المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : قِرَاءَاتٌ وَرُؤَى لبَعضِ النُّصوصِ الأدَبيَّة .


رَجَاء أحْمَد
19-02-2009, 02:05 PM
( أ )

فِي كَثِيْرٍ مِنَ الأحْيَانِ ، يَسْتوجِبُ عَلَيْنَا ألاَّ نبْحَثَ عَنِ الخُطوطِ المُستقِيْمَة ؛ بَلْ عَليْنَا

أنْ نجْتهِدَ فِي أنْ نُظهِرَ الخطُوْطَ المَائِلة الخَفِيَّة .


فقَدْ تَكُوْنُ الكِتَابَةُ حَالَةَ غِيَابٍ ؛ نزَّاعَةٌ للتشظِّي أوِ التَّجلِّي ، للتوَلُّدِ أوِ التَّمَدُّد ، تُمَرِّرُ

كَيْنُوْنَةَ الذَّاتِ بَيْنَ زَمَانِ الوَصْلِ وَالفَصْلِ لمَخَاضِ وَحْيٍ أوْ جُمُوْحِ اغتِرَاب .

.

وَمِنْ خِلالِ مُمَارِسَتِنَا لتَفَاصِيْلِنَا الصَّغِيْرَة عَبْرَ المُرُوْرِ للمُتنَاقضَاتِ الثًّنائِيَّة للنَّصِّ ، الجَلِيَّة مِنْهَا

وَالخَفِيَّة ؛ نَسْتَطِيْعُ أنْ نتَسَلَّقَ أبْرَاجَ التَّأوِيل ؛ مِنْ أجْلِ صِيَاغَةِ المَعْنَى فِي قَوَالِبَ جَدِيْدَة .


وَبِهَذا يَكُوْنُ هُنَالِكَ إشْرَاكٌ للمُتَلقِّي فِي صِنَاعَةِ النَّصِّ وكتَابَتِهِ ، وَإعَادَةِ هَنْدَسَتِهِ ، وفْقًا

لإخْضَاعِ مَعَانِي النَّصِّ لِرُؤْيَتِهِ الخَاصَّة ، - مَعَ الحِفَاظِ عَلى الخُصُوْصِيَّةِ الذَّاتِيَّةِ لِمَعنَى النَّصِّ - .

.

وَفِي بَعْضِ الأحَايِيْن نَعْمَدُ إلَى أنْ نَتَسَلَّقَ " الأنَا " للعُبُوْرِ إلَى " الآخَر " .

وَعِنْدَ إدْخَالِ عَامِلِ " اللاَّيَقِيْن " فِي لُغَةِ النَّصِّ وَمَا تنطَوِي عَليْهِ مِنْ مُتضَادَّاتٍ ثُنائِيَّة ،
والعَمَلِ عَلى الوُلُوْجِ إلَى قَلْبِ مَوَازِيْنِ حُدُوْدِ المُوَاضَعَة ؛ فإنَّهُ بالإمْكَانِ حِيْنَهَا العُبُوْر مِنَ الآخَرِ إلَيْنَا .

.


وَدَائِمًا مَا يَخْلقُ المَعْنَى التَّولِيْدِي عَالَمًا فِي حَاجَةٍ للكَشْفِ والاكتِشَافِ وَاسْتِشْرَاف الدَّلالات اللغَوِيَّة .

إذ أنَّ هَناكَ نمَطٌ كِتَابِيٌّ يَبْذرُ الريْبَة وَيَفْتَحُ بَابَ الأسْئِلَة وَيُشَيِّدُ أبْرَاجَ التَّأوِيل
فِِي وَسَطِ فَضَاءٍ مُتَّسِع .

رَجَاء أحْمَد

رَجَاء أحْمَد
19-02-2009, 02:08 PM
( ب )

وَفِيْ المُقابِلِ هُنالِكَ مَوْضُوْعَاتٌ تَتطلبُ أفكارُهَا الوُضُوْحَ والتجَلِّي وَمِنْ هُنَا يَأتِيْ دَوْرُ
الكاتِبِ ليَجعَلهَا ضِمْنَ السَّهْلِ المُمْتنِع .

وَتبْقى هُنالكَ خلفَ كلمَاتِ الأدِيْبِ دَلالاتٌ وَمَعَانٍ خفيَّة لا تُسلِّمُ نفسَهَا إلاّ لمَنْ يُجيدُ البَحْثَ
عَنهَا .

.

وَقرَاءَةُ النَّصِّ الأدَبيِّ قدْ تكُوْنُ بمَثابَةِ وَلادَةٍ ، أوْ فلنقلْ ثوْبًا جَدِيْدًا وَمَلامِحَ تطلُّ مِنْ وَجْهٍ آخَر .

فهنالكَ نشْوَةٌ تعْترِيْ الأدِيْبَ إذا مَا رَأى عِدَّةَ وُجُوْهٍ لقرَاءَاتٍ لنصِّهِ الأدَبيِّ يخلقهَا فِكْرُ المُتلقِّي .

.

وَجَمِيْلٌ أنْ يَحتوِيَ النَّصُّ الأدَبيُّ عَلى أطيَافِ بَوْحٍ تتقارَبُ حَتى العِناقِ ثمَّ تتبَاعَدُ حَتى
الإمْحَاء ؛ تركِنُ نحْوَ حُجبُ الإسْرَارِ ؛ تتخفى خلفَ ذخائِر لغةِ الصَّمْتِ الناطِق فِيْ دَلالاتِهَا .

تأخذُ بنا إلى فرَاغٍ ينشِّط لدَيْنا عَمليَّة التلقّي وَيُثيرُ فينا الرَّغبَةَ فِيْ التأوِيْلِ والجَذبِ وَالاستِدْعَاء .

.

نعَمْ فَهُنَالكَ نُصُوصٌ تُثِيرُ فِيْنَا الرَّغْبَة فِي التأمُّلِ والتَّأويل لِدلالاتٍ قدْ لمَّحَتْ لهَا
كلمَاتُ النصِّ وعَلى المُتلقِّي أنْ يجتهِدَ فِي أنْ يقِفَ عِنْدَ مُخرجَاتِهَا ليستنطِقَهَا ،
ويَكْشِفَ عَنْ مَضامِينِهَا ، لِتُرْبَطَ كسلسِلَةٍ تصِلُ وتتَّصِلُ بِهَمِّ النَّصِّ الأدبِي ورِسَالتِهِ .

جَمِيْلٌ أنْ نُمَارِسَ الغَوْصَ فِي عُمْقِ النُّصُوصِ الأدبيَّة لنسْتمتِعَ بلذِيذِ أمْوَاجِهَا المُتلاطِمَة .

.

وَقدْ يَكُوْنُ النَّصُّ أيْضًا وَلادَةً جَدِيْدَةً لفِكْرِ المُتلقِّي فهُوَ يُحَدِّدُ قدْرَ اسْتِيعَابهِ وَتمَكُّنِهِ وكيْفيَّةِ
إخضَاعِ مَعَاني النَّصِّ لرؤيَتِهِ الخَاصَّة ، والتِي تفتَحُ وتُلملِمُ أبْعَادَ النَّصِّ وَمَعَانيهِ .

عَبْرَ النفوْذِ إلى أعمَاقِ مَا وَرَاء السُّطور مِنْ أجْلِ الوُصُولِ إلى مَرحَلةِ التَّنويرِ وَالوُضُوحِ
والتَّجَلِّي لِمَلامِحِ النَّصِّ .

.

فَجَمِيْلٌ أنْ نحَاوِلَ أنْ نتمَوْضَعَ ضِمْنَ فرَاغاتِ النَّصِّ الأدَبيِّ لننصِتَ لصَمْتِ بَلاغتِهِ ، فَنُنْطِقَهَا .

.

رَجَاء أحْمَد

رَجَاء أحْمَد
19-02-2009, 02:10 PM
وَهُنَا سَأُوْرِدُ بَعْضَ قرَاءَاتِي عَلى بَعْضِ النُّصوصِ الأدبِيَّة ، كمَا وَآمَلُ مُشَارَكَة الأقلامِ
لتقدِيم الإفَادَةِ أوِ الالتفاتَاتِ لتعمَّ الفَائِدَة ويَأخذَ المَوضُوعُ مَادَّتهُ العِلمِيَّة والأدَبِيَّة .

عِلمًا بأنَّ القرَاءَة الأدَبِيَّة تشمَلُ مُختلَف الأجنَاس الأدَبِيَّة :
( قَصِيْدَة شِعْرِيَّة ، خَاطِرَة نثرِيَّة ، قِصَّة أدَبيَّة ، سَرْدِيَّاتٌ أدَبيَّة )

.

.

رَجَاء أحْمَد
19-02-2009, 02:26 PM
( 1 )

نصُّ " فِي وَجْهِكَ امْرَأةٌ لا تَخُون " .
للكَاتِبَة فَاطِمَة يُوسف .

.

تعبُرُكَ المَدينةْ
فيزدادُ فِي جسَدِكَ الضَّجِيج
/ العَجِيج
في مَلامِحِ وجْهكَ امرأةٌ لا تخُوْن
يُبعثِرُها الطَّريق
امرأةٌ تَرتدي الرَّمْلَ
تَشرَبُ الدُّخان !
تَفترِشُ الحَرِيق
بلا هَوادَة
تَقطرُ مِنْ عَينيها الخَطِيئة
بلا خَطِيئة
تستغيثُ الليلْ
الليلْ الليلْ
تُرَى هَلْ تستلذُّ المَدينةُ الرَّقْصَ
عَلى مَحَاجِر عَينيك ؟
فتغيبكَ رَجْفةٌ لا تَستكينْ
تهربُ مِنْ وَجهِكَ الذِي تسكنهُ الرِّيح
لا مَلامِحَ لوَجْهِك
لا وَجْهَ لك
فَتعُود بلا عَينين
ليَختفي قدَرُكَ بينَ أصَابعِك
أينَ أصابِعُك ؟
تبْحَثُ عَنها خُطَاك
بَعْدَ أنْ عَرَّاهَا التَّارِيخ
خُطَاكَ وَالخَطيئَة ....
دَربَان تعبُرُهمَا دُرُوبُ الغُرْبَةِ
بِلا خَطِيئة
بِلا خَ . ط . ي . ئـ . ة
تَسْتَصْرِخُ
تَستنسِخُ ألوهيةً لاهِية
أنْسَتْكَ خَطِيئتك
أنْسَتْكَ الرِّيح ........
أنْسَتْكَ مَلامِحَكَ العَرَبِيَّة
أنْسَتْكَ خُطَاك ...
خطايَاك ..!

رَجَاء أحْمَد
19-02-2009, 02:30 PM
( 1 )

قِرَاءَتِي لنصِّ " فِي وَجْهِكَ امْرَأةٌ لا تَخُون " .

.

لنبْدأْ بِعُنوَانِ النصِّ " فِي وَجْهِكَ امْرَأةٌ لا تَخُون " ، نجدُ أنَّ المُخاطَبَ هُنَا مُغيَّبٌ ويَحْمِلُ فِي دلالتهِ " الشُّمولِيَّة "،
وحينمَا نُمْعِنُ فِي السِّيَاق نُدرِكُ أنَّ لفْظ " امْرَأة " لا يَعْنِي فِي دَلالَتِهِ المَرأة كَوَصْف الجِنْس " امرَأة وذكَر "
أبدًا فـ " امْرَأة " هُنَا تحْملُ دَلالة أخرَى تكشِفُهَا فِي رَأيي مَضَامِين سِيَاقِيَّة أخرَى جَاءَتْ فِي النصِّ .

فلنتأمَّل النصَّ وبَعْضَ سِيَاقَاتِهِ ليتجلَّى هَذا الأمْرُ أمَامَنا بِشَكْلٍ أكثَر :

تعبرك المدينةُ
فيزداد في جسدك الضجيج
/ العجيج
في ملامح وجهك امرأةٌ لا تخون
يبعثرها الطريق
امرأةٌ ترتدي الرملَ
تشربُ الدخان !
تفترشُ الحريق
هُنَا تَجْتَمِعُ فِي هَذا المَقْطعِ مُفرَدَاتٍ ذَاتَ دلالَة يُمكننَا أنْ نكتشِفَهَا كـ " المَدِينَة ، الضَّجِيج ، فِي مَلامِح
وَجْهِكَ امرَأةٌ لا تخُون ، الرَّمْل ، الدُّخَان ... "

فكُلُّ هَذِهِ المُفرَدَات بِرَأيي تحْملُ دلالاتٍ مَعْنِيَّة ، قدْ تكشِفُ لنَا أنَّ الحَدِيثَ هُنَا عَنِ العُرُوبَةِ
المُضَيَّعَة ، وَالتِي تكشِفُهَا لنَا كلمَاتُ السِّيَاق ، فذكْرُ المَدِينَة هُوَ مَلمَحٌ للمَكَانِيَّة ، والضَّجِيج مُرتبِطٌ
بتلكَ المَدِينَة بدَلالتِهَا ، ثمَّ تأتِي تلكَ المَلامِح " العَرَبِيَّة " وقد تمَّ تصوِيرُهَا فِي النصِّ بامْرَأةٍ لا تَخُون ؛
فَهِيَ لا تَقُوم بِفْعْلِ الخِيَانَة جرَّاء ذاتِهَا ...

وَمِنْ ثمَّ تأتِي كلمَة " الرَّمْل " لتأكِيدِ المَلامِح العَرَبِيَّة والتِي تقطِنُ ديَارُهَا فِي الرِّمَال ، فَهِيَ مَلْمَحٌ
إضَافِي لمَا ذكَرْتهُ كرُؤيَةٍ سَابِقةٍ للسِّيَاق .

وقدْ نأخذُ مِنْ كلمَةِ " الدُّخَان " الوَارِدَة فِي المَقطَع السَّابِق مَلْمَحًا دلالِيًّا نؤَدلِجُهُ فِي تلكَ الذَّاتِ البَاحِثَة
عَنْ صَوْتِهَا ، عَنْ عَيْنِهَا ، عَنْ مَلامِحِهَا ... فقدْ ضيَّعَ الدُّخَان بضَبَابِيَّتِهِ وإظلامِهِ وتلويثِهِ تلكَ المَلامِحَ
العَرَبِيَّة وَسْطِ كُلِّ ذلكَ التأزُّم والانهِيَار ...

.

تقطرُ من عينيها الخطيئة
بلا خطيئة
تستغيثُ الليلْ
الليلْ الليلْ
تتابِعُ الأدِيبَة فِي لغتِهَا الانسِيَابِيَّة لتُخبِرَ أنَّ تلكَ المَرأة / المَلامِح العَرَبِيَّة ، تقطِرُ الخَطِيئَة مِنْ
عَيْنَيْهَا ، غَيْرَ أنَّ تلكَ الخَطِيْئَة قدْ تَكُونُ تَحْتَ فِعْلٍ قَهْرِيٍّ إجْبَارِي ، لا ذَنْبَ لهَا فِيْهِ ، فالعُرُوبَة
لا ذَنْبَ لهَا بمَا فَعَلهُ بَعْضُ أبنَائِهَا عَلى اختِلافِ أدْوَارِهِم سُلطَوِيًّا أوْ انفِرَادِيًّا ... فَهِيَ قدْ تتبرَّأ
مِنْ كُلِّ خَطِيْئَةٍ نُسِبَتْ إليْهَا عُنْوَةً بِفِعْلِ المُنتسِبيْنِ إليْهَا ... وَلا مُغِيْثَ لهَا سوَى اللَّيْل !

وقدْ يَكُونُ استِخدَامُ الأديبَة لدَالَّةِ " اللَّيْل " طمَعًا فِي السُّكُونِ وَالاستِقْرَار وَالذِي قدْ يتوفَّرُ فِي
سَكِينَةِ الليْلِ وهَدْأتهِ .

.

يَتبَع .....

رَجَاء أحْمَد
19-02-2009, 02:35 PM
يَتْبَع ...

قِرَاءَتِي لنصِّ " فِي وَجْهِكَ امْرَأةٌ لا تَخُون "

.

ترى هل تستلذُّ المدينة الرقصَ
على محاجر عينيك ؟
فتغيبك رجفةٌ لا تستكينْ
تهرب من وجهك الذي تسكنهُ الريح
لا ملامح لوجهك
لا وجْهَ لك
فتعود بلا عينين
تسْتمرُّ الأدِيبَة فِي آلِيَّةِ لُغَتِهَا الوَصْفِيَّة لتصِفَ تلكَ المَدِينَة " المَلمَح المَكَانِي للعُرُوبَةِ هُنَا " ، فتُخبِر
أنَّ تلكَ المَدِيْنَة غيَّبَتْ ذاتِيَّةَ " المُخَاطَب " وتركتْهُ كرَجْفَةٍ لا تَسْتكِيْن ، رَجْفَة عبثًا
تُحَاوِلُ الهُرُوبَ مِنْ وَجْهِكَ الذِي أصْبَحَ مَسْكَنًا للرِّيْح " العُدوّ ، العَابِث " تعِيْثُ فِيْهِ وتمسخُهُ كيفمَا تشَاء !
وتتركهُ دونمَا أيّ هَوِيَّة تُذْكَر ....

.

ليختفي قدرك بين أصابعِك
أين أصابعُك ؟
تبحثُ عنها خطاك
بعد أن عرَّاها التاريخ
هُنَا سِيَاقٌ هُوَ غَايَةٌ فِي الرَّوْعَةِ والجَمَال وَفِي مُنتهَى الإتقَان ، فالأديبَة هُنَا تلفتُ إلى أنَّ " قدَرَ "
المُخَاطَبِ الذِي يَحْمِلُ مَلامِحَ عَرَبِيَّة كوَصْفٍ شُمُولِي يَختفِي بَيْنَ أصَابعِهِ ؛ غَيْرَ أنَّ تلكَ الأصَابِعَ
مَبْتُورَة لا وُجُوْدَ لهَا ..

وَمِنْ هُنَا نفهَمُ أنَّ قدَرَ المُخَاطَب " الشُّمولِي " ليْسَ فِي قبضَتِهِ ، فلنْ تكتَمِلَ القبْضَة مِنْ دُونِ وُجُودِ
الأصَابِع ! والتِي هِيَ صُوْرَةٌ لاكتِمَالِ السَّيْطَرَة فِي تَحْدِيْدِ قدَرِهِ " قدَرِ العُرُوبَة " ... وقدْ كانَ لوُرُودِ
" التَّارِيخ " مَا يَدْعَمُ هَذَا الرَّأي أو الصُّوْرَة .

.

تستصرخُ
تستنسخُ ألوهيةً لاهية
أنْستكَ خطيئتك
أنْسَتْك الريح ........
أنْسَتْكَ ملامحك العربية
أنْسَتْكَ خطاك ...!
خطاياك .....
تتوَالى الصُّوَر إلى أنْ نصِلَ إلى " الاستِصْرَاخ " هَذِهِ الكلِمَة التِي تَحْمِلُ فِي دلالتِهَا اللفظِيَّة مَا تحْمل ،
فالمُخَاطَب الشُّمولِي المُغيَّب ، يستَصْرخ إثرَ تعَاقِب ألوهِيَّة يَصْطَنِعُهَا البَشَر ، ألوهِيَّة لاهِيَة عَابِثَة ،
تسلبُ فِكْرَ ذلكَ المُخَاطَب لتُلْهِيَهُ عَنْ تلكَ " الرِّيْح العَابِثَة " عَنْ " خطيئَتِهِ " عَنْ " مَلامحِهِ العَرَبِيَّة "
عَنْ " خُطَاه / خَطَايَاه " ...

.

سلطان اليباب
20-02-2009, 11:18 AM
جميل رجاء

لدي سؤال هنا في تحليل النص و ما إذا كانت الاسقاطات التي تم الإتكاء عليها في ربط المرأة في النص بالملامح العربية المتفلة من العزّة ناتجة عن معرفة سابقة بـ الكاتب كأن نستشف من بقية كتاباته أنه يميل دوماً لهذا الربط. أم أنه مجرد احتمال القارئ إنه المعنى يختبئ في هذه الزاوية دون سواها؟

هنا أشير إلى الرؤية الشخصية التي قد تختلف عن رؤية الكاتب و رؤية القرّاء الآخرين لنفس الدلالة و المدلول في نص ما.

متابع ...

رَجَاء أحْمَد
20-02-2009, 10:43 PM
تَحِيَّة طيِّبَة .

.

أهْلاً بالفَاضِل فَاضِل الجَابِر ، أُحِبُّ جِدًّا هَكَذا مُدَاخلات ، فأنَا أطمَعُ فِي المُشَارَكَة الجَمَاعِيَّة
وَفِي تبَادلِ المَعرِفَة وتشَاركِ الرُّؤَى
فهَذا الأمْرُ أدعَى للاستِزَادَة وأقرَبُ لفتْحِ أبوَاب الإفَادَة وأجمَلُ فِي لمِّ أوشَاج الأفكَار .

.
هُنَالكَ نُصُوصٌ تُثِيرُ فِيْنَا الرَّغْبَة فِي التأمُّلِ وَالتَّأويل لِدلالاتٍ قدْ لمَّحَتْ لهَا
كلمَاتُ النصِّ وعَلى المُتلقِّي أنْ يجتهِدَ فِي أنْ يقِفَ عِنْدَ مُخرجَاتِهَا ليستنطِقَهَا ،
ويَكْشِفَ عَنْ مَضامِينِهَا ، لِتُرْبَطَ كسلسِلَةٍ تصِلُ وتتَّصِلُ بِهَمِّ النَّصِّ الأدبِي ورِسَالتِهِ .

.
وبالنِّسْبَةِ لنَصِّ " فِي وَجْهِكَ امْرَأةٌ لا تَخُون " ، فقدْ اعتَمَدْتُ فِي تَحليلِي للنَّصِ بإعطَائِي لكلمَة
" امرَأة " دلالة " المَلامِح العَربِيَّة " ، عَلى وُجُود بْعضِ القَرَائِن الدّلالِيَّة التي تصِلُ وتتَّصِلُ
بهَذا المَعنَى أو هَذِهِ الدّلالة ..

مِنهَا الإشَارَة إلى المَلمَح المَكَانِي فِي أكثَرِ مِنْ كلِمَةٍ أوْ صِيَاغَة ، مِمَّا يُشِير إلى حيِّز
المكَانِيَّة ، فالحَدِيث فِي النصِّ يُشير إلى جِهَةٍ مَكانِيَّة ،
وليسَ لذوَاتِ أشْخَاص أو خُصُوصِيَّة مُؤَطَّرَة فِي انطبَاعَاتٍ شُعوريَّة
أوْ مَشَاعِرَ شَخصِيَّة .

نستشعِرُ هَذا كلّه عِنْدَ قِرَاءَتِنَا للنَّصِّ فَقرَة تلْوَ الأخرَى .

وَمِنْهَا أيْضًا ، ذِكْر مَلْمَح " التَّارِيخ " ، وَ " الألوهِيَّة البشرِيَّة اللَّاهِيَة المُصطَنَعَة " ،

حتَّى نصِلَ إلى ..

جُمْلَة " فِي – مَلامِح - وَجْهِكَ " امْرَأةٌ " لا تَخُون " لنربطَهَا بُجُمْلَة " أنْسَتْكَ – مَلامِحَكَ – العَرَبِيَّة "
مُرُورًا بِـ جُملَة " تهرُبُ مِنْ – وَجهْكَ – الذِي تسكنُهُ " الرَّيح " وَ جُملَة
" لا مَلامح لوَجْهِكَ ، " العربِي " دِلالَة وتبعًا لمَدلول الصِّياغَات تِبَاعًا ..

.

وَأُخْبِرُ بأنَّي التقَيْتُ بكَاتِبَة النصِّ فِي إحْدَى المُلتقيَات الثَّقافِيَّة وقدْ تنَاوَلتُ نصَّهَا هَذا بالقِرَاءَة
بمَرْأى مِنْهَا ، وقدْ أبْدَت الكَاتِبَة استِحسَانَهَا بالقِرَاءَة ، وَأشَارَتْ إلى صحَّة الدّلالَة والوُصُول
إلى دَلائل النصِّ وَوجهَتِهِ بشَكْلٍ سَليمٍ وَدقِيق .

.

وَأ خِيْرًا أقُول : إنْ كَانَتْ لدَيكَ أيُّهَا الفَاضِل رُؤى وتأمُّلات تحملُ دَلالات للنصِّ ، فزوِّدْنَا بهَا
فلا أَحَبَّ إليْنَا مِنْ إضَافَة ثمِينَة إنَّمَا هِيَ مَكْسَبٌ لسَيْرِ المَوضُوع كمَادَّة لُغوِيَّة وأدبِيَّة وَوَاجِهَةٍ علمِيَّة .

أشْكُرُك جِدًّا .
.

سلطان اليباب
20-02-2009, 11:19 PM
ربما أربط الملامح العربية بالغيرة و الكبرياء و الاعتداد بالذات و لكن عندما تصم المرأة رجلاً ما بأنه فاقد لملامحه العربية فأنا أشير ربما لافتقاده بعض هذه الصفات التي نضعها في العربي بشكل خاص : -)

و هنا أجدُ أن الخيانة قد تكون أي خيانة لامرأة كأن يحب امرأة غيرها و لا أجد التقاطع يوصلني إلى عمق في رؤية النص لهذا الحد في أنه يمثل الأمة العربية و ما يعتريها من حوادث تفقدها هويتها.

و مع ذلك أجد أن كل الأمور قد تكون لأننا نظر للأشياء كلٌ من زاويته و هذا يحيلني إلى قراءة في رواية ما في حين أني قرأتها و استنتجت شيئاً ما، لكن عندما قرأت القراءة النقدية لها تعجبت إذ أني لم أعتقد يوماً أن يقرأها شخص ما بهذه الطريقة و لذا ثبت لدي أن الكتابة دائما تحتمل الكثير و تخبئ كثيراً أيضاً.

شكراً لكِ رجاء : -)

رَجَاء أحْمَد
21-02-2009, 01:22 AM
تَحِيَّة طيِّبَة .

.

نَعَم الأمْرُ كمَا أخْبَرْتَ أيُّهَا الفَاضِل ، الكِتَابَة نزَّاعَةٌ للتَشَظِّي ، تَحْمِلُ الكَثِير وتخبِّئُ الكَثِير .

فَقدْ يَقتنِصُ القَلَمُ أسْرَارَ مَا حَولِهِ مِنْ غَسَقِ الذَّات ؛ وذلكَ برَسْمِ مَلامِحَ ذاتِيَّة
لهَا إسْقَاطَاتٌ دَلالِيَّة عَلى مَعْنَى أعَمُّ وَأشْمَل ؛ لتربطَنا الصُّوَرُ بمَا هُوَ أعْمَقُ مِنْ تمَظهُرِهَا الفيزِيقِي .

.

الفَاضل فَاضِل الجَابِر :

أهْلاً بكَ دَائِمًا ..

إضَافتُكَ أثَارَتْ وأثْرَت جَوَانِبَ قَيِّمَة فِي سُلسلَة المَوضُوع ، وأتمنَّاهَا جِدًّا فِي بقِيَّة القِرَاءَات .


سُررْتُ بهَا كَثِيرًا .

.

ياسر آل حسن
27-02-2009, 05:13 PM
من المتابعين لك رجاء

وإن كانت متأخرة : مرحباً بك معنا في سنابس :)

مؤيد أحمد
27-02-2009, 07:26 PM
مساء الخير رجاء : )

وأيضاً كلما كان النص مليئا بالإلماحات والإشارات الوامضة دون المباشرة الفجة كان مفتوحاً على التأويل، وكان قادراً على الحياة ...
هناك من ينكر على التأويل المفرط إيغاله في الإفراط ، وهناك من يلعن المباشرة ،

متابع

بتول محمد
02-03-2009, 07:57 AM
شكرا للمتعة رجاء

منذ سنوات أتذكر أنني حاولت قراءة نص بدا لي مكتملا ومتكاملا على الشبكة العنكبوتية
قرأته برمزياته ودلالاته وكان نصا رائعا جدا ( كما قرأته )
المشكلة أنني اكتشفت فيما بعد أنها ليست سوى مقدمة لقصة بعيدة في مرماها كل البعد عن قراءتي .. والأنكى أنها ( مقدمة القصة / النص المكتمل في رؤيتي ) بدت سطحية واهية ملتزمة تماما بالمعنى الظاهر والحرفي للكلمات .. ولكِ أن تتصوري ملامحي تلك اللحظة :confused:::o

جميل أنك وفقت ( بحسب كاتبة النص ) إلى المعنى السليم والدقيق للنص
ولا أدري هل يصح لنا أن نقول معنى سليم ودقيق أم يفترض القول رؤية متوافقة للنص مع رؤية الكاتب إذ لم يعد نصه ملكية خاصة له أو منحصرة برؤيته الذاتية

مازلت أحاول إزاحة الخيبة عن ذهني لتلك القراءة, و لا أعلم مدى إمكانية قبولها حيث أنها ليست فقط اختلفت في الرؤية بل جاءت نتيجة اقتطاع للنص من سياقه وإعطائه طاقة رمزية لم يقصد إليها الكاتب أصلا
مازلت أحاول إقناعي أن تلك المقطوعة( الجزئية ) ملك للقارئ/ لي ؛ ويحق لي أن أحملها رؤاي الخاصة

بالنسبة لنص ( في وجهك امرأة لا تخون ) كان لي معه لقاء سابق ورؤية مختلفة لم تمتلك اللطف الذي وجدته في قراءتكِ .. ربما اتكأت متكأ نفسيا خالصا
أو ربما كما هو الأمر .. قراءتنا تشبهنا :butt:

رَجَاء أحْمَد
02-03-2009, 02:21 PM
تَحِيَّة طيِّبَة .

الفَاضِل يَاسر آل حَسَن :

أشْكُرُ لُطْفَكَ وأُقَدِّرُ كَرِيمَ مُرُوركَ كَثِيْرًا / يُشَرِّفُنِي جِدًّا .

أخِي فلنتَمَوْقَعْ فَوْقَ جَسَدِ الأدَبِيَّاتِ لنَعْكِسَ تولِيْفَ اللُّغَةِ وَطقُوسهَا عَلى مِرْآةِ رُؤَانَا .

أؤَمِّلُ جِدًّا عَوْدتكَ ، فإفَادَاتكُم أهتمُّ بهَا كثِيْرًا .

أهْلاً بكَ أيُّهَا الفَاضِل / مُرُورٌ غمَرَنِي باللُّطْف .

.

رَجَاء أحْمَد
02-03-2009, 02:25 PM
تَحِيَّة طيِّبَة .

الفَاضِل مُؤَيَّد أحْمَد :

أهْلاً بِقَلَمٍ يَتَضَوَّرُ حَرْفًا ، فَجِّرْ مَعَنَا حِمَمَ التّّشَظِّي وَجَرّدْ مَلامِحَ الأدَبِيَّاتِ بأطيَافِ التَّعَرِّي .

فوُجُودُكَ هُنَا يَعْنِي الكَثِير ، ولاشَكّ سَيُقَدِّمُ الكثِيرَ الكَثِير .

فدَعْنَا نتسبَّقُ اللحظَةَ للمثُوْلِ أمَامَ مَعْبَدِ الأدَبِيَّاتِ هُنَا ؛ لتِلاوَةِ صَلاةٍ كقبَسٍ يَتلوَّنُ فِي رَحِمِ التَّجَلِّي .

.

نَعَم أيُّهَا الفَاضِل :
فالكِتَابَة صنفَان :فَدَائِمًا مَا يَخْلقُ المَعْنَى التَّولِيْدِي عَالَمًا فِي حَاجَةٍ للكَشْفِ والاكتِشَافِ وَاسْتِشْرَاف الدَّلالات اللغَوِيَّة .
إذ أنَّ هَناكَ نمَطٌ كِتَابِيٌّ يَبْذرُ الريْبَة وَيَفْتَحُ بَابَ الأسْئِلَة وَيُشَيِّدُ أبْرَاجَ التَّأوِيل
فِِي وَسَطِ فَضَاءٍ مُتَّسِع .

وَفِيْ المُقابِلِ هُنالِكَ مَوْضُوْعَاتٌ تَتطلبُ أفكارُهَا الوُضُوْحَ والتجَلِّي وَمِنْ هُنَا يَأتِيْ دَوْرُ
الكاتِبِ ليَجعَلهَا ضِمْنَ السَّهْلِ المُمْتنِع .

.

سُررْتُ بِحُضُورِك جِدًّا ، وسَأتركُ أمَامكم القرَاءَة القَادِمَة ، لمقطُوعتِكَ " قَالَ مُتربُ هَذِهِ اللَّيْلَة "
وآمَلُ أنْ تضَعَ التِفَاتَاتكَ أو اعتِرَاضَاتكَ لمَا قدْ أفْسَدْتهُ فِي النصِّ .
فمِنْ حقِّك كُلّ الحَقِّ أنْ تمْنَع " الشَّطْحَ " الذِي قدْ نرتكِبُهُ .
أكَرِّرُ سَعَادَتِي بحُضُورِك .

.

رَجَاء أحْمَد
02-03-2009, 02:34 PM
تَحِيَّة طيِّبَة .

الرَّائِعَة بَتُول مُحَمَّد :

خِفَافًا تَأتِينَ مِنْ هَدْبِ السَّمَاء ، مُحَمَّلَةً بالبَيَاضِ فِي وَضحِ الذُّهُول .

تَخُطِّينَ فِي هَدْأةِ اليَدَينِ خَرَائِطَ شَفِيفِ الصَّبَاح .

.
بالنِّسْبَةِ لِي يَا غَالِيَة ، مَا كُنْتُ لأنْشُرَ قرَاءَاتِي للنُّصُوصِ التِي سَأعرِضهَا أمَامكم
لَولا أنِّي كُنْتُ قدْ التَقَيْتُ بالأدَبَاء أوِ الشًّعَرَاء فِي مُلتقَيَاتٍ ثَقَافِيَّة أخْرَى ،
كَانُوا قدْ طرحُوا نصُوصَهُم فِيهَا بأنفسِهِم ، فَتناوَلتُ حينهَا نصُوصَهُم بالقِرَاءَة
بمَرَأى مِنْهم ، وَقدْ تمَّ الرَّدُّ عَلى قِرَاءَاتِي مِنْ قِبَلِهِم / وقدْ قوبِلَتْ بالاستِحسَانِ والتَّأيِيدِ مِنْهُم .
بِصِدْق أخْشَى أنْ " أشْطَحَ " بنُصُوصِ الأدبَاء بَعِيدًا : )
مَعَ أنًّهُ مِنْ حقِّي كطَرَف " مُتلقِّي " أنْ أُدَوِّنَ وأُسَجِّلَ تَأمُّلاتِي ورُؤَايَ عَلى كُلِّ نصٍّ أقرَأُه .
مَعَ مُحَاوَلَةِ عَدَمِ الإخْلال .
غَيْرَ أنَّهُ مِنْ حَقِّ الكَاتِبِ أيضًا " أحَقّ " أنْ يطَّلِعَ ويُصَحِّحَ المَسَار أوْ يُؤَكِّدَ عَلى سَلامتِهِ .

وكمَا يَقُول بَارت : " دوَالُّ النَّصِّ مُلكًا لُكلِّ النَّاس ، وليْسَ للمُؤَلِّفِ أو النَّاقِد أوِ القَارِئِ فقط " !
فدلالاتُ النَّصِّ دَلالاتٍ لا تَنْتَهِي وتتعَدَّدُ بتَعدّدِ المُنتِجِين ، بَحسبِ بَارت ..
ومَعَ ذلكَ ، لَنْ أسْمَحَ بِنَشْرِ قِرَاءَاتِي لأيِّ نصٍّ إلاَّ بمَرْأى مِنْ كاتِبهِ أوَّلاً / لئَلاَّ يُشْطَح بِمَعْنَى النَّصِّ بَعِيدًا : )
مِنْ أجْلِ الحِفَاظِ عَلى ذَاتِيَّةِ النَّصِّ وَخُصُوصيَّتِهِ .

.

وَأنَا مَعَكِ فِي أنَّهُ َتبْقى هُنالكَ خلفَ كلمَاتِ الأدِيْبِ دَلالاتٌ وَمَعَانٍ خفيَّة تَأبَى أنْ تُسلِّمَ نفسَهَا ..

.


بَتُول :


سَدِيَ بَوْحُكِ فِي شَظَايَا الرُّوحِ ، فتَلَبَّسَنِي فِي اسْتِغْرَاقٍ مُتَزَاحِمٍ بالبَيَاض : )
سَعِيدَةٌ جِدًّا جِدًّا بكِ .
.

رَجَاء أحْمَد
06-03-2009, 12:11 AM
( 2 )

قَالَ مُتْربُ هَذِهِ الليْلَة :
الكَاتِب : الأدِيب الشَّاعِر مُؤَيَّد أحْمَد .

.

قَالَ مُتْربُ هَذِهِ الليْلَة :

وإذ كنتَ تحدو بما سَلْسَلتْهُ السرائرُ

آنَ الحريق؛

فخذْ خرقةَ الإنتحاب

تلملمُ ما ثرْثرَتْهُ المعادنُ فيكَ

كثيراً كثيراً

كأنكَ صوتُ الجنادبِ ساعة َمدّ الخراب



وقد كنتَ تمشي بلا هالةِ الصمتِ

في معجم الإكتئاب

أما واستواكَ الطنينُ ..

فخُذْ زيتَهُ قبضةً تستعينُكَ

لا وجهة الآن للآملِ الغائبِ المصطلي

سوى موجة لا يعيها الإياب



جريحك ما عاد يا مُتربَ الهمسِ

جريحك ها أنتَ مُذ غيَّبَتْهُ الغوادي تبرَّأ مما تَلَوْتَ

وها نزفه الأحدبُ

يجانسه قلقٌ دَوَّرتْهُ رياحٌ تنوءُ

وها مَشْمَسٌ خافتٌ

يعتليه التراب .

رَجَاء أحْمَد
06-03-2009, 12:15 AM
( 2 )

قِرَاءَتِي لمَقطُوعَة / نصِّ ، " قَالَ مُتْربُ هَذِهِ اللَّيْلَة :

.
يَظلُّ القَلقُ يُسَاوِرُ الأقلامَ الأدبِيَّة وَالفِكَر ، قَلَقٌ يُزَامِنَ الصِّرَاعَ الذِي يَشقُّ أمَوَاجَ كُلِّ أزمَةٍ ترتَشِفُنَا.

يُثِيرُ النَّصُّ هُنَا استِنفَارًا مِنْ أجْلِ تأثِيثِ الفَرَاغِ المُنْبَعِثُ مِنْ شُعُورِنَا بأنَّنَا عَلى مَعْرِفَة مُؤَقَّتة بالأشْيَاء .

الطَّنين وَالأصْوَاتُ العَالِيَة الصَّاخِبَة وَالضَّجِيج تَدَاعِيَاتٌ يَكتِبُهَا قَلَقٌ عَبَّدَ طرِيقًا لِنَوَامِيسٍ مُحتوَاةٍ بِنَا .

.

إذَا كُنْتَ تَحْدُو بمَا سَلسَلَتْهُ السَّرَائِر
آنَ الحَرِيق
فخُذْ خرقَةَ الانتِحَاب
تلَمْلِممُ مَا ثَرثَرتْهَ المَعَادِنُ فيْكَ
كَثِيْرًا كَثِيْرًا
كأنَّكَ صَوْتُ الجَنَادِبِ سَاعَةَ مَدِّ الخَرَاب
نَجِدُ هُنَا صُوْرَةً مَشْحُونة بمَلامِحِ الحُرقَةِ والتَّوجُّع فِي لغَةٍ تُجْهِشُ بالغِيَابِ والغُرْبَة – وَهِيَ غُرْبَةٌ مُبعْثَرَة
فِي زوَايَا رُوْحِ المُخَاطَبِ المُغيَّب -

نَسِيجٌ مِنَ النَّحِيبِ تسْتدْعِيهِ حَالةُ التَّشتُّتِ والحُرْقَةِ لِيُلمْلِمَ مَا ثَرْثَرَتْهُ وبَدَّدتْهُ وشَرَّدَتْهُ المَعَادِنُ – دلالَةً - لأشْلاءٍ
دَقِيقَة سَاهَمَتْ فِي تركِيبِ ذلكَ الصِّهَار الذِي تتشظَّى منهُ شُعَبٌ مِنْ نَارٍ تتوَغَّلُ فِي غورِ ذاتِيَّة المُخَاطَب .

كمَا وَأنَّ استِخدَامَ التِّكْرَارِ والتَأكيدِ فِي لفظَةِ " كَثِيْرًا كثِيْرًا " سَاهَمَ فِي خِدْمَةِ اللغَة والمَعْنَى الذِي
تسْعَى لإيْصَالِهِ ، لِوَصْفِ تمَكُّنِ الاحتِرَاق واللَّهِيبِ وتوغُّلهِ فِي عُمْقِ ذَاتِ المُخَاطَب المُغيَّب فِي النَّص .

.

وَقدْ كُنْتَ تمشِي بلا هَالَة الصَّمْتِ
فِي مُعْجَمِ الاكتِئَاب
أمَا وَاستوَاكَ الطَّنِين
فخُذْ زيتَهُ قبْضَةً تستعينكَ
لا وِجْهَة الآنَ للآملِ الغَائِبِ المُصطلِي
سوَى مَوْجةٍ لا يَعِيهَا الإيَاب

يُتَابِعُ الأدِيب فِي لغَتِهِ المتشظِّيَة ؛ لِيَصِفَ مَشْيَ المُخَاطَب بأنَّه مَشْيٌ مَسلُوبٌ مِنْ هَالَةِ الصَّمْتِ
مَسْكُونٌ بالضَّجِيجِ وَالطَّنين ، وَالذِي يَصِلُ إلى مَرْحَلَةِ بُلوغِ مُنتهَاهُ ليستطِيلَ فِي قَامَةِ ضَوْضَائِهِ
إلى حَدِّ ذاتِيَّةِ المُخَاطَب فتكتَمِلَ أشدُّ حَالاتِ الصّخب فِي عُمْقِ ذاتِيَّتِهِ .

ثمَّ تسترسِلُ اللغَة لتدْعُوَ المُخَاطَب بأنْ يَتوكَّأ بعَصَا تستجلبُهَا حَالَةُ أزْرٍ إثْرَ تلكَ التدَاعِيَات ليُكمِلَ
مُفاجأتِهِ بأنْ لا وِجْهَةَ الآنَ للآملِ الغَائِبِ المُصطلِي ، سوَى مَوْجَةٍ مَسْلوبَةِ العَيْنِ لا وَجْهَ لهَا غَيْرَ
عَشْوَائِيَّةٍ لا تعْرفُ لغِيَابِ الآملِ عَوْدَة أوْ إيَاب .

.

جَرِيحُكَ مَا عَادَ يَا مُتربَ الهَمْسِ
جَرِيحُكَ هَا أنْتَ مُذْ غيَّبتْهُ الغَوَادِي تبرَّأ مِمَّا تلوْتَ
وَهَا نزفه الأحدَبُ
يُجانسُهُ قلقٌ دوَّرتْهُ رِيَاحٌ تنوءُ
وَهَا مَشْمَسٌ خَافتٌ
يعتليه التُّرَاب .
ثمَّ يَختتمُ الأدِيبُ نصَّهُ مُستَخْدِمًا ومُستكمْلاً أدَوَات لُغتِهِ المُستَعِرَة فيُوْرِدُ لفظَ " جَرِيحكَ " ذلكَ
الجُرْح الذِي غيَّبَتْهُ الغَوَادِي لتذرُوَ نزفَهُ الذِي بلغَ مِنَ العَذَابَاتِ أقْصَاهَا ، ويستمِرُّ القَلَقُ مُصَاحِبًا
ومُجانِسًا لمُجْمَلِ التدَاعِيَاتِ المَكبُوتَةِ وَالمكْتُوبَةِ ، فَهَا هُوَ ذلكَ القَلَقُ تدوِّرُهُ رِيَاحٌ عَمْيَاء مُثقَلَة بالآهَات .

وحتَّى ذلكَ المَشْمَس نُفِيَتْ مَلامِحُهُ إثْرَ ترَاكِم التَّرَابِ عَليْهِ والذِي يُصَوِّرُ اكتِمَالَ حَالَةِ الضَّبَابِيَّة والاغْتِرَاب
فِي أغوَارِ ذاتِيَّةِ المُخَاطَبِ المُغَيَّب فِي النَّصِّ هُنَا .

.

يَتبَع ...

رَجَاء أحْمَد
06-03-2009, 12:19 AM
يَتْبَع ...

قِرَاءَتِي لنصِّ " قَالَ مُتربُ هَذِهِ اللَّيْلة :

.
فِي كثِيْرٍ مِنَ الأحَيَان يقتنِصُ القَلَمُ أسْرَارَ مَا حَولِهِ مِنْ غَسَقِ الذَّات ؛ وذلكَ برَسْمِ مَلامِحَ ذاتِيَّة

لهَا إسْقَاطَاتٌ دَلالِيَّة عَلى مَعْنَى أعَمُّ وَأشْمَل ؛ لتربطَنا الصُّوَرُ بمَا هُوَ أعْمَقُ مِنْ تمَظهُرِهَا الفيزِيقِي .

فمَا ذوَاتنا سَوَى انعِكاسٍ لمَا حَوْلهَا مِنْ مَسَارِب الوَاقِعِ وَسَرَائِرَ الوُجُوْد ، أوِ العَكْس .


