أحمد علي
14-01-2009, 03:08 AM
" قدسية المكان والزمان "
كانوا صغارًا يلهيهم اللعب على مدار أيام السنة ، بدون تعب أو ملل ، كل أوقاتهم لعبًا وشجارًا وفي كل الشهور لا شهر رمضان له قدسية عندهم ، ولا حتى عشرة محرم لها تلك الحرمة والقداسة ..، الهدوء يخيّم على كل زوايا وأركان المكان ، ظلام دامس بين الأزقة و" الزرانيق " والحفر المغطاة بالخيش وورق أكياس الإسمنت كخديعة أو فخ لإيقاع الآخرين ، ولا تسمع غير نباح الكلاب وعواء " العوّاوي " ومواء " السنانير" . البيوت متلاصقة ببعضها ومفتوحة على بعضها ، لا أقفال ولا درابيس تمنع الجيران من التواصل والزيارات ..، سكون الليل يوحي بأموات تلك القرية ، ولا يكثر الخروج ليلاً إلاّ في شهري رمضان ومحرم بالذات وخصوصًا العشرة الأولى فيه ، وأحيانًا قليلة في صلاة الآيات ، ويكثر الهرج والمرج فيهما وتختلط أصوات الخطباء على المنابر يندبون الحسين وآل بيته ، ودارسي القرآن يصدحون بالتلاوة والدعاء وأصوات الأطفال والمراهقين في غير وادٍ يهيمون ..، تذكّرني تلك الليالي بعفوية وبراءة وتسامح جميل من آباء الماضي الوقورين بدون علم ولا تزمّت ولا إجبار أولادهم وبناتهم الصغار على ما لا يحبون ...، المكان نفس المكان وقد تغيّر الزمن بدرجات متسارعة ومتفاوتة ، وفجوة كبيرة جدًا قد حدثت ، بين أطفال الأمس وآباء اليوم ، ففي مخيلة كل أب قصة أو لعبة كانت محشوة في ذاكرته من أيام الصبا والمراهقة والشقاوة ، وتتمرّغ في وحله عند مروره وتنقله بين مجالس وحسينيات القرية ، وتنازعه الذكرى بين ماهو كائن وبين ما كان .. هل كان آباء الأمس لا يعون قدسية الزمان ولا يعطون أهمية للذكرى ؟ أم كانت لهم دواخلهم وهمومهم التي تدفعهم لترك قدسية المكان والزمان إلى رزقهم المأمول ؟ سؤال بحثت فيه عن التغيّر الذي إعترى نفسية أباءنا في تلك الفترة وأوحى لهم بأن العمل وطلب لقمة العيش هو الوسيلة الوحيدة والجهاد في سبيل إدامة كل تلك الشعائر والمجالس ...،
" لعجة "
تذكرت في الأيام الأخيرة شخصية عجيبة وغريبة جدًا أثناء تنقلي بين طرقاتنا سيرًا ، تذكرت " عبدالعزيز " رحمة الله عليه بعمره الخمسيني وحنانه الغريب على كل طفل وطفلة يمرون من جانبه وإحتضانه لهم بكل حب وشغف حتى لو كانوا بين أيدي أمهاتهم ، وهو يقبّلهم ويهديهم ما صنعت يداه من أعمال يدوية وهو المتخصص في عمل " السنابيك والهواري " الخشبية بكل إتقان ودقة ، وتساءلت بعد أكثر من أربعين سنة ، لماذا كل هذا العطف على أطفال لا يعرفهم ولا يقربون له ، ماذا كان يخبّئ هذا الرجل اللغز في دواخله ، ولا يعلمه الآخرون ؟ وما هو السر الدفين وراء تعلق هذا الرجل بالