المجهول والشرور والحسد، أو الرغبة في التقرب إلى الله، كما يدلّل على قوة ضخها الجمالي عبر حبلٍ سري بينهما مرّر إلى ذاكرته كطفل حركتها المتئدة بإعداد طقس (مائدة مريم) المستمدة عوالمه كما يبدو من بقايا الاعتقادات النسطورية حيث يؤدى طقس الخبر أو الخميرة المقدسة Holy Leonen كواحد من المقدسات السبعة، وكمكمل للازمة العشاء الأخير، من خلال مشهدية درامية أخاذة (خبز أسمر معجون بخميرة تمر، وسمك مجفف، وكرّاثٌ أو ماتنبته الأرض من قثائها؛ تضعه في "زنبيل"، وتغطيه بخرقةٍ خضراء ناصعة وطاهرة، رائحتها زكية فواحةٍ بلون الأضرحة؛ أترقبُ هذا العيد، وهي تسميه "وفاة "، كما عادتها في الحزن).أو هكذا كان الطقس بالنسبة لها تعويذة تحرس بها طفلها، كما تتقنه (أمهات أرضعونا "بختنا"، وتمائمنا وهي تعلق على الرقاب أو توضع على هيئة أحراز، تربط في الزند، أو تحت "مخداتنا "، وهن يحشيهن بقراطيس وأدعية وصور أئمة وسورة ياسين، ونعاس يتمايل قريباً من جفوننا، وقبلةٍ رطبة تستحث الفجر أن يدللنا بطرّته).
على هذا الإيقاع الشعائري كتب حسن دعبل رقمُّه الطينية، بذاتية صادمة، تُموضعه في قلب النص، وبدون أن يرمي أناه كجثة طافحة على صفحاته. وقد استطاع من خلال تلك المصارحة للذات المقهورة تحت عبء هوية مستلبّة، أن يستجلي بعض آثار المدن اللامرئية، الملفوظة بالرمل، وأن يستفز ذاكرة يراد لها ألا تستيقظ، ليعيد لإنسان هذا المكان المُغَادر روحياً، وعيه التراجيدي بالزمن، من خلال كتابة لا تراهن على الزعيق الأيدلوجي أو تصعيد نعرة المباهاة، وبدون تضخيم مجاني للأنا الإجتماعية أو التاريخية أو الفئوية، إنما بالرهان على مكوّن جمالي بمقدوره صد القبح بكل معانيه، أي بجاذبية نص ثقافي، حسّي في جوهره، مطبوعة آثاره الجمالية ومعانيه على خشوف الجرار وغبار طين الجدران المتهاوية، كما شكّل كل ذلك الأثر الحفري الفنان العراقي إياد القره غولي، بلوحات تعبيرية يسيل من خطوطها زبد البحر المتلألئ على حافة الشطآن، وينبعث من ظلالها بخور النذور، كما تتسرب من شقوقها وبياضاتها آهة الحسرة، التي تسيل على طين داسته أقدام نسيت أو لا تدري ربما أنه كان دور عبادة، وأديرة، ومذابح مقدسة.

محمد العباس
جريدة الرياض
الخميس 16 يوليو 2009
http://m-alabbas.com/ara/3/p2_articleid/243

http://www.alriyadh.com/2009/07/16/article445144.html

سلطان اليباب
16-07-2009, 05:59 PM
هذه القراءة من العباس توضح الربط و النهج الذي يوظفه الدعبل في كتاباته و هو يطارد الهارب من الذاكرة و يصوغه حكايا تستفزها للعودة بطقوس المكان و الزمان لما خلا من سنين ...

قرأت هذا النص الذي اقتبس العباس بعض عباراته في القراءة التي أوردتها عاليه ... و النص من موقع " كيكا "

مردية واحدة لا تكفي يا أبي

"يدللون ملوكهم كما تدلل نخيل دلمون"

مثل سومري





سبع مردياتٍ، تناولها جلجامش من الملاح أنوباتشي
سبع مرديات، لسبع سماوات ؛

في كل سماءٍ صرخة وضياع، وفي كل صرخةٍ بحر ويابسة
هل أدرك جلجامش، أي أرض وطأت قدماه، بعد أن غادر حانة سدوري
بغير مباهج وطمأنينة ؛

هل تاقت روحة المضنية بالضياع، وفقدان الخل والخليل والصديق

سبع مرديات، ليصل إلى الجسد المسجى
جسد أنكيدو المسجى في سمائه السابعة
جسد أنكيدو المسجى بلا آلهة وتراتيل، ولا عشبة وخلود

سبع مردياتٍ، أدرك سرّها " اتونابشتم " الحكيم، كي يعبر جلجامش أرخبيلات سبعة في مياه دلمون الطاهرة؛
المياه التي غسلت بدن جلجامش الملطخ بوعثاء، وحسرةٍ وضياع وسحنة حائلة ؛

مرديةٌ واحدة، أمرني أبي بحملها؛
مردية واحدة تجلد ظهري الفتي وكتفي، وتلوّحه وتصليه بلواهبِ شمسٍ قائظة،
ونديةٍ بمياه دلمون الصافية.

هل أدرك أبي بضياعي وتيهي في أرخبيلاته ؟؟؟

لم يملك حكمة " اتونابشتم " ، ولم يكن الملاح الذي يقود " فلكه" بعيدا عن الطوفان والغرق

تحسستُ شمساً تشرق من عمق البحر وأبصرتها من غبشتي ، ورجالاً اغتسلت أجسادهم بزرقة مالحة وصافية،
وغناء صبغته أشجان حزينة تواقة للحياة، ولؤلؤة تنام في خدرها كما عشبة الخلود.

ماسر دلمون ؟؟؟
ماسر دلمون التي نخبُّ وتخبُّ لها الأفئدة ؟؟
ماسر مائها،
وماحكمة الأجساد التي تتوق لغسل غربتها وتيهها، والبحث عن خلودها ؛

ماسرنا، نحن، والسرمد والخلود ؟؟

كنت أتتبع إيقاع أصوات " القلاليف "، وغنائهم، وأسمع نقر الخشب بفؤوسهم بعد أن صفوا " الشلامين "،
وغطوا الثقوب بفتيل وقار، حبسَ اليم، وعزله حاملاً فلكهم على صفحة الماء

هل صنعوا الفلكَ بأعيننا ؟

كم فلكٍ صنعته أيدٍ غريبةٍ وقريبة، وكم من الرجال تاهت في يمٍ رحيم،
بعد أن غاصت مردياتها في طينٍ ولجج ؛

مرديات كثيرة عبرت دلمون، ومرديات لم تكن مقدسة بلمسة آلهة أو ملاح، سوى أنه سرٌ من أسرار دلمون المدونة في ألواحها، عن سرةٍ دوختْ وسبت ْ عقول من تاقوا لخلودٍ أبدي وألبابهم، فعبروا مياهها الصافية والهانئة وناموا في قبورها الطافية على الماء ؛

ما سر دلمون، إذا أخذتنا في سفرها، وخلودها، وسر عشبتها ؛
ما سر دلمون، بعد أن آلمتنا أوجاع أرواحنا، وترمدتْ أعيننا بأمراضها، وضمور أعضائنا، وهرم ِ نسائنا وشيوخنا ؛
ما سر دلمون، بعد ذهاب فتوتنا، وعطش أفئدتنا، ونومنا العاجز؛

طارت فاختاتنا، ولم تدللْ نخيلنا كما الملوك ؛
غاب العقعق والهدهد، ونعق الغراب



*الشلامين: هي الألواح التي تصف بين جانبي السفينة في أسفلها عند بداية صنعها
** القلاليف: النجارون الذين يقومون بنجارة السفينة
*** القار والفتيل: القار مادة خامة من الزفت، تطلى بها السفينة في داخلها من الأسفل، بعد أن تغطى الثقوب بين الخشب بالحبال أو الفتيل

*من مجموعة البحبوح

سلطان اليباب
21-07-2009, 01:39 PM
مقهــى العبــيد


http://international.daralhayat.com/files/imagecache/medium_thumb/files/rbimages/1248117414265837800.jpg



الكنوز تنام قريبة من القبور



والكتب والأسفار تتغاوى على الماء، حتى لا تمحو الأسرار،
في أي أرضٍ غريبةٍ تغمض لك عينان، وتبيض لك شفتان، قدرك أيها الأسمر مقهى ينام على ضفاف البحر، تتناوبك الأيدي وتتربص بك أصابع، وهي تلف سبابتها بمسابح كهرمانية، تتراقص بضحكات ماكرةٍ، تلك هي ضحكات تجار لؤلؤ ورجال أسفارٍ اعتادوا وجوه الغرباء حتى ألفوها.
المقهى الذي بناه غريب أو رجل تاه بين موانئ، وتثاقلت به سفن وبلدان، حلّ في ليلة ماطرةٍ لشتاء قارسٍ وموجع، بنى سقيفته فأسماها مقهى العبيد.
المقهى وهو يغسل عتباته بموج البحر، وإشراقةٍ صافية لشمسٍ تتألق في صباحاتها وأشرعةٍ، وسفن تحل وترحل برجال ووجوه تتلون بهم وتتزين كراسي سقيفةٍ، أو سوق لبيع الرقيق، قبل أن تخبَّ بهم الخيل والجمال في صحراء عطشةٍ بعيدة.
ولم يكن البحر غير سفرٍ وثرواتٍ تتناقل وتتثاقل بها بنادق رجال غلاظ، تلوح بنادقهم لكل تائهٍ، أو ضلّت به أقداره على شرفات الليل، أو على فنار يكبو بين فينة وأخرى.
تلك هي طبائع اعتادتها حملات السفن، وهي ترزح بغنائها أو بحمولاتها وغنائمها باحثة عن يابسة آمنة، أو بيرق يتراخى بهبوبٍ صيفيّ لنسمات عذبةٍ تغري كل غريب.
والغرباء ألفوا أو يألفون بنادر البحر، وملوحة الماء، والغرباء كُتب سيرٍ تتناوب كتابة صفحاتها على الموج وتطويها وتلفها، وترميها كتميمةٍ أو وصية قبل غدر البحر أو غدر البنادق.
بحارٌ كثيرة عبروها وموانئ غريبة وقفوا بها، نساء وأطفال وشيوخ اعتادوا بكاءها وتوسلاتها المبحوحة، تلك هي طبائع الغلاظ، أو القساة أو النهابة.
نهبوا الأطفال من أحضان أمهاتهن، وقتلوا الزوج في حضن زوجته، فطروا قلب الأم على فلذاتها، فرقوا بين الابن وأبيه، رملّوا وسبوا، نهبوا ودفنوا، ورموا من تثاقل بهم البكاء والسعال إلى أسماكٍ موحشة.
لم يوجع قلوبهم أو يحننهم قمر ناعس، أو صفاء نجوم، ولم تتردد على أسماعهم توسلات زوجة أو أم ثكلى،
من على أسيافٍ ويابسة نائية، حملوا وجوهاً سمراء بعيون صافية، جابوا الشرق والغرب
سافروا مراراً وتكرارا، من مومباسا وزنجبار والحبشة، بحثاً عن سمر الوجوه، وعلى مشارف البحر، وفي المقهى الذي سُمي بغنائمهم تتبدل سحناتهم وهم يسومون صبية صغاراً ورجالاً بحبال غليظة، بين أرجل وأيد تنعم بخيرات بحرٍ ويابسة.
العبيد وهو يطأون اليابسة بعد غربة وسفر وعيون معصوبة إلا من حسراتها، تاهت عيونهم بين رجالٍ تلهج بلغوٍ، وأكياس مخيطةٍ تتثاقل بها الأيدي بصرير النقود أو الجنيهات والبيزات والآنات، تلك هي تجارة من تاهت مصائرهم وتغرّبت بهم رحالهم إلى أبدية النسيان.
فلم يكن غير سفر وصحراء وعطش، وركاب تلهث بقائظةٍ، تبحث عن أفيائها بين سرابٍ وتيه، الغربة والحسرة والألم، وجع لتميمة ربطوها في كتف العبد، وهو يمشي مطأطئاً رأسه، في ميناء يحسبه نومة أو استراحة المتعب، لبيوتٍ لم يألف رائحتها، وأناسها، وهم يحسنون ملبسه ومأكله.
لم يألف الدور وهي تظلل لهب الشمس وهواء البحر، تاهتْ به الخطى ورحلتْ مشيته على رمالٍ تبيّض من السبخة والماء، وهو يئنُّ بوجعٍ المكبوت والمغلول بعبودية الجوع وبلبلة اللسان.
ولم يكن الميناء الذي ينام على خاصرة البحر، غير قبلة فردوس لجزيرةٍ تنعم في الكتب والأسفار لجنة مبتغاة وخلودٍ سرمدي ونعيم لحضارات وأسلاف، فنامت كنوزهم وأسرارهم وجرارهم وحليهم، في قبورٍ حسبوها طافية على الماء، وخلود أبدي لجنات عدنٍ بين أفياء نخيل وماء.
ولم تكن الكنائس أو بيوت العبادة، التي ابتلعها البحر أو غاصت بين جنباته، حتى لم يكن أثرها سوى شذرات، هُرّبت وهربتْ بين أفواه شعراء وملاّحين ورحّالة، مرّوا خفافاً، فتداركهم الخوف والمجهول.
حتى من أقاموا هنا، ولم تدركهم خطواتهم، لكنوز داستها أقدامهم، بنوا بيوتهم ومساجدهم على كنائس وأديرة وأسفار وكنوز.
تلك هي الكنوز المدفونة لتلال ومدافن تتغاوى بالموج والزبد وهو يغسل الرمل، وتلك هي خطوات العبد وهو يعدو فرحاً بالخلاء والهواء، حتى غاصت رجلاه وسكنه الفزع؛ وبيديه اللتين ابيضتا من العطش، اقتلع حجارة ملساء، لم تأنس أصابعه نعومة صفحتها فنام على خدرها.
من تلك البقعة النائية عن البيوت، يُروض صباحاته حتى المغيب، وبمعوله يهدم الدور وبيوت العبادة المطمورة، حتى القبور وهو يمرر عموده بدوي الجِرار وهي تتكسَّر وتتناثر خشوفها الطينية ناثرة رائحة عتيقة مخدرة، وهو يراقب جثثاً وجسوماً تتبخر أمام عينيه، سكنه الفزع، لكن السكينة في المكان، كانت جنته.وكثيراً ما مرّر معوله على حصاة بكتابات ونقوش وحروف، باع حجارةً كثيرة على أسياده، بنوا بيوتهم وعتباتها، ورمى كثيراً من الجِرار والحلي، حتى أزاحت يديه الرمل عن مرمر مزخرف بصورة السيدة العذراء، حاضنة ابنها، فأصابه الخوف والهلع وتعرق جسده.
هذه الأسرار والكنوز تتناثر بيد وبمعول عبدٍ منسي، رمته أقداره، وهو يهوي بجدران بيوت ومذابح مقدسة، لتهوي الجدران بسقوفها، وتدفنه رمالها بين جرار وقبور مخلدة بالنسيان.
هامش
في أوقات أمرّ بمحاذاة المكان نفسه، أو المقهى الذي كان قائماً هنا، لا شيء غير صوت الموج والفراغ ولا أثرَ لمقهى أو قهوة هنا، لضجيج وحياة وازدهار تجارة العبيد؛
المقهى بني في زمن الغوص وتجارته، من حصاة البحر وجريد النخيل وظللَ بسعفها، يأتيه التجار والطواشون من الهند والبصرة وعمان والكويت والبحرين والجزيرة العربية، والطواشون المحليون، وكان المقهى سوقاً مفتوحة للتجارة، وخاصة تجارة العبيد، حيث أسمي بهذا الاسم، يؤتى بالعبيد والعبدات، صغار السن، حيث تزدهر تلك التجارة، فيتم المساومة والبيع حسب الشروط والعرض والطلب.والعبد المذكور هنا «بَروك»، اشتراه أحد تجار اللؤلؤ في دارين، ليخدم ابنته، فيسكن غرفة التمر، آنسا حلاوة الدبس، فلا يقوى على الخدمة، ليطرد ويجد ضالته بين التلال والمدافن والقبور، في استخراج الحصاة بين الحفر، التي لم يعرف هو وأسياده، سرّها وكنوزها، ويلقى حتفه داخل دور وقبور تهاوت سقوفها فدفنته داخلها.


* النص من مجموعة بعنوان «البحبوح»، صدرت حديثاً عن دار فضاءات - الأردن.

زمرد
23-07-2009, 12:05 AM
ممكن فواصل بين البينين :)

سلطان اليباب
27-09-2009, 11:10 PM
ملامح السيرة الذاتية في كتاب «البحبوح» لحسن دعبل
* د. محمد عبدالله القواسمة

يُقدّم هذا العمل الذي أبدعه الأديب السعودي حسن دعبل بعنوان "البحبوح" مجموعة من النصوص ، التي لم يشأ أن يضعها في جنس أدبيّ معيّن: إذ خلا العمل من أيّ موجّهات إلى ذلك سواء على الغلاف الداخلي أم الخارجي حتّى أنّ النصوص العشرة التي احتواها ظهرت في قائمة المحتويات تحت عنوان مفاتيح.

أرى أنّ هذه النصوص ليست نصوصاً منفردة أو متنافرة بل مترابطة ومتناسقة تحمل ملامح السيرة الذاتيّة ، التي يطغى عليها الشعر ، فنلاحظ أنّها جميعها تُقدّم بضمير المتكلّم" أنا" ، وقد يتحوّل إلى "نحن" في بعضها الآخر ، ومن المعروف أنّ ضمير المتكلّم هو الذي تعتمده السيرة الذاتيّة بشكل عام ، ويتضح جانب من السيرة في النص الذي يتصدّر الكتاب ، إذ يبين لنا أن صاحب السيرة ، وهو المؤلف ، ولد عام 1960 في جزيرة تاروت شرقي السعودية باسمين: الاسم الأول اسم والده حسين ، والثاني اسم حسن. هذه الحقائق التاريخيّة والجغرافية تعرض بأسلوب أدبي. الذي هو العنصر المهم من عناصر السيرة: نقرأ عن مسقط رأس الشخصية :"ولد في بيت ينام في حضن البحر ، وبقعة تتوسد خاصرة دلمون"(ص8)

وفي النص الأول المعنون بـ"أسرق القمر وأداري شحوبه" بصور حسن دعبل قسوة الظروف التي عاشها في طفولته ، وأحسّ بها في الناس من حوله: فقد شاهد وهو طفل ، في هذا المكان المجدب المنطرح بين الماء والصحراء ، الناس وهم يركبون البحر بحثاً عن الرزق ، أو هرباً من قسوة الحياة ، كانت أيديهم خاوية ، وبطونهم جائعة ، وأجسامهم واهنة ، وخصورهم النحيلة لا تقدر على حمل إزاراتهم: "لم يمدوا يداً أو يبسطوها من كثر ما صرخت بطونهم ، حتى سقطت إزاراتهم من على خصر أجسادهم من أخمصها: عشقوا الفناء والنساء ، والتنقل والأسفار ، حتى تاهت قلوبهم من كثرة اخضرارها بالعشق". (ص14)

كما يصوّر النساء وهن يحتفين بولادته وسط الزغاريد والبخور ، و يأخذنه لدعاء البحبوح الذي يطلب بالمساجد ، في الأيام الثلاثة الأخيرة من شهر رمضان: "كنّ يهرولن كما في البيت العتيق ، أمنياتهن تتقافز صدّاحة بالقرب مني ، وبدهشة العين وليونة القلب ، كنت أبكي".(ص17 - 18)

وفي النص" أعمارنا تلك هي الكواكب السيارة" ، يبدو الصراع مع البيئة مهيمناً: ففي هذا المجتمع ، يرحل الرجال في طلب الرزق ، بينما النساء ينتظرنهم ، وهنّ يحلمن بتغيير هذا الواقع البائس ، ويتوجهن بالدعاء إلى الله من أجل ذلك ، ويصنعن التمائم لأطفالهن"يحشهن(كذا) بقراطيس وأدعية وصور أئمة ووسورة يس.." 27ص ليدرأن عنهم غوائل الدهر.

ويمضي النص"رقصة النوروز" في تصوير طقوس هذه البيئة ، التي شهدت طفولة الكاتب ، من بينها ما كان يفعله القوم من الدوران حول نخلة زيّنت بالأعلام للتبرك وطلب الشفاعة والنذور. وكذلك تقديم طقوس النوروز ، التي يصفها الكاتب كما جرت معه حيث قامت النساء بالتقافز من حوله ، وهو ملقى على الأرض مغطى الوجه بالقرب من جذع نخلة ، ثم جاءت إحداهن فالتصقت بالنخلة ، ونذرت بأن تذبح شاة لبون إذا حملت. يقول: "كنت صغيراً أخضر العود وأنا أسمع همساتهن ، لأمهات كثيرات كن يحلمن بحملي وقت الظهيرة" (ص35)

وفي النص" مردية واحدة لا تكفي يا أبي" تبدو شخصية السيرة متماهية بجلجامش بطل الأسطورة المعروفة في احساسه بالعزلة والضياع ، بعد أن غادر حانة سدوري ، ليبحر في مياه دلمون بحثا عن الخلود. ومما يعمّق الإحساس بالضياع أن الأب لم يعبأ بمعاناته ، فيتركه وحيداً يتساءل: "هل أدرك أبي بضياعي وتيهي في ارخبيلاته؟ "(ص44)

في النص" مكسورة جرّتي" تصوير لتغير الأحوال وزوال الجماعات ، وأثر الصحراء والبحر في إنهاء حيوات الناس ، وتبرز الرموز التراثية واضحة من خلال القصص التي تدور على ألسنة الناس وهم يتنقلون بين جزيرة تاروت والقطيف ، أو عبورهم للجزيرة العربية ، وبخاصة ما يروى من حكايات عما يحدث للمسافرين في أثناء اجتيازهم البحر إلى اليابسة من ذلك الخور المائي الخطر ، الذي شهد غرق كثير من الغرباء ، وكان يسميه المسافرون البرودة. وقد بنى فيه أحد الميسورين ما يشبه الاستراحة وفاء لنذر قطعه على نفسه إذا قطع البحر إلى اليابسة سالماً.

ويتحدث النص المعنون بـ" دير دارين" عن المكان المسمى هذا الاسم دارين ، فقد كان ذا اسقفية نسطوريّة مشهورة في القرن السابع الميلادي ، وقد مربها الكهنة والأساقفة والدراويش والمتصوفون والملوك وقوافل التجار والحجيج ، وذكرها ابن حمديس في قوله:

فما فاز بالمسك إلا فتى تيمم دارين ودارها (ص87)

أما الآن فدارين خالية مهجورة تبعث الأسى في نفس الكاتب: فيسألها:"لماذا سافرت في أبديّة النسيان ، ولماذا غادرتك الحكايات والمحار والأشعار"(ص86)

ويتابع النصان"مقهى العبيد" و"عشتاروت" سرد تاريخ المكان ، وما شهده من أحداث محزنة ، كانت تتجلى في ما يسمى مقهى العبيد ، وفي تلك القلعة التي تركها البرتغاليون: فإلى المقهى كانت تجلب الفتيات والأطفال من مومباسا وزنجبار والحبشة ، يأتى بهم على ظهور السفن تجار وسماسرة من البصرة وعمان والكويت والبحرين والجزيرة العربية . انتزعوهم من أحضان أمهاتهم. أما الآن فلم يبق من الماضي إلا ما يوحي به الموج والفراغ ، ولم يدرك من يسكن في المكان أنهم "بنوا بيوتهم ومساجدهم على كنائس وأديرة وأسفار وكنوز"(ص99)

أما تلك القلعة المشرفه على المكان فتحكي عن البرتغاليين الذين بنوها في القرن السادس عشر الميلادي ، ثم تركوها وهربوا بالكنوز ، وهم يعبرون مضيق هرمز ، كما تحكي عن الاتراك العثمانيين الذين استخدموها في عبورهم البحر ، ومن الحكايات التي شهدها المكان في النهاية مقتل الشاعر عيسى بن محسن التاروتي الذي قال متغزلاً:

حمام تاروت عليك اليوم طيرين واحد محنى وواحد أريش العينين.