.
وَقَدْ نستدِلُّ عَلى هَذا الأمْرِ فِي النصِّ مِنْ خِلالِ وُرُوْدِ بَعْضِ المُفردَات أوْ فِي وَارِدِ بَعْضِ السِّيَاقات :


كتدخُّلِ ثَرْثَرَة المَعَادِنِ كتدَاعِيَاتٍ يَستوجبُهَا القَلَقُ الأبَدِيُّ ، أوْ ذِكْرِ " مَدّ الخَرَاب "
ففِي الحِيْنِ الذِي تمتدُّ فِيْهِ يَدُ الخَرَابِ لتُطاوِلَ العَمَار فتستعْمِرهُ لتعِيثَ فِيْهِ فَسَادًا ؛
تظلُّ " الجَنَادب " تصدِرُ صَوْتًا لا تُدْرَكُ مِنْهُ غَيْر التَّمْتَمَة وَالضَّجِيج .

كمَا وَيدلُّ عَلى ذلكَ وُرُودِ مُفرَدَة " السَّرَائِر " بصِيْغَةِ الجَمْع " بدلاً مِنَ " السَّريْرَة "

كمَا وَأنَّ كلمَة " مُعجَم " قدْ تدلُّ عَلى ذلكَ ، فالمُعْجَم دُوِّنَ مَا فِيْهِ بِفِعْلِ مُشَارَكَة لمَا أتُّفِقَ عَلى
استِعْمَالِهِ لفظِيًّا ومَحلِيًّا وجمَاعِيًّا ؛ إذًا فهُنالك هَمٌّ جَمَاعِي يَستوجِب الوُلوج القَهْرِي فِي حَالةِ
الاكتِئَاب ، وقدْ تكُون هَذِهِ الحَالَة مُشَارَكة جَمَاعِيَّة وَليْسَتْ فرْدِيَّة ، دفعَتْهَا تدَاعِيَاتٌ وُجُودِيَّة
أو وقَائِع وَاقِعِيَّة ، تُمثِّلُ ذلكَ القَلَقَ الأبَدِي .

وُصُولاً بِنَا إلى هَذِهِ الصِّيَاغَة فِي النَّصِّ :

" يُجَانِسُهُ " قَلَقٌ " دَوَّرَتهُ رِيَاحٌ تَنُوْء " .

.

.

مؤيد أحمد
07-03-2009, 02:10 AM
رجاء أيتها الجليلة
قراءتك للنص وتوغلك فيه أفاض على لُحمته الكثير من تداعيات تجهش بالعناية الواضحة التي لا لبس فيها،

صدقيني
أنا من الذين لا يحسنون الكلام عما يكتبون ، وأظن ظنَّ من في الدراية أوصل الشك باليقين أن كلام الكاتب عما كتبه بكلام يفسره يؤخذ عليه نقداً ،

ليس باستطاعتي إلا أن أقول : إن قراءتك جميلة وفيها الكثير مما يكسب النصَّ حيوية وحركة ما ، وأنها تساعد على سبر أغواره ، التي لست أعلم ـ أنا كاتبه ـ إن كنت أستطيع أن اصل إليها بشكل مجرد وبعيد مستقل منسلخ عن قوامة النص في حد ذاته كنص يقوم بذاته بعيداً عني ـ لست أعلم حقيقة ـ

أقول : إن النّاص حين يتوغل في ذاته معبرا عنها بلا وعي في أحايينه أو بوعي في بعض أحايينه الأخرى حيث يتقاطع مع جملة من الأشياء المنسوجة داخل الذات التي اختمرت فيها المشاعر والمفاهيم والأفكاروالرؤى وخارجها حيث مجموعة الأشياء والمواقف والرؤى الموافقة والمغايرة وعلاقته بها في إطار مكوّن لتفاعلات ما، أقول فإنه إن أجاد التعبير عنها فمن الطبيعي أن يكون ذلك التعبير هو تعبير عن ذوات أخرى أو عن ذات شريحة مجتمعية أوسع أو شرائح أخرى إنسانية بشكل أعم،
المهم أن يخلص في مادته الشعورية المستجلاة مشفوعة برؤى جدلية مماحكة لكل شيء عندها سوف يكون النص ذا طابع انساني انساني ،
عندها سوف يخترق المألوف إلى غير المألوف،
أتمنى أن أصل يوماً إلى لحظة إبداع كهذه .

رجاء شكراً لك في كل مرة
وأرجو ألا أكون قد أثقلت عليك بهذه الهرطقة : )

فاطمة يوسف
12-11-2009, 12:07 AM
رجاء
في ساحتك نحن أمام مهرجان من الصور والأفكار والإبداع
تركيب وتكثيف وسيمياء وتجربة عميقة
ننتظر التتمة يا جميلة ....

رائعة أينما حللت رجاء



فااطمة


:butt:

رَجَاء أحْمَد
18-02-2010, 01:00 PM
.



أحْيَانًا تتخفَّى " الأنَا " مِنَّا ، خَلفَ أطيَافِ بَوْحٍ تتقارَبُ حَتَّى العِنَاق ، ثمَّ تتبَاعَدُ حَتَّى الإمْحَاء .


تركُنُ نحْوَ حُجُبِ الإسْرَار ، تتخفَّى خلفَ ذخائِر لغَةِ الصَّمْتِ النَّاطِق فِي دَلالاتِهَا .



وَحِينهَا صَعْبٌ أنْ نلِمْلِمَنا مِنَّا ، أوْ أنْ نُقارِعَ فرَاغَ لحْظةِ انشِطارِنَا وانسِلاخِنا فِي عُرِيِّهَا .


وَفِي الحِيْنِ ذاتِهِ ، جَمِيْلٌ أنْ نحْمِلَ شيْئًا مِنَّا إليْنا .



فالكِتَابَةُ حَالَةُ غِيَابٍ ؛ نزَّاعَةٌ للتشظِّي أوِ التَّجلِّي ، للتوَلُّدِ أوِ التَّمَدُّد ، تُمَرِّرُ


كَيْنُوْنَةَ الذَّاتِ بَيْنَ زَمَانِ الوَصْلِ وَالفَصْلِ لمَخَاضِ وَحْيٍ أوْ جُمُوْحِ اغتِرَاب .



فهِيَ تَتمَخَّضُ فِي عُمْقِ الذَّات إلى حِينِ وِلادَة ،


وَتظلُّ قرِينَةَ ذَاكِرَةٍ حُبْلَى برَتقٍ يَسْتَحِقُّ الفَتْق ، فنشتَمُّ صَوْتَ الضَّجِيْجِ مِنْ رَحِمِ السُّكُوْن ،


وَنُصَابُ بالعَمَى مَا بَيْنَ مُرتَكَزٍ لأغْوَارِ ضَوْءٍ ، إلى أنْ تَحِينَ لحْظَةُ الارتِكَاز لِتُولَدَ تَشظِّيَاتِ الكِتَابَة .



.



الفَاضِل الجَلِيل مُؤَيَّد أحْمَد :



أهْلاً كَثِيرًا ، سُررْتُ بِهَذا الحُبُور / الحُضُور


وَشُكْرًا للمُتعَةِ والجَمَال الذِي وَهبَتْنَا إيَّاهُمَا مَقطُوعتكَ البَاذِخَة .



.

رَجَاء أحْمَد
18-02-2010, 01:02 PM
.




خِفَافًا تأتِيْنَ مِنْ هدبِ السَّمَاءِ مُحَمَّلَةً بالبَيَاضِ فِي وَضحِ الذُّهُول .


تَخُطِّيْنَ فِي هَدْأةِ اليَدَينِ خَرَائِطَ شَفِيفِ الصَّبَاح ..



.



أهْلاً فَاطِمَة ، سَعِيدَة جِدًّا لأنَّكِ هُنَا .


كُونِي فِي الجوَار يَا مُضِيئَة ..



.

رَجَاء أحْمَد
18-02-2010, 01:07 PM
( 3 )

لبنَة فِي المَاء " قِصَّة قَصِيْرَة "
للقَاص عَبْد اللهِ النَّصر .

.

فتح الرسالة بقلبٍ متلهفٍ، وجلٍ، مضطرب، قرأ:

بعد التحية..
أتذكر ياسامي.. يوم أن كنّا (أنا وأنت) تربينِ في الخريف.. إلْفينِ في البراءة المُتَعَبة.. خِلْصينِ غضّينِ في قريتنا التي انبعثتْ من بين خاصرة الخضرة والماء عنوة؟.. في الزقاق العابس من تعرجاته، الدامي من الضيق، والعشير لزقاق بيتينا الطينيين الشاربين سنين ودماء وخلايا أجدادنا، والمتقاطع معه؟.. في الزقاق الذي رزح تحت وطأة الخضرمة الإجبارية الآن، بعدما نُحتتْ على صحائفه الحجرية الأحداث الواقعية، وعُلَّقتْ في خيالات الأهالي عنه القصص الأسطورية، وهو شامخ ببيوتاته القديمة في صمت.. تحلو له الفرجة والشماتة؟..
أتذكر ذلك الزقاق؟..
اكتنفنا في سننا السابعة تقريباً، في بقعة منه دون أن يخاف أي قدر!!..
كالوجبة الجاهزة، قدَّمَنا للقدر!!
أجاد اكتشافَ غاية القدر!!
أتذكر، حينما أغلقه (الحاج صادق) وهو أحد سكانه، بشحنة من الرمل الأصفر، وضعها بجانب بيته سعياً لتقويمه؟.
أتذكر حين جلسنا بمعية ابن الحاج صادق ذاته (طاهر...) الصغير، على الرمل بفرح لا يقاوم، وبمرح لا يضاهى، وغمسنا أيدينا وأرجلنا في أعماقه، نحفر أنفاقاً طويلةً واهنةً، ومتشابكةً ؟.
(آهٍ) هذا الحدث لا يزال منحوتاً في ذاكرتي!..
كنتُ أنظر من الفوهة الأولى لأحد الأنفاق التي حفرناها، فتنظر أنتَ من فوهته الأخرى، تدغدغنا اللحظة، فنغمر المكان ضحكاً وفرحاً.
النفق أصبح مظلماً بوجهينا.. كلانا يبحث عن ملامحَ الآخرِ..
حاولتُ ثقبَ النفق من أوسطه من غير علمك، ليدخل النور فيرى كلٌ منا وجه الآخر بجلاء.. بل لنكتشف ما ستكون عليه وجهانا عبر الاختراع.. فوقعت يدي على يدك.. تفاجأنا.. تنافرت اليدين بسرعة.. التقى وجهانا خارج النفق.. اكتشفتُ بأنك سبقتني لتعمل ذات الفعل.. فازدادت ضحكاتنا.
وبمشاركة (طاهر) الذي يرقبنا حينئذ فأغواه لعبنا، عُدْنا نكرر ذات الفعل.
كررناه مراراً.. تناسينا أساطير الزقاق وأغداره.. تناسينا الزمن العتيق وأفكاره.. بل تناسينا بالبراءة صنفينا..
حينئذ جاءت صفعة يد خشنة على قفاي النحيل فقط، ويالها من صفعة!!.. صرعتني.. باغتتنا جميعاً.. كان أخي الأكبر من فعلها بعد أن جاء بفحولته، برعونته، بسلطته، بل بكل ما يحمل من والديّ وقريته:
• قومي. يا بنت الـ......!!
فشدني من ذراعي كنمرٍ ثائر، بعد أن دفع بك إلى الجدار بقوة، لنرحل إلى البيت، والضربات تنهال عليّ على أثر غناء وجدانه المصاب بالعفن: الله يـا .... الله يـا.... الله يـا.....
حينئذ لفت انتباهي، ابن الحاج صادق، حيث وقف متجهماً، فارداً عضلاته.. متقدماً خطوات نحونا.. صارخاً: ( هأأأأي..) ورمى بقبضةٍ من الرملِ باتجاهِ أخي..
أما أنتَ فبقيتَ ملتصقاً بالجدار الطيني، خائفاً، تبكي!
أتذكر هذا الحدث، ياسامي؟
آملة ألا تكون قد نسيت!!.. كما لم أنس أننا في ذات الزقاق الذي تأكدتْ لي الأساطير التي حيكت عنه، والقصص الواقعية التي قيلت فيه، حينما نشأنا يافعين.. فتيين.. شابين.. حينما كنتُ في الصف الثاني ثانوي من الدراسة وكنتَ في الثالث المتوسط.. كان أخي ذاته في السابع والعشرين سنة.. قد اصطحبني بعد أن خرجتُ من المدرسة إلى البيت وقت الظهيرة.. كنتَ جالساً على عتبة بيتكم صدفة. لمحتُك، ولاشك لمحتني، رأيتُ طرفك يسترق النظرات إلي.. شعرتُ بالتقاء وجوهنا برهة رغماً عن الحاجز الأسود الثخين الفضفاض الذي كنتُ أرتديه، رغماً عن أخي، رغماً عن الزقاق!.
استرقتْ وجوهنا وعيوننا النظرة مرة أخرى وتكلمتْ من غير صوت.. كان الصوت موءوداً فينا.. كان للخوف في قلبي المضطرب نصيب وافر.. تكهنتُ شيئاً!.. ولا شك قد حصل!.
أخي له صورة سيئة في تعامله معك منذ تلك اللحظة، وخاصة مع معطيات هذا الزقاق العتيقة!
جالساً بعد الاستراق، تخبئ ساقاك وجهك.. وما أن اقتربنا منك، ولم تتحرك.. حتى جاءت ركلة مفاجئة من قدم أخي الحافية المكتنـزة غبار السنين البائسة، في خاصرتي.. أقصد في خاصرتك، يصحبها صوتاً أجش:
• يا حمـ...... ياكـ... ، أنت تتعمد الجلوس هنا.
أهالني الفعل كما قد أهالك.. صرخنا سوياً بقوة.. ابتعدتُ أنا أراقب الحدث بخوف..
قمتَ شاكياً صارخاً: ( آي..). وأتصور بأن القهر يغلي في أحشائك، يأكلها..
استجمعت كل قواك لتقتص من أخي.. نظرتَ إليه شزراً.. كوّنتَ قبضتك كهراوة.. بدأتَ تزفر كثورٍ غاضبٍ لُـوّحَتْ أمامه قطعة قماش حمراء.. مستعداً للهجوم عليه.. رفعت يدك عالياً.. عالياً.. عالياً.. حينئذ أنا شعرتُ بسعادة ما.. شعرتُ بأن ظنوني قد لا يكون لها أثراً.. بل شعرتُ بأنك ستكون نظيراً لأبن الحاج صادق (طاهر) الذي أمسى منذ صغره وحتى كبر مروضاً لأخي، قادراً عليه بِحِكْمَة، حتى لم تجد الأنفاس العفنة طريقاً إليه أو تعبر بجانبه دون أن تأخذ نصيبها منه.. لكنك ياسامي بعد أن رفعت قبضتك كما ينبغي.. زفرت بقوة.. فأعدت القبضةَ إلى جانبك!!.. وفقط، تنهدت باحتراق، ثم ولجت في بيتكم بكامل جسدك أسوأ من نعامة.
لا أظنك ياسامي قد نسيت كل هذا.. بل لن تنساه أبداً..
والمهم الآن أن تفهمني!!
سامي.. لقد تقدم لخطبتي السياسي الأستاذ/ طاهر أبن الحاج صادق بالأمس، وقد وافقت.
تصحبك رعاية الله..
) التوقيع/ سلمى).
بدأت تفْترس ثنايا الرسالة في يد سامي كافتراس جسده ونفسه.. تمتم بحرقة:
• نعم أتذكر كل هذا يادكتوره.. وفهمت مقصدك، ومعك الحق برفضي.. وأضيف إلى معلوماتك أن كلّ أمرٍ أصبح عبئاً عليّ حتى أدائي في الوظيفة البسيطة.. ولن أذكر لك المسبب الرئيس الآن، لأنه لن يغير من الأمر شيئاً!!.

.

رَجَاء أحْمَد
18-02-2010, 01:19 PM
( 3 )



قِرَاءَتِي لقِصَّةِ " لبنَة فِي المَاء "



.



مِنَ اللافتِ للنظر في هذه القصة وعي الكاتب بأهمية عنصر " المكَان " هنا في قصتهِ وضرورة

الوقوف عند ذلك برصْدٍ دقيق .. وذلك لطبيعة الدور الذي يلعبه عنصر المكان هنا في كشف
الصراعات النفسيَّة المتأجِّجة في أعماق أبطال القصة .. ودوره في تحديد وإظهار التناقضات

الداخليَّة لدى الأبطال في القصة ... وهُنَا نجدُ الوقُوفَ لرَصْدٍ وَصْفِيٍّ للمَكَان :


(( في الزقاق العابس من تعرجاته، الدامي من الضيق، والعشير لزقاق بيتينا الطينيين الشاربين سنين ودماء وخلايا أجدادنا ))



.



وَلقد أتقن الأديب الانتقاء الوصفي للآليَّة اللغوية لبُنية صياغته فكان الوصف دقيقًا يتناسبُ

وطبيعة النتيجة والأمر الذي آلتْ إليه نهاية القصة ، حيث نجد ذلك
في الوصف التفصيلي وَ " اللفت للتنبؤَات المستقبليَّة " والتي ما هي سوى نتيجةٍ طبيعية للصراعات

النفسيَّة المُتناقضة لدَى كل بطل من أبطال القصة .


ونجد ذلكَ في الصِّياغات التالية مِنَ القصَّة ...:



.



(( أتذكر ذلك الزقاق؟..


اكتنفنا في سننا السابعة تقريباً، في بقعة منه دون أن يخاف أي قدر!!..

كالوجبة الجاهزة، قدَّمَنا للقدر!!

أجاد اكتشافَ غاية القدر !! ))


فهنا تمَّ اللفت للإحساس بوطأة المكان المرتبط وبشكل كبير بتكوين الصراعات النفسيَّة


وتكوين الرغبات المكبوتة داخل كلِّ بطل من أبطال القصة ... ومِنْ ثمَّ صُنْعِ القدَر ..!!


.



(( وغمسنا أيدينا وأرجلنا في أعماقه، نحفر أنفاقاً طويلةً واهنةً، ومتشابكةً ؟ ))



وهنا نجد الإيحاء للدور الذي لعبه الزقاق وكل ما يرتبط بهِ في صنع الهيكلة البنائيَّة

لأعماق كل بطل على اختلاف كيفيَّة تلقِّي أبطال القصة لتلك الملامح الخشنة لذلك الزقاق ..
فهُنا نجد في الصياغة وكأنما الصَّبيان ومنذ ذلك الحين قَدِ اختطَّا طريقهما.. فكان ذكْرُ الغمسِ
للأيدي والأرجل في أعماق الرمل وحفر الأنفاق.. - والتي بدتْ طويلة واهنة !! ومتشابكة! -
فِي غاية الإتقان والدقة والوعي .. إذْ " وكَأنَّ " مصير علاقتهما قد خُطَّ منذ ذلك الحين
وبأيديهما وأرجلهما .. فتمَّ تشكيله على هيئة تتناسب وما آلَ إليه وضع آمالهما في فترة الإخبار .
واهنًا متشابكًا مُعتِمًا !..غير أنَّ براءة الطفلين لمْ تُدرِكْ ولم تكن كعَينٍ راصِدة ترصد أمورًا

هِيَ أدقُّ عن عينها آنذاك ...


.



(( النفق أصبح مظلماً بوجهينا.. كلانا يبحث عن ملامحَ الآخرِ ))



هُنا جَاء ذكر ( النفق ) كدلالة لـ ( السَّكَن / المَسْكَن ) فالنفق كان مظلمًا بوجهيهما ضيِّقًا .. وقد ضاعتْ

ملامح كلٍّ منهما بوجودهما في داخله .. وكأنَّ النفق كان هوالمَسْكَن الذي " لَنْ " يجمعَ بينهما
(فالظلمة ) كانت مَلمحًا لعدم الجمع بينهما تحت سقفٍ واحدٍ أو منزل وسَكَنٍ واحد ...

ونجد الأمر واضحًا هنا أيضًا ... ( تنافرتْ اليدان بسرعة ) فالتنافر دلََّ على ما سبق أيضًا.


.



كمَا ونلاحظ فِي القصَّة استخدام مُفردَاتٍ لَغويَّة تتنَاسَبُ وَالبَاعِث النَّفسِي لبطلةِ القصَّة " سلمَى "


فنجدُ فيهَا الوَصْفَ اللفظِي المَصحُوب بمعَانِي الاستِيَاء والتبرُّم والمَلامَة ، كمَا جَاءَ فِي الوَصْفِ هُنا :


" الزقاق العَابس " ، " " الدَّامِي " ، " الشَّاربين سنين ودمَاء وخَلايا أجدادنا " .



.



وَوجَدْنا في القصة تناقضات تتداخل في صراع شديد ما بين ثنائيَّة الانغلاق والتراجع


( التقوقع ) وبين الانفتاح ( الإقدام ) .. ودَوْر كلٍّ منهما في القدرة على مواجهة تقلُّبات الحياة ...


.

يوسف الصديق
14-03-2010, 12:39 PM
الشكر لكم جميعا

سنابسي الهوى
22-03-2010, 07:14 AM
رجاء أحمد

الغياب الذي يطول ويتكرر
والخط الذي يحتاج لمكبر الكتروني

في كل مره أعيد قراءة ماانساب من خيالك ورؤاك باسلوبك المتقن في اللفظ والمعني

حينما أتحدث مع أحد الأصدقاء عن اسلوب رجاء أحمد أقول له إنها جبّاره...!

أمنياتي لك بالتوفيق

رَجَاء أحْمَد
27-03-2010, 08:54 PM
تَحِيَّة طيِّبَة .



.



الفَاضل يُوسُف الصِّدِّيق :



والشُّكْرُ لُكُمْ أيضًا ، وعَلى الرَّحْبِ والسِّعَة ..



أهْلاً بكُم ..



.

رَجَاء أحْمَد
27-03-2010, 08:57 PM
تَحِيَّة طيِّبَة .



.



الفَاضل سَنَابِسِيَّ الهَوَى :



أشكُرُكَ مِنْ كُلِّ قلبِي لِهَذا اللُّطف النَّبَوِي ..



..



حِينمَا أكُونُ إلى جَانِبِكُم ، أتَرَقَّبُ مَوْتَ الوَقْتِ فِي احتِدَامٍ عَنِيفٍ لأحْلامٍ مِنَ اليَقَظَةِ تُدَثِّرُهَا


عَاصِفَةُ شُعُور ، لِتُغرِقَ الكَلِمَاتِ فِي شِتَاءٍ لا عَيْنَ له ولا مَطَر ، نَحْوَ طَرِيقٍ لَمْ يُدْرِكهُ الخَطْو ..



.



مُنذُكُم للآنَ تَحمِلُونَ رَائِحَةَ العُبُورِ الحَاضِر ...




شُكْرًا سَنَابسِيَّ الهَوى .



.




سَأعودُ مَجَدَّدًا ..



.

رَجَاء أحْمَد
15-09-2010, 03:36 PM
.

لقد جعلني " ليل القرامطة "
في حالة مِن التَّشظِّي والذهُول فآليْتُ أن أسكُنَ منه ، فما كانَ من سبيل
سوى أنْ ألقِي ببعضِي فِي رزمة الورق للبوحِ بالقليل الذي انتابنِي .

.

.

رَجَاء أحْمَد
15-09-2010, 03:39 PM
تَحِيَّة طيِّبَة .


.