ولم ينفعه غزله وشعره بل كان سبباّ في موته :"ساقوه إلى حتفه غريباّ بشعره وزهيرياته وحبيباته"(ص112)

كانت تلك أهم ملامح السيرة في كتاب" البحبوح" ومن اللافت أنها قدّمت ـ كما قلنا ـ باسلوب أدبي يغلب فيه الشعر السرد ، ويطغى عليه ، ونكتفي بالتمثيل على ذلك بهذا النص عن دارين:

"لو لم تكن امرأة ، لابتلعها البحر

لكنها راهبة ساكنة في الدير

مر الكهنة والأساقفة ، ومر الأنبياء

مر المتصوفة والدراويش ومر المصلون

مر عبيد من هنا ، مجرورون بأغلال البحر ومر الملوك

الملوك الذين استباحوا الليل بغنائمهم ، وأباحوا الصباح (ص83)

نلاحظ أن الكاتب يوزّع الكلمات على أسطر كما يتوزع الشعر ، وقد التزم بهذه الطريقة في متن الكتاب كلّه ، كما نلاحظ أن النص ما هو إلاّ مقطوعة من قصيدة نثرية فيها بنية ايقاعية تستند إلى استخدام القافية ، والتكرار ، والتطابقات اللفظية ، والصور الشعريّة.

هكذا ، يمكن القول إن الكاتب نجح في الجمع بين الأدب والسرد في تقديم جانب من سيرتة الذاتية ، وأظهر قدرة الشعر على حمل حقائق الواقع ، وتصوير صراع الإنسان مع البيئة الطبيعية.



حسن دعبل ، البحبوح ، عمان: دار فضاءات ، 2009 في 114 صفحة من القطع المتوسط.mdkawasm@gmail.com



http://www.addustour.com/ViewTopic.aspx?ac=\ArtsAndCulture\2009\09\ArtsAndC ulture_issue712_day19_id176111.htm

عبدالله آل دعبل
27-09-2009, 11:28 PM
ملامح السيرة الذاتية في كتاب «البحبوح» لحسن دعبل
* د. محمد عبدالله القواسمة

يُقدّم هذا العمل الذي أبدعه الأديب السعودي حسن دعبل بعنوان "البحبوح" مجموعة من النصوص ، التي لم يشأ أن يضعها في جنس أدبيّ معيّن: إذ خلا العمل من أيّ موجّهات إلى ذلك سواء على الغلاف الداخلي أم الخارجي حتّى أنّ النصوص العشرة التي احتواها ظهرت في قائمة المحتويات تحت عنوان مفاتيح.

أرى أنّ هذه النصوص ليست نصوصاً منفردة أو متنافرة بل مترابطة ومتناسقة تحمل ملامح السيرة الذاتيّة ، التي يطغى عليها الشعر ، فنلاحظ أنّها جميعها تُقدّم بضمير المتكلّم" أنا" ، وقد يتحوّل إلى "نحن" في بعضها الآخر ، ومن المعروف أنّ ضمير المتكلّم هو الذي تعتمده السيرة الذاتيّة بشكل عام ، ويتضح جانب من السيرة في النص الذي يتصدّر الكتاب ، إذ يبين لنا أن صاحب السيرة ، وهو المؤلف ، ولد عام 1960 في جزيرة تاروت شرقي السعودية باسمين: الاسم الأول اسم والده حسين ، والثاني اسم حسن. هذه الحقائق التاريخيّة والجغرافية تعرض بأسلوب أدبي. الذي هو العنصر المهم من عناصر السيرة: نقرأ عن مسقط رأس الشخصية :"ولد في بيت ينام في حضن البحر ، وبقعة تتوسد خاصرة دلمون"(ص8)

وفي النص الأول المعنون بـ"أسرق القمر وأداري شحوبه" بصور حسن دعبل قسوة الظروف التي عاشها في طفولته ، وأحسّ بها في الناس من حوله: فقد شاهد وهو طفل ، في هذا المكان المجدب المنطرح بين الماء والصحراء ، الناس وهم يركبون البحر بحثاً عن الرزق ، أو هرباً من قسوة الحياة ، كانت أيديهم خاوية ، وبطونهم جائعة ، وأجسامهم واهنة ، وخصورهم النحيلة لا تقدر على حمل إزاراتهم: "لم يمدوا يداً أو يبسطوها من كثر ما صرخت بطونهم ، حتى سقطت إزاراتهم من على خصر أجسادهم من أخمصها: عشقوا الفناء والنساء ، والتنقل والأسفار ، حتى تاهت قلوبهم من كثرة اخضرارها بالعشق". (ص14)

كما يصوّر النساء وهن يحتفين بولادته وسط الزغاريد والبخور ، و يأخذنه لدعاء البحبوح الذي يطلب بالمساجد ، في الأيام الثلاثة الأخيرة من شهر رمضان: "كنّ يهرولن كما في البيت العتيق ، أمنياتهن تتقافز صدّاحة بالقرب مني ، وبدهشة العين وليونة القلب ، كنت أبكي".(ص17 - 18)

وفي النص" أعمارنا تلك هي الكواكب السيارة" ، يبدو الصراع مع البيئة مهيمناً: ففي هذا المجتمع ، يرحل الرجال في طلب الرزق ، بينما النساء ينتظرنهم ، وهنّ يحلمن بتغيير هذا الواقع البائس ، ويتوجهن بالدعاء إلى الله من أجل ذلك ، ويصنعن التمائم لأطفالهن"يحشهن(كذا) بقراطيس وأدعية وصور أئمة ووسورة يس.." 27ص ليدرأن عنهم غوائل الدهر.

ويمضي النص"رقصة النوروز" في تصوير طقوس هذه البيئة ، التي شهدت طفولة الكاتب ، من بينها ما كان يفعله القوم من الدوران حول نخلة زيّنت بالأعلام للتبرك وطلب الشفاعة والنذور. وكذلك تقديم طقوس النوروز ، التي يصفها الكاتب كما جرت معه حيث قامت النساء بالتقافز من حوله ، وهو ملقى على الأرض مغطى الوجه بالقرب من جذع نخلة ، ثم جاءت إحداهن فالتصقت بالنخلة ، ونذرت بأن تذبح شاة لبون إذا حملت. يقول: "كنت صغيراً أخضر العود وأنا أسمع همساتهن ، لأمهات كثيرات كن يحلمن بحملي وقت الظهيرة" (ص35)

وفي النص" مردية واحدة لا تكفي يا أبي" تبدو شخصية السيرة متماهية بجلجامش بطل الأسطورة المعروفة في احساسه بالعزلة والضياع ، بعد أن غادر حانة سدوري ، ليبحر في مياه دلمون بحثا عن الخلود. ومما يعمّق الإحساس بالضياع أن الأب لم يعبأ بمعاناته ، فيتركه وحيداً يتساءل: "هل أدرك أبي بضياعي وتيهي في ارخبيلاته؟ "(ص44)

في النص" مكسورة جرّتي" تصوير لتغير الأحوال وزوال الجماعات ، وأثر الصحراء والبحر في إنهاء حيوات الناس ، وتبرز الرموز التراثية واضحة من خلال القصص التي تدور على ألسنة الناس وهم يتنقلون بين جزيرة تاروت والقطيف ، أو عبورهم للجزيرة العربية ، وبخاصة ما يروى من حكايات عما يحدث للمسافرين في أثناء اجتيازهم البحر إلى اليابسة من ذلك الخور المائي الخطر ، الذي شهد غرق كثير من الغرباء ، وكان يسميه المسافرون البرودة. وقد بنى فيه أحد الميسورين ما يشبه الاستراحة وفاء لنذر قطعه على نفسه إذا قطع البحر إلى اليابسة سالماً.

ويتحدث النص المعنون بـ" دير دارين" عن المكان المسمى هذا الاسم دارين ، فقد كان ذا اسقفية نسطوريّة مشهورة في القرن السابع الميلادي ، وقد مربها الكهنة والأساقفة والدراويش والمتصوفون والملوك وقوافل التجار والحجيج ، وذكرها ابن حمديس في قوله:

فما فاز بالمسك إلا فتى تيمم دارين ودارها (ص87)

أما الآن فدارين خالية مهجورة تبعث الأسى في نفس الكاتب: فيسألها:"لماذا سافرت في أبديّة النسيان ، ولماذا غادرتك الحكايات والمحار والأشعار"(ص86)

ويتابع النصان"مقهى العبيد" و"عشتاروت" سرد تاريخ المكان ، وما شهده من أحداث محزنة ، كانت تتجلى في ما يسمى مقهى العبيد ، وفي تلك القلعة التي تركها البرتغاليون: فإلى المقهى كانت تجلب الفتيات والأطفال من مومباسا وزنجبار والحبشة ، يأتى بهم على ظهور السفن تجار وسماسرة من البصرة وعمان والكويت والبحرين والجزيرة العربية . انتزعوهم من أحضان أمهاتهم. أما الآن فلم يبق من الماضي إلا ما يوحي به الموج والفراغ ، ولم يدرك من يسكن في المكان أنهم "بنوا بيوتهم ومساجدهم على كنائس وأديرة وأسفار وكنوز"(ص99)

أما تلك القلعة المشرفه على المكان فتحكي عن البرتغاليين الذين بنوها في القرن السادس عشر الميلادي ، ثم تركوها وهربوا بالكنوز ، وهم يعبرون مضيق هرمز ، كما تحكي عن الاتراك العثمانيين الذين استخدموها في عبورهم البحر ، ومن الحكايات التي شهدها المكان في النهاية مقتل الشاعر عيسى بن محسن التاروتي الذي قال متغزلاً:

حمام تاروت عليك اليوم طيرين واحد محنى وواحد أريش العينين.

ولم ينفعه غزله وشعره بل كان سبباّ في موته :"ساقوه إلى حتفه غريباّ بشعره وزهيرياته وحبيباته"(ص112)

كانت تلك أهم ملامح السيرة في كتاب" البحبوح" ومن اللافت أنها قدّمت ـ كما قلنا ـ باسلوب أدبي يغلب فيه الشعر السرد ، ويطغى عليه ، ونكتفي بالتمثيل على ذلك بهذا النص عن دارين:

"لو لم تكن امرأة ، لابتلعها البحر

لكنها راهبة ساكنة في الدير

مر الكهنة والأساقفة ، ومر الأنبياء

مر المتصوفة والدراويش ومر المصلون

مر عبيد من هنا ، مجرورون بأغلال البحر ومر الملوك

الملوك الذين استباحوا الليل بغنائمهم ، وأباحوا الصباح (ص83)

نلاحظ أن الكاتب يوزّع الكلمات على أسطر كما يتوزع الشعر ، وقد التزم بهذه الطريقة في متن الكتاب كلّه ، كما نلاحظ أن النص ما هو إلاّ مقطوعة من قصيدة نثرية فيها بنية ايقاعية تستند إلى استخدام القافية ، والتكرار ، والتطابقات اللفظية ، والصور الشعريّة.

هكذا ، يمكن القول إن الكاتب نجح في الجمع بين الأدب والسرد في تقديم جانب من سيرتة الذاتية ، وأظهر قدرة الشعر على حمل حقائق الواقع ، وتصوير صراع الإنسان مع البيئة الطبيعية.



حسن دعبل ، البحبوح ، عمان: دار فضاءات ، 2009 في 114 صفحة من القطع المتوسط.mdkawasm@gmail.com



http://www.addustour.com/ViewTopic.aspx?ac=\ArtsAndCulture\2009\09\ArtsAndC ulture_issue712_day19_id176111.htm


فاضل أريدكْ تنوّرني
هل القصد أنّ أبا صبا استخدم طريقة الطلاسم مثلاً وعلى الكاتبْ أن يكون حاذقاً , وأن يُحاوِلَ جمعَ المُتناثِرِ والذي خفيَ بين الكلِماتِ وتستّر من وراء السطور , لكي يرى ثمرةً مُتميّزةْ , هي لُبّ البحبوحْ وسِرّهُ الخالصْ ..
تحيّاتي لجهودكُمْ ,,, وننتظِرُ الجديد أبا صِبا
:wf: :wf: :wf:

سلطان اليباب
27-09-2009, 11:36 PM
في الحقيقة أنا لم أقف على البحبوح كاملاً إلا أني قرأت بعضه المتناثر في المنتديات و ما يرسله لي على البريد الإلكتروني لكن الدعبل دائما ما يربط المكان و الزمان في البلد بشكل سرد ملغز يبعث التساؤلات و يثير لدى القارئ الوصوصل لكنه المعنى المراد ...

كتب مثلاً عن مقهى العبيد، هذا المكان كان موجوداً في زمنٍ ما ... في النص ستجد أنه يذكره لكنه لا يلمح كثيراً إليه أو يجعلك متواجداً فيه بالشكل الروائي المكثف. هو فقط يعطيك بعض الإلماحات للمكان و عليك البحث و التنقيب ... هكذا هو حتى في الأسئلة المطروحة عليه يجيبك باختزال يثير حفيظة العمل الجاد و الدؤوب للوصول إلى الحقيقة المنسية.

آمل أني قد أجبت و لو بما أعرف، و هو القليل بالطبع

محبتي / فاضل

الهدهد
09-11-2009, 07:05 AM
محمد العباس يناقش «البحبوح» بالكويت



يستضيف ملتقى الثلاثاء الأدبي بالكويت مساء غد الناقد محمد العباس والقاص حسن دعبل صاحب المجموعة القصصية «البحبوح».

وسيقدم الناقد محمد العباس خلال الأمسية ورقة نقدية حول المجموعة، وسيكون عنوان الورقة «تداعيات النصوص الزمانية والمكانية والتاريخية والأسطورية»، فيما يقرأ دعبل عدداً من نصوصه

فاطمة يوسف
12-11-2009, 12:03 AM
وفقا لبارت
الإنتاجية تنطلق وتدور دوائر إعادة التوزيع ويبزغ النص عندما يباشر المدوّن
أو القارئ أوكلاهما مداعبة الدالّ
وذلك بعد أن يضمّن الكاتب نصه جناسات لا تنقطع
وتكمن براعة الكاتب في تكثيفه لسيميائية لغته ...
الشعراء والأدباء مختلفون في طرق التشكيل والتوظيف والابتكار
فلكل طريقته في التعبير وأسلوبه في التخييل والتحليق بنصه



فااطمة

:butt:

سلطان اليباب
12-11-2009, 10:10 AM
نصوص البحبوح.. الزمان والمكان في "ملتقى الثلاثاء"


حسن دعبل ومحمد العباس تألقا في الأمسية القصصية




دعبل قرأ خمس قصص من مجموعته الأخيرة.. كان أولها "أسرق القمر وأداري شحوبه"


العباس: دعبل لايحكي بقدر مايفكر إذ إنه يتذكر ويحاول إنهاض التاريخ


كتبت- عذراء عيدان:


استضاف ملتقى الثلاثاء ضمن نشاطه الأسبوعي السعوديين القاص حسن دعبل والناقد محمد العباس في أمسية قصصية- نقدية بعنوان "نصوص البحبوح.. الزمان والمكان" أدارها الكاتب وليد الفضلي.


بداية قرأ القاص دعبل خمس قصص من مجموعته الأخيرة "البحبوح" وكان أولها "أسرق القمر وأداري شحوبه بعزلتي" جاء فيها


كمن يتسلل للغيم أسرق القمر, وأداري شحوبه بعزلتي وحيدا وعاريا أسابق ستار المساء.


وحيدا أخطو مبللا ثيابي بقطرات الماء, وهو ينساب في كينونته وسكينته وكمن يحاور الوحدة بصمت حائر, عبثت بالفراغ والسكون من خلفي تزداد الوحشة, وأمامي يصرخ البحر بجبروته


لاأنيس يستوحشني ولا عدو يباغتني


ليس سوى ضوء وسماء


ثم قرأ "رقصة النوروز"


كنت صغيرا تمسكني أيد كثيرة وتجرني بهرولة الرجف وسرعة البركات


كنت صغيراً أتفرس بالوجوه وأمعن البصر في البياقر الخضراء والحمراء والمزخرفة بنقاط مذهبة.


يتوهمون بتقديس النخلة المباركة ويقدمون لها القرابين والنذور وما ادخروه من نقود أسلافهم.


يقفزون بضحكات ويهللون تهليلة الفرح المخبأ والمكبوت, لكن ركضاتهم وقفزاتهم وهي تترامي بأفخاذهم وماكشفوه عن سرة بغناء وأطياب علقت بأجسادهم بغرض التبرك والنذور.


ومن "مائدة مريم" قرأ:


لم تعرفها أمي غير مريم العذراء الطاهرة, ابنها عيسى بن مريم, طاهر ونبي وابن بتول طاهرة, وغير هذا لاتلتفت لشي, تحضر لها المائدة, خبز أسمر معجون بخميرة تمر, وسمك مجفف, وكراث او ماتنبته الأرض من قثائها, تضعه في "زنبيل" وتغطيه بخرقة خضراء ناصعة وطاهرة رائحتها زكية فواحة بلون الاضرحة.


ثم قرأ من نص "مقهى العبيد" وكذلك "قلعة تاروت أو سيرة خنصر عشتار وحكايات".


النص الطيني


ناقش الناقد محمد العباس القضايا التي تضمنتها النصوص المقروءة وتاريخ وجغرافيا المكان وأساطيره وقال: ان القاص جاء بأسرار من تاريخ الانسانية وأساطيرها فكانت في غواية البشرية الأولى, وسر الكون, وسر المعابد, وسر بيوت العبادة, وسر الكتب والرسل والحياة, ويفصح عن هذا اليقين بقوة في مجموعته "البحبوح" فكان تعبيره صريحا عن شغفه بهذا التاريخ الأسطوري والجغرافي واستخدم إشارات وايحاءات ايمائية في ذكر بعض الملامح ومنها الألواح, ليؤكد بحركة بندولية ذهابا وإيابا في مجرى النصوص على قناعته بأن الطين صلصال الابدية قبل ان يعبد وانه إذا ما مسته النار صار سراً وقدساً وروحاً وأضاف العباس ان القاص دعبل لاينظر الى تجنيس النص ولايحمل همه لأنه مجبول على صناعته ورائحة الطين تفوح منه وليس معنيا بقولبته بشكل فني يحد من مرونته, بقدر ما يكتب بلذة وفضول الحفار الذي ينقب في موروثه المادي واللامادي عن أثر يحمل معه دلالة بالمعنى الأدبي, حيث يمارس الاشتغال على المركبات الغائرة لهوية المكان ليشبع توق ذاته المهجوسة بإيجاد صلة روحية ما بين ماضيه المغيب وحاضره الملتبس, وبالتحديد في المطمور تحت الارض, وفي جب الذاكرة المستباحة نتيجة قناعة فكرو جمالية راسخة في وعيه بأن "الكنوز تنام قريبة من القبور" كما يبدو ذلك جليا وشاعريا ايضا من خلال مفردة "البحبوح" المثيرة للتأويلات التي اختارها كمظلة سحرية لنصوص ذات سمت واحد مفهرسة تحت عنوان والأجد ان تكون مفاتيحا لنصوصه فهي إحالة كثيفة الدلالة تغري بالتماس مع ثوالب نصية, إشارية وغامضة في تركيبها الفني, ومفتوحة في الآن نفسه على بيئة زمانية مكانية محرضة على الاكتشاف.


ورأى العباس ان دعبل لايحكي بقدر ما يفكر اذ انه يتذكر ويحاول انهاض التاريخ الآفل وحيثياته ومعطياته, الأمر الذي يفسر ارتداده العمودي في ذاكرة المكان لاعادة تركيب هويته اللاهبة في لوح التاريخ, حيث يستمتع بالإنصات لتراتيل الذين مروا ناحية "دير دارين" أولئك الذين يقول عنهم التاريخ انهم "تعبدوا وغنوا وتعللوا "تعلولة" وفي الصباح شربوا قهوة الراهبة ويمموا البحر وغادروها" حيث يضع التاريخ على حافة التأويل, ويستنطقه ليسرد حكاية دارين التي كانت ذات اسقفية نسطورية مشهورة في العهد الساساني, ثم يقف عند طلل تشبه سيرته المخزية شكل الجرح أو العار التاريخي. عند ماتبقى من آثار "مقهى العبيد" المشرب الذي كان يغسل "عتباته بموج البحر" فيما يبدو محاولة لرسم سيناريوهات استعادية لذلك الميناء الذي ينام على خاصرة البحر قبلة فردوس لجزيرة تنعم في الكتب والاسفار لجنة مبتغاة وخلود سرمدي ونعيم لحضارات وأسلاف نامت كنوزهم وأسرارهم وجرارهم وحليهم, في قبور حسبوها طافية على الماء, وخلود ابدي لجنات عدن بين أفياء نخيل وماء.


وكأنه بهذا السرد الاستذكاري إنما أراد أن يعيد تشكيل ما تبقى من أثر مادي ونفسي لسقيفة كانت بمثابة سوق لتجارة الرقيق, وخلاصة القول ان العباس قد اشار في قراءته النقدية الى تفسير بواطن النص ذي الاسرار الروحية الشفيفة.. ثم فتح باب النقاش لاستطلاع اراء وتفسيرات الحضور اذ انهم اشادوا للعباس بفهمهم للنص من خلال وقفته النقدية
.

سلطان اليباب
13-11-2009, 09:17 PM
http://www.aljarida.com/AlJarida/Resources/ArticlesPictures/2009/11/13/136183_1258026675684754900_small.jpg (http://www.aljarida.com/AlJarida/Resources/ArticlesPictures/2009/11/13/136183_1258026675684754900.jpg)
دعبل والفضلي والعباس في ملتقى الثلاثاء
البحبوح نصوص سردية محملة بالتاريخ والشعر

ملتقى الثلاثاء استضاف أمسية قصصية - نقدية


ضمن نشاطه الأسبوعي استضاف ملتقى الثلاثاء القاص حسن دعبل والناقد محمد العباس، إذ قرأ دعبل مجموعة من نصوصه، كما قدم العباس قراءة نقدية لها، أدار الأمسية الكاتب وليد الفضلي.

قرأ دعبل في مستهل الأمسية مجموعة من نصوص كتاب 'البحبوح' من بينها: 'أسرق القمر وأداري شحوبه بعزلتي' و'رقصة النوروز'.
من جانبه، أكد محمد العباس أن القارئ في حاجة إلى حالة احتدام مع النص لشرح نصوص دعبل، مشيراً إلى أنها تحوي خيطاً سردياً قد يبدو غير متماسك، يعوق استقبالها كحكاية، كما أن هناك قيمة شعرية تتخفى من بين زوايا النص. واستطرد العباس: 'هذه النصوص مكتوبة من إنسان يعيش على بقعة جغرافية على الخليج فيما يشبه القرية، لكنها تغطي من الناحية السياسية والجغرافية منطقة بين الفرات والبحرين فيما يعرف بمنطقة الحضارة الدلمونية، وربما التقط البعض مفردات من المجال التاريخي والأسطوري والأنثروبولوجي تشي بما تحويه النصوص، هذا هو المخيال الاجتماعي الذي تتحلق حوله نصوص حسن دعبل'.
وأوضح العباس أن 'القص بالنسبة إلى حسن دعبل ينبني بحيث يتحول النص إلى شكل من أشكال الوعي، ولذلك نرى انغراس مجموعة من القيم المعرفية في النص وهي في حاجة إلى ما يضيئها'، مشيراً إلى أن نصوص دعبل ترتبط بالتاريخ ارتباطاً وثيقاً، حيث يتحول الشرط التاريخي إلى فعل تذكر، فهو يكتب وكأنه طفل جملة من الطقوس، وهي تتجذر لتنجز الدهشة التي تشد القارئ لكنها تظل في حاجة إلى تفسير، كما نجد أنها تأمل لأزمنة تعاقبت فالكنوز تنام دائما في القبور، مشيراً إلى أن اتجاه دعبل في السرد هو اتجاه أحفوري ليس معنيا بالبحث عن القيمة المادية والمعنوية المتمثلة في المعارف، وهناك تمثل ميثولوجي ودرامي للتاريخ وتحديدا بحكاية أزلية موجودة في كل عبارة من عباراته.
واستطرد العباس موضحاً أن في نصوص دعبل ما يستدعي التفكير فالقص غير موجود وكأنه يتعمد متابعة الحكاية بشكلها الحلقاوي من أين تبدأ وكيف تنتهي، ولذلك لانجد الحبكات والشخوص والأمكنة بمعناها الكلاسيكي بقدر ما نرى ومضات تتجمع في نهاية النص بشكل يعطيها أسلوبية خاصة.

سلطان اليباب
14-11-2009, 12:28 PM
http://www.alqabas.com.kw/Temp/Pictures/2009/11/14/663f669e-f13e-4f65-b3d4-286e872f3b8e.jpg
حسن دعبل ووليد الفضلي ومحمد العباس


في أمسية سردية استضافها ملتقى الثلاثاء محمد العباس: نصوص «البحبوح» انتصار على التاريخ المدبر


كتب مهاب نصر:


تاريخ مطمور، من يخدشه إلا تاريخ آخر تكتبه الذات بطفولتها؟ وحكاية مدبرة، من يكشفها إلا حكاية أخرى تعرّي أقنعة الحكي الزائف؟ في هذا الأفق تدور نصوص الكاتب حسن دعبل الذي استضافه والناقد السعودي محمد العباس ملتقى الثلاثاء للحديث عن تجربته مع نصوص «البحبوح» في الأمسية التي قدم لها الكاتب وليد الفضلي. و«البحبوح» كتاب يضم مجموعة من النصوص ملتبسة في انتمائها وتصنيفها الفني، لتترك أفقا مفتوحا من التأويل وتتعاطى بحسب الناقد محمد العباس مع شريحة واسعة بعيداً عن هاجس التواطؤ المسبق. وكلمة «البحبوح» كما يقول دعبل تشير إلى رقصة من الديانات القديمة ربما تعود أصولها إلى الزرادشتية وتقام في الأيام الثلاثة الأخيرة من رمضان حيث تؤديها النسوة بأغنيات ينشدن فيها: «أعطنا بحبوحة الجنة».
التاريخ المطمور
«نصوص تخدش التاريخ»، هذا ما قاله الناقد محمد العباس عن مجموعة حسن دعبل الذي بدأ بقراءة نص هو «أسرق القمر وأداري شحوبه بعزلتي»، ثم أتبعه بنص آخر هو «رقصة النوروز». رأى العباس في نصوص «البحبوح» إحياء للمطمور في جزء هام من ذاكرة منطقة الخليج في تلك البقعة المنتمية إلى ما يسمى بحضارة دلمون والممتدة من الفرات إلى البحرين، حيث تكشف عن الجوانب الأسطورية والدينية والتاريخية التي يدفع بها العصر الحالي إلى المحو. وقد عقب دعبل نفسه في نهاية الندوة بقوله «نحن يراد لنا النسيان» رافضا أن تلغي المرحلة النفطية وصراعاتها علاقات أقدم في التاريخ تبرز حياة إنسانية وزخما تاريخيا وصراعا عميقا ما زال يتخفى وراء صراعات الحاضر التي بدورها تجهد في إخفائه.
ورغم عدم التماسك الذي قد يعوق استقبال النص كحكاية كما يقول العباس فإن ذلك يجد مبرره في النفس الشعري الذي يجتاح المجموعة كلها. يقول العباس: «القص بالنسبة لحسن دعبل من خلال متابعتي له منذ كتابه «جمرة الضوء» ينبني بحيث يتحول النص إلى شكل من أشكال الوعي، ولذلك نرى انغراس مجموعة من القيم المعرفية في النص، وهي بحاجة إلى ما يضيئها»، لذلك دعا العباس القراء إلى الاحتدام مع النص الذي يقوم بدوره بتفعيل ذاكرتنا.
وإذا كانت نصوص «البحبوح» ترتكز على المخيال الاجتماعي فإنها تسرد من وجهة نظر الذات، ولذلك تمثل وثيقة نصية شعورية تتسم أحيانا بنوع من الغموض. فهناك بحسب العباس «عادات طقسية واعتقادات شعورية يحاول دائما حسن دعبل ان يدفعها من سكونها الأرشيفي حسب ما قرأناها في الكتب والأسفار ومختزنات الذاكرة» لتتحول من شروطها التاريخية إلى فعل تذكر، فهو يكتب، وكأنه طفل، جملة من الطقوس التي تدفع بالحدث التاريخي.
واتجاهه السردي في المجموعة كما يشير العباس هو اتجاه أحفوري ليس بمعنى البحث عن القيمة المادية فقط، بل المعنوية المتمثلة بالمعارف والمعلومات، وهناك تمثل ميثولوجي ودرامي للتاريخ، وتحديدا بحكاية أزلية موجودة في كل عبارة من عباراته «لكن حسن دعبل لا يتعامل مع التاريخ مدرسيا، بل ينظر إليه نظرة جمالية، في عبارة مشعرنة لا بد من ربطها بمجمل السرد».
من هنا يأتي ابتعاد النص عن الصيغة المعتمدة للحكي، فالقص بصورته التقليدية مستبعد بكل مكوناته وأدواته، مثل الحبكة والشخوص والأمكنة بحضورها القصصي الكلاسيكي بقدر ما يتشكل النص على هيئة ومضات.
هذه الاستراتيجية بحسب العباس «فيها رغبة لإنعاش الذاكرة وتحريك الخامد والخامل في هذه المنطقة التي تنام على إرث تاريخي طقسي أسطوري تمت مواراته تحت مجموعة من الضغوط الدينية والاجتماعية والسياسية، وأعيد رسم الخارطة مرات ومرات على وقع إيقاع المدافع والاندثارات السياسية والطبيعية».
ويؤكد العباس أن إحياء الذاكرة في مجموعة «البحبوح» يختلف عن أسلوب الحنين والنوستالجيا، فهو تاريخ وتذكر يخدش ويقضم ذاكرة الإنسان.
ومثل العباس على مقولته بنص «مقهى العبيد» الذي يتحدث عن تاريخ استجلاب العبيد من موباسا وزنجبار وغيرهما، والذي يسميه العباس «تاريخ الخزي الذي لا يراد له أن يتذكر بل أن ينسى، ولكن حسن يعيده للذاكرة».
نص إشكالي
قبل أن يأتي دور المداخلات قرأ حسن دعبل نصوصا أخرى: «مائدة مريم»، «مقهى العبيد»، و«عشتاروت». ويبدو أن إشكالية نصوص «البحبوح» على مستوييها الشكلي والمضموني دفعت بالكثيرين إلى التساؤل عن انتماء هذه النصوص وما إذا كانت شعريتها وذاتيتها في مصلحة مضمونها أم أنها تزيده غموضا، كما تساءل البعض عن السر في التركيز على طقوس وديانات ومراحل تاريخية بعينها وإغفال أخرى. وبينما ذهبت بعض المداخلات إلى تأييد انفتاح النص، رأت أخرى أنه ذاتي وأيديولوجي، كما تساءل أحدهم: أين موقع السارد من هذا التاريخ؟ وأين التاريخ المعاصر من هذا الماضي؟
ويبدو أن تاريخنا الملتبس والمتراكب الطبقات مع ميل مجتمعاتنا إلى التحفظ، ناهيك عن نخبوية الفعل الثقافي، ستجعل التاريخ دائما كالجرح نسمع صراخ المتألمين به، ولكن لا نرى واقعه إلا من خلف غشاء الألم، وهو ما قد يزيده غموضا، لكن على الأقل قد ينبه آخرين إلى انتزاع قشرة الحاضر الجامد وإعادة قراءته في ضوء أكثر غنى وتعقيدا، وهذا جزء مما تقدمه نصوص حسن دعبل.



المصدر - جريدة القبس
http://www.alqabas.com.kw/Article.aspx?id=549835&date=14112009

سلطان اليباب
11-05-2010, 01:24 PM
قصص دعبل... عن وجوه منسية وأمكنة شائخة

الثلاثاء, 11 مايو 2010
http://international.daralhayat.com/files/imagecache/medium_thumb/files/rbimages/1273516159724340700.jpg
عمان - «الحياة»


احتفت دار فضاءات (الأردن) بالكتاب الجديد للكاتب السعودي حسن دعبل، ونظّمت له فعالية قدم فيها عدد من الأدباء قراءات نقدية حول كتاب «البحبوح»، ومن هؤلاء الروائية العراقية لطفية الدليمي وهدية حسين وأحمد أبو صبيح وسواهم.
بداية تقول هدية حسين عن أعمال دعبل: «اعترف بأنني انجذب لشكل غلاف أي كتاب أقتنيه، وأعد الشكل الخارجي للكتاب هو المفتاح الذي يقود للمحتوى (ربما يخالفني البعض هذا الرأي)، ولذلك توقفت كثيراً أمام غلاف «البحبوح»، بل وشعرت بالغيرة، لأن حسن دعبل سبقني إلى هذه اللوحة التي تتداخل فيها الحروف بالأرقام بالطيور بشجر النخيل بالرموز والإشارات الروحانية، وتناسق الألوان فيها حد الشعور برائحة التراث على هذا النحو، الذي أجاد فيه الفنان إياد القرغوللي، الذي عرف بغوصه في الموروث الإسلامي تحديداً، وكما يقال (الكتاب يقرأ من عنوانه)، فقد أخذتني العين المفتوحة على حزن شاسع والتي تتوسط اللوحة إلى شاشتها، واختزلت ما أراد الكاتب أن يقوله في مجموعته، بل زاد على ذلك اختياره لعدد آخر من اللوحات والتخطيطات للفنان ذاته أسهمت إلى حد بعيد في رسم معالم شخصيات حسن دعبل. فإلى أي حد تمثل الكاتب تلك الرموز وعوالمها السحرية داخل النص؟ وإلى أين أخذنا من خلال هذه الصرخة التي تواتر صداها في الفضاء، فضاء النفس العربية المتشظية؟».
(...) هذه النصوص تتحدث عن الوجوه المنسية والأمكنة الشائخة بالذكريات، عن وجع الإنسان في غربته الداخلية، والأمنيات الحبيسة في الصدور. قصص منفلتة من اسار وأسوار القصة القصيرة التي تعرفها. قصص مفتوحة النهايات أو بلا نهاية أحياناً، تترك لدى القارئ جملة أسئلة تنبثق من الدهشة والحيرة معاً، في محاولة لإكمال ما غفل عنه الكاتب أو نسيه أو تناساه أو تعمد أن يترك له فسحة، لكي يسهم ويشارك في صنع النهايات بعد أن يتساءل وماذا بعد؟ ماذا بعد رحلة هذا الإنسان الذي يمشي في طريق صحراوي شاسع غير معلم، وكلما توقف التفت إلى الوراء باحثاً عن آثار أقدامه التي محتها الريح.
إنسان حسن دعبل وحيد ومتوحد، هائم وهارب مثل كوكب انفلت من بين ملايين الأجرام ليجد ذاته. ولكنه لم يجد لأنه لا يدري إلى أين تقوده أقداره.
يرصد حسن دعبل عالم إنسانه هذا. الخارج من ظلمة نفسه والعائد إليها، بعد أن اكتشف أن العالم الخارجي أكثر ظلمة. إنها قصص الهم الذاتي التي تشم من خلالها روائح التراث بكل ما يحمله من قداسات وخزعبلات. لا أدري لم غابت المرأة عن عالم حسن دعبل، وإن حضرت فإنها تمر مروراً سريعاً بلا ملامح أو روائح تذكر بها؟».
فيما يشير أحمد أبو صبيح في قراءته إلى أن «فهم نص ما هو الوعي للعلاقة التي تنشأ بين مكونات الثقافة، لتصبح عملية الإدراك موازية لعملية الإبداع، وبذلك يصبح التلقي نشاطاً يقوم به المتلقي ضمن مطالب جديدة، وفهم بنية ما بكل تعقيداتها وتشابكها بجدلية الخفاء والتجلي عمل صعب للغاية قد لا يعادله في صعوبته إلا الإبداع ذاته. كثير من المبدعين طمحوا لفرض هذا الوعي الجديد لعملية القراءة، في زمن طغت فيه على الثقافة العربية مطالب السهولة والسطحية.
كتاب «البحبوح» نصوص أدبية تكشف عن رؤى إبداعية تتحكم فيها لغة قادرة على الإدهاش عبر تجربة إنسانية زاخرة، لذلك نرى الكاتب يبتعد في كتابه عن الانشغال بفن القص أو تجنيسه تحت أي عنوان آخر، فهو يلتقط مشاهده ويقولبها بشكل فني، بحيث تصبح قادرة على النقب في الذاكرة المكتنزة بالهموم. لذلك نرى تجربته تبلغ حداً من الكثافة والتوتر والقلق عبر صور تفيض بالإضاءة والكشف لا حدود لها.
بمهارة عالية، يحيل حسن دعبل الصور إلى رؤية انحلالية للعالم المألوف للأشياء والترابطات والتداعيات التي تثيرها في النفس، ثم يعيد التركيب بطريقة جديدة لم نألفها في تطلعنا اليومي إلى الأشياء، ليصل من خلال ذلك إلى المتلقي الذي يجد نفسه في تماس مع صور مليئة بالحيوية، ما يضطره للقراءة مرة أخرى، ليشعر بتلك اللذة التي تنحل فيها الصور في الذات (...) النصوص التي يتناولها دعبل في كتابه تحمل في أحشائها نظرة شمولية للواقع، فنرى أن نظرته للكيان الاجتماعي ما هي إلا خلاصة التفاعل بين الإنسان ومجتمعه، ولذا فشأنه شأن أي نتاج اجتماعي آخر يحمل جزءاً من الأخلاق والأفكار والوعي للمكان الذي يعيش فيه (...)، وكما أننا نستطيع أن نلمس أن الكاتب دعبل يتعامل مع المكان على أنه مسافة مقاسة بالكلمات ورؤية لأمور غائرة في الذات الاجتماعية، لذلك فإن الكاتب لا يتعامل معه في نصوصه على أنه غطاء خارجي أو شيء ثانوي، بل هو الوعاء الذي نرى أن قيمته تزداد في النصوص، لأنه متداخل في العمل الذي يقدمه ليصل عبر ذلك إلى إعطاء المكان دلالة على أنه امتداد لذاته الإنسانية، محولاً المكان في الوقت ذاته إلى أداة للتعبير».

حسن علي
11-05-2010, 02:23 PM
شكرًا يا فاضل على النقل

أتسائل ، متى سيتم الإحتفاء محليًا بالـ البحبوح ؟! و نحن أولى بذلك ..
غير ذلك ، هل نملك الوعي المناسب لمناقشة نصوصه في جلسة مفتوحة ؟!

محبتي

سلطان اليباب
11-05-2010, 02:30 PM
السؤال يا حسن،

هل يملك المجتمع حساً أو وعياً كافياً لتكريم المبدع و الاحتفاء به؟!
تحتاج لمناقشة البحبوح الإلمام بأطراف التراث و القبض عليها و لا أدري من يستطيع تقديم ذلك فضلاً عن مناقشة صاحب التجربة في أمسية ما : )

محبة / فاضل

حسن علي
11-05-2010, 03:09 PM
نعم يا فاضل ، لدينا أزمة تلقي ..

لكن هذا لا يعني بطبيعة الحال خلو المجتمع من مستقبلين لأي نتاج إبداعي ..
ما زالت المعارض الفنية تقام رغم عدم كثرة زائريها و لمن يتناول أعمالها ..
و ما زالت الدواويين تطبع و تشترى بمنتجها السيء و الجيد ..


لذا أنا ما زلت على أمل بإحتفاء بسيط تقيمه مؤسساتنا المحلية الثقافية بغض النظر عن تفاصيله