وبِمَا أنَّنِي لَمْ أخرُجْ بَعْدُ مِنْ جَادَّةِ الذُّهول ، فسَأكتفِي بِكتابَةِ بعضٍ مِنْ انسِكابِ الدَّهشَة ،


دهشَتِي بـــــ " ليل القرَامِطة " للشَّاعِر محمَّد الفوز :



أَنَا القُرْمُطِيُّ المُبَعْثَرُ فِيْ هَلْوَسَاتِ القُرَى

أَنَا القُرْمُطِيُّ الَّذِيْ هَاْمَ فِيْ مُوبِقَاتِ الكَرَى
أَنَا القُرْمُطِيُّ الَّذِيْ شَرَّدَتْنِيْ المَسَاءَاتُ
فِيْ عَتْمَةٍ لَا تُرَى !!
أَنَا القُرْمُطِيُّ المُؤَجَّلُ فِيْ شِيْمَةِ الآَخَرِيْنَ
وَ لَا اِنْفَكّتْ الطَلْسَمَاتُ بِرُوْحِيْ "عُرَى"
أَنَا القُرْمُطِيُّ بِلَا رَحْمَةٍ
تَتَخَلَّلُ أَكْبَادَ فَجْرٍ/مَعِيْ ... قَدْ سَرَى !
أَنَا القُرْمُطُيُّ المُكَابِرُ فِي البُؤسِ مَا كَانَتْ اللَّثَغَاتُ بِصَمْتِي تُرَى
أَنَا اللَّيْلُ ضَيَّعْتُ لَونَ الممَرِّ الذَي خَافَ مِنْ ظِلِّهِ فِي الثَّرَى
أَنَا القُرْمُطِيُّ
وَ لَا شَيْء يَبْلُغُ عَيْنَ المَدِيْنَةِ
فِيْ رِيْفِنَا الهَجَرِيِّ الَّذِيْ عَادَ تَارِيْخُهُ القَهْقَرَى
أَنَاالقُرْمُطِيُّ
أَنَا ........






.



انعَتقَتْ فِي الملحمَة الشِّعرِيَّة " ليل القرَامِطَة " كلمَة مُدوِيَّة خبَّأتْهَا النَّخلةُ فِي نسغِهَا ، هَذِهِ الكلِمَة هِيَ " أنَا قُرمُطِي " ...


وكلمَة " قرمط " ومِنْ ناحِيَة لُغوِيَّة ترِدُ فِي أكثَر مِنْ معنَى مُحتمَل ، فمِنْ معَانيهَا ، قرمطَ : المُقارَبَة فِي الخَطْوِ وتدَانِي الكِتَابَة ، ونَحْنُ نلحَظ فِي المَقاطِع الشِّعرِيَّة فِي الدِّيوَان ، الاختِزَال الخاطف


وتقارب الحَرَكَة السيميَائِيَّة فِي الصُّوَر وتقارب خطوِهَا وخَطفِ برقهَا وتدَانِيهَا ، وتكثيف


الإحَالات الدِّلالِيَّة فِيهَا ، فالأمْرُ فيهَا تمامًا كامتِدَادِ الضَّوْءِ وانحِسَارِ الظل .



أيضًا مِمَّا ورَدَ مِنْ معَانِي كلمَة " قرمطَ " أنَّهَا كلِمَة سِيريالِيَّة تعني فلاح ، وإنْ نظرنَا إلى


أرض مَهْدِ الشَّاعِر لوجَدْنَاهَا إحدى القُرَى الرِّيفِيَّة التِي اهتمَّ سَاكِنوهَا بفلاحة الأرضِ


واستزرَاعِهَا ، وعُمْق صِلتهِم بتلك الأرض ، فالشَّاعِر يَحملُ ترتبتَهُ ليغرسَ فيها وعيَهُ


بالبِدَايَاتِ ويَدفِنُ فِي أعمَاقِهَا احتِضَارَ المَسَافَاتِ ، بِغصَّةٍ تكشفُ عَنْ انشِطار


الذَّاتِ عَنِ الوَاقِع لتختزِلَ المُدُنَ والمسَافَاتِ والزَّمَن فِي جيُوبِ روحِهَا الغائِمَة ،


فتصِلُ إلى بدايَاتِ الوَعْيِ الأخير لتستفيقَ عَلى امِّحَاء المَلامِح ، وتحملُ


فِي تضَاريسِهَا كُلَّ الاحتِمَالات .



أمَّا بالنِّسبَة لمَا ورَدَ مِنْ معانِي كلمَة قرمطَة : الاحمِرَار فِي العَين فيُمكننَا


أنْ نَجِدَ بُرُوز هَذا المَعنى جَلِيًّا فِي كُلِّ مَشْهَد احتِضَارِي مَصلُوب ،


وفِي كُلِّ جَنازةٍ مِنَ الصُّوَر قدْ يُغادِرُهَا المَكَانُ لكِنَّهَا تظلُّ فِي كُلِّ ذاكِرَة محمومَة ...



.



ليل القرَامطة يَحمل فِي ضِمْنِ دلالاتِهِ ، دلالات الكآبَة والأسَى ، الاستصرَاخ والانعتاقِ


مِنَ العَدَم ، وتبرزُ فيهِ الغُربَة فِي أصوَاتِ النِّزَاع المُنطلقَة مِنْ حَناجرِهِم \ المُتمَلمِلينَ فِي مَمرَّاتِ


البؤس \ الحالِمِين في تأثِيثِ الفرَاغِ المُباغِت ، المُفضِي إلى المَجهُول .



فهُو " القُرمُطِيُّ المُؤَجَّلِ فِي شِيمَةِ الآخَرِين " ، وقدْ جَاءتْ كلمَة " المُؤَجَّلِ " فِي رَأيي لتتناسَبَ


ومَعنى " الشِّيمة " والتِي إنَّما هِي تُطال بالدُّربَة وهْي مُكتسَبَة مَع توَالِي التَّجارب وَمُرُور


الأيَّام حتى تصبِحَ طبْع وسجِيَّة ، فهو مُؤَجَّلٌ مرهُون بالآخرِين وماهِيَّة شيَمِهم ،


وقد يَكونُ الآخرونَ هُمُ النَّعِيم ، أوْ قدْ يَكونُ الآخرونَ هُمُ الجَحِيم كمَا يرى " سَارتر " .



القرَامطة تشِي بالغُمُوض ، وَالليلُ يُمعِنُ فِي المَجَاز ، القرَامطة جُغرَافِيَّة يتوسَّدها مَيِّتُون ،


والليلُ يَحمِلُ تجاعِيد الصُّرَاخ ، القرَامِطة سُرعان مَا تُغادِرُ مَا قرأناه ، والليلُ يَتيَمَّمُ


مِنَ النِّسيَان ، ووحدهُ الشِّعرُ مَزمِنٌ فِي الكِتَابَة ، وحدهُ يحمِلُ بينَ طيَّاتهِ تضاريس اليَقِين ،


أوِ الوهم المُؤَجَّل ، وحدهُ يحمِلُ مدلولاتٍ غائِبَة فِي أفقِ الفرَاغ الأزلِي ...



.



رجَاء أحمْد الدَّندن .

.

ذهب
15-09-2010, 06:12 PM
اللهم صلي على محمد وآل محمد
ماشاء الله عليكِ يا أختي رجاء
بالفعل قلمكِ يرفع الراس
فانبضهُ راقي مُتسم بالأبداع والتميز
بوركَ المكان والزمان بوجودك
وبوركتُ أنا بوجودي بينكم
ومن خلالكم أرتشف كُلَ معين
والله يعطيكم ألف عافيه ,,

رَجَاء أحْمَد
17-09-2010, 04:10 AM
تَحِيَّة طيِّبَة .



.



نَحْنُ فِي كنفِ النُّصُوصِ الأدَبِيَّة مَا بَيْنَ امتِزاجٍ والتِحَامٍ للصَّوْتِ والحَرَكَةِ والصُّورَةِ والإحسَاس


تبعَثُهَا هَزَّةٌ مِنْ مَسْرَحِ الكَلِمَات .



.



العَزِيزة أم كُمَيْل :



هَطلْتِ كَشَلالٍ مِنْ ضَوْءٍ يُعَانِقُ أرصِفَتِي ، فشُكْرًا بِحَجْمِ اتِّسَاعِ الأمنِيَاتِ يَا مُضِيئَة .



تُشَرِّفُنِي وتُسعِدُنِي مُتَابَعتُكِ حتمًا .



.

رَجَاء أحْمَد
06-07-2011, 12:36 AM
رَائِحَةُ الغُبَار " قِصَّة قَصِيْرَة "
الكَاتِب : الأدِيب الشَّيْخ مُحَمَّد العَلِي الحَلبِي ، المَعرُوف بـ " عَمَّار بِنْ يَاسِر " .

.




العمة



كان يمكن أن أراه وجها لوجه ... لولا تعثري بالصابونة التي لم يرفعها أخي إلى دكة النافذة ، حيث مكانها الطبيعي ، زلّت قدمي وهويت في صحن الدار فطقّت ذراعي من الوسط.‏
"العمشْ يضربك ما أعجَلِكْ".‏
صرخ أخي عبد الستار من داخل الغرفة الشمالية وهبّ لنجدتي. لم يكن يتوقع سبب عجالتي وهو أصلا لم يسمع نداء ابنه أحمد الذي خصّـني به ، حين قفز عن شوال* التبن مثل ملاك صغير وانطلق مثل السهم نحوبوابة الدار.‏

"عمتي عمتييي ي ي... تعالي شوفي الفرح".‏

أعتقد أن كل سكان الدار لم ينتبهوا لأحمد ولا لندائه لأنهم معتادون على انطلاقاته السهمية في أرجاء الدار وعلى صيحاته المفاجئة ... ولأنهم أيضا ، حسب ما أعتقد ، أدركوا هوية أصحاب الموكب، ومهما يبدو هذا الاستنتاج منطقيا فإني لا أعرف حتى الآن كيف لم يخطرلي على بال، فالصورة التي ارتسمت في مخيلتي عندما ناداني أحمد كانت مختلفة تماما
شعرت حينها أنني سأراه وجها لوجه... وأنه ينتظرني هناك في الخارج وراءالبوابة ، ولولا تعثري بتلك الصابونة اللعينة ، لكنت انطلقت وراء أحمد بالطريقة نفسها التي ركض فيها ذلك المخرّب الصغير.‏

حين هويت إلى الأمام، طقت ذراعي تحت ثقل جسدي، سمعت صوت فرقعة عظامها بأذني كان صوتا مكتوما ، وخيـّـل إلي أن عظامي تعاني من آلام عميقة لا تتيح لصوت تحطمها بالخروج إلا على هذا النحو ، بعدها بدأت معالم المكان تختلط أمام عيني وتتشوش، كانت الغيبوبة التي أصابتني هي ذكرى المتعة الوحيدة التي حفرت في أعماقي...‏
حيث تخدرت حواسي وبدت حركة أخي وزوجته وأولاده من حولي كأطياف عابرة وحيادية ، بينما سمعت أصواتهم سريعة خاطفة تارة ، وبطيئة ممطوطة تارة أخرى، ورأيت زوجة أخي وهي ترفع يديها عاليا وتصيح
«يا ألله .. يا ألله دَخِيلكْ»
رغم إنها كانت ترق التعجين في الزريبة الجوّانية... ثم سمعت صوت أخي عبد الستار ينادي من أقاصي العالم.‏

"هاتوا ميّ... بسرعة».‏

رأيت وجهه للحظات ... كان غاضبا ممسوسا وقد اختلطت في تقاسيمه وتجعداته الكثيرة ، ظلال القسوة والخوف والشفقة معا... رش الماء على وجهي وهمس بصوت خافت مبحوح .‏

"الله لا يقيمِك... شو مو شايفة».‏

هذا ما رأيته في اللحظات التي كنت أفتح فيها عينيّ، وحين تعود الغيبوبة، كنت أسمع بوضوح شديد أهازيج الرجال وزغاريد النساء ومعمعة الأطفال حول موكب العرس في الخارج...
هذه الأصوات لم تثر في مخيلتي صوراً للموكب ، بل كنت أرى أشياء أخرى، رأيت فيما يرى النائم ، فرسانا ملثمين بعيون نارية، وعجاجاً كثيفاً يلف الفضاء... وعبر الغبار ارتسمت خرائط لونية للأفق، كان الأحمر غالبا ، لكن الأزرق احتضن ذلك الغضب الذي بدا في الأفق المحمر وإلى الأعلى قليلا، رأيت تدرج الأزرق يخف شيئا فشيئا ، إلى أن اندغم الأزرق في بياض ناصع...‏

وفي عمق ذلك البياض الذي سوّر قبة السماء المنبسطة أمامي مثل صفحة من ورق ، بزغ لون أسود على شكل نقطة بعيدة محاطة بالأصفر... كنت أقف أمام البوابة، أنظر في وجوه الفرسان الذين اصطفوا أمامي على شكل رتل أفقي طويل ، وإلى جانبي وقف ابن أخي أحمد مذهولاً خائفاً وهو يمسك بذيل تنورتي، كانوا متشابهين إلى حد التطابق ، وثابرت خيولهم السوداء على تحريك رقابها اللامعة وانطلقت من حناجرها أصداء لحشرجات صهيل يغلي في أعماقها ، مما أثار الرعب في نفس الصبي، الذي تجمد أمامي واختبأ في ثنايا تنورتي ، وضعت يدي على رأس أحمد وصوبت نظري إلى أقرب الفرسان.‏
"خير... شو بتريدو...".‏

"نحنا جايين لناخذك».‏

اجتاحت جسدي رعشة خوف ولذة... وحاولت جاهدة إخفاء ابتسامة غامضة وغريبة ، كانت تلحّ على شفتي ، وفجأة... انقسم صف الفرسان وظهرت في الخلف حشود من الرجال والنساء كانوا يهزجون ويقرعون الدفوف، وفي مقدمة الموكب تمايلت خمس نساء من النَّوَرِيات ورقصن رقصة لم أر مثلها في حياتي ، وخيّل إلي أن ثيابهن الناعمة ، مصنوعة من خيوط الضوء والعتمة، اشتد الرقص وبدأت ألوان الأفق تفقد عتمتها شيئاً فشيئاً، بحيث أصبح الأحمر القاني زهريا والأزرق شفافا

أما الأبيض فقد انحسر نحو قبة السماء، بينما بقيت تلك النقطة السوداء معلقة في عمق البياض القصيّ، حاولت تجاهل هذه البقعة التي أشار إليها أحد الفرسان بإصبعه ، كمن يشير إلى نجمه تهدي في ضياع الصحراء.‏

التفتت رؤوس الفرسان والموكب دفعة واحدة إلى جهة البقعة السوداء، وساد صمت رهيب، ارتعدت له فرائصي... ثم نظر الجميع نحوي... كانت نظراتهم متوسلة... وكأنها تقول لي :‏

"تعالي... روحي معنا... منشان ألله».‏

حاولت أن أخطو إلى الأمام... لكن أحمد أمسكني بقوة وهو يبكي، ولا أعرف كيف أدركت فجأة أن لحظة تردد واحدة ستعني رحيلهم بدوني... أداروا ظهورهم ورحلوا ... ولم يتبقَّ من أثرهم سوى رائحة غبار لن أنساها ما حييت.‏

يتبع ...

* شوال= كيس كبير من خيوط القنّب غالباً يوضع فيه القمح والشعير، يزن تقريبا 100 كيلو أو أكثر














أحمد


البارحة ليلاً أيقظني حلم رهيب، رأيت ،فيما يرى النائم، نفسي، كنت أقف مع عمتي وسط عاصفة هوجاء جافة ، كانت عمتي سعاد تستنشق الغبار بمتعة وأنا أقف وراءها، أمسك بذيل تنورتها وأشدها إلى الوراء ، بينما كانت تسلم نفسها بكل رضا للرياح الغبارية... وفي عمق العاصفة... رأيت نقطة سوداء محاطة بظلال ضوء أصفر... بدت كأنها مركز العاصفة... أفقت من نومي... كنت مذعورا وخائفا من فقدان عمتي.‏

أتذكرها جيدا... كانت عمتي تحبني كثيرا وقد عاشت حياتها معنا ولم تتزوج قط ، وأتذكر ذلك اليوم البعيد ، حين وقعت في أرض الدار وطقت ذراعها من الوسط لقد شعرت بالرثاء لحالها وبالـذنب الشديد لأنني كنت السبب وحرمتها من رؤية من كانت ترغب في رؤيته وتتمناه زوجاً لها

كانت عمتي تخشى النوم وحيدة، لذلك فقد بقيت أنام في فراشها حتى الثانية عشرة .. أتذكر أنها كانت تضمني وتحكي لي حكايات جميلة ، وتبوح لي بأسرار غامضة ومبهمة... قالت لي ذات مرة وهي تضمني بعنف.‏

"مشتهية أفرح يا أحمد».‏

بحلقْتُ في وجهها ذلك الليل البعيد وقلت لها بنزق ، وأنا أحاول الإفلات من ضمتها المزعجة وروائح جسدها التي تشبه رائحة الغبار.‏
"افرحي... مين رادِّكْ يا عمتي...».‏

أتذكّر آخر صورة لها في مخيلتي... قبل عشرين عاما حين ودعت العائلة فردا فردا قبل هجرتي ... إنها صورة بعيدة وضبابية ومحاطة بضجيج مبهم وغبار... وتبدو لي مثل نقطة سوداء ... وبعيدة.‏


تمت

رَجَاء أحْمَد
06-07-2011, 12:46 AM
قِرَاءَتِي للقِصَّة " رَائِحَة الغُبَار " :



.



القصة هُنا عبارة عن ذكرى لفترة زمنيَّة انصرمت أيامها ، فتأتي الرؤية

لتسجّلَ ملامحها في لغة سرديَّة تصوّر الحدث .



وإنَّ ابتعاد القاص عن استخدام صِيَغ الماضي في النسق السردي لأحداثها جَذبَنا إلى
دائرة التعايش مع حدث القصة وكأننا أمام حدث يدور أمام أعيننا في لحظة متابعتنا
للسرد ، في حين أنَّه لو استخدَم القاص في النسق السردي لقصته صِيَغ الماضي
فلربّما جعلنا في انفصال زمني مع زمن السرد للحدث في القصة .






.



ومن المُلاحَظ أنَّ القاص استخدَم أطيَاف " لَونِيَّة " وَأجِدُهَا ذَات دَلالةٍ مَعْنِيَّة ، فكأنَّمَا وَردتْ للدلالة


عَلى الانفعالاتِ الداخليَّة لنفسيَّةِ شخصيَّة " العَمَّة " الوَارِدة فِي القصَّة هُنَا .




وَسَأتناوَلُ بَعْضًا مِنَ المَقَاطِع التِي وَرَدَتْ فِي القصَّة لتَوْضِيحِ هَذا الأمْر :




" بزغ لون أسود على شكل نقطة بعيدة محاطة بالأصفر


وفي عمق العاصفة... رأيت نقطة سوداء محاطة بظلال ضوء أصفر "



فَباستخدامه لتجاسد لونين هما بين بريق وَوميض وبين عتمة وانطفاء ، فكأنـّه أراد

أن يُصوّر أطياف ضبابيَّة ممزوجة بين حياة وموت ..!
وهي هنا في القصّة ( بين حياة حلم طالما راود العمّة وبين مَوت ذلكَ الحُلم ! ) .






.



" هذا ما رأيته في اللحظات التي كنت أفتح فيها عينيّ، وحين تعود الغيبوبة، كنت أسمع

بوضوح شديد أهازيج الرجال وزغاريد النساء ومعمعة الأطفال حول موكب العرس في
الخارج... هذه الأصوات لم تثر في مخيلتي صوراً للموكب، بل كنت أرى أشياء أخرى ،
رأيت فيما
يرى النائم ، فرسانا ملثمين بعيون نارية، وعجاجاً كثيفاً يلف الفضاء... وعبر الغبار
ارتسمت خرائط لونية للأفق، كان الأحمر غالبا، لكن الأزرق احتضن ذلك الغضب الذي
بدا في الأفق المحمر وإلى الأعلى قليلا ، رأيت تدرج الأزرق يخف شيئا فشيئا، إلى أن
اندغم الأزرق في بياض ناصع ...‏ وفي عمق ذلك البياض الذي سوّر قبة السماء المنبسطة
أمامي مثل صفحة من ورق ، بزغ لون أسود على شكل نقطة بعيدة محاطة بالأصفر...
اجتاحت جسدي رعشة خوف ولذة... وحاولت جاهدة إخفاء ابتسامة غامضة وغريبة، كانت
تلحّ على شفتي، "






هنا ما لم تجدْهُ العمّة في واقعها وجدته في طيف ملامح الوسَن الضبابيِّ في غيبوبتها .

ومن أجل ذلك كان هنالك تداخل لأطياف لونيّة تتلوّى في إطار الرؤية في الغيبوبة .
بين نشوة ولذة وبين اضمحلال وإظلام ورعب ورحيل ، فهنالك الظلمة الصفراء
والتي تعني الموت والجدب والخواء ، وهنالك الزرقة الوَسْنى والتي تعني النشوة والحياة .
فكان تمازج بين واقع مرٌّ مشوب بالظلمة وبين حلم جميل تجسّد في إطار الرؤية لطالما
تمنّتهُ العمّة أن يتحقّق في واقع حياتها ، إلاّ أنـَّه لم يتحقّقْ قط .






.



" وثابرت خيولهم السوداء " .. " نساء من النَّوَرِيات خيّل إلي أن ثيابهن الناعمة ،مصنوعة

من خيوط الضوء والعتمة، "





وجود الخيول السوداء اللون في الأطياف الضبابيّة للغيبوبة عكس أمرًا مخالفًا

للعَادة ... فالفتاة حينما تتخيَّل أطياف زفافها فإنها تلمح فارسًا يَمتطي صهوةَ خيلٍ
أبيضِ اللون ... غير أنّ الشخصيّة في القصة هنا ( العمّة ) مَا رأتْ سِوى خيولٍ
سوداء اللون ... مما يعني عدم استطاعة اللاوعي لديها من الانفلات من قيود الوعي !
وإن كان هنالك وجود لبعض ملامح ذلك الانفلات إلاَّ أنـَّه لم يكن انفلاتًا تامًّا !

والأمرُ يبدو واضحًا أيضًا في وَصْفِ ثيابِ النساء النوَريات وذلك في جُملةِ :
(مصنوعة من خيوط الضوء والعتمة ) ... وفي كافَّة الامتزاج للأطياف اللونيَّة .






.



وقد أوضحَ القاص في وصفهِ لملامح شخصيّة ( العمَّة ) أنـّها كانت تبدو غامضة ً

وقد استخدم في آليَّةِ لغتهِ السرديَّة ألفاظًا تجعلُ هذا الأمرَ مُتجليًّا ، كذكرهِ للصّوَر
الضبابيَّة والعجاج والغبار والعتمة وعمق وبُعْدِ البقعة السوداء ، فكأنه يوحي إلى



عمق وغموض الشخصيّة المُتناوَلة في سَردِ القصّة .




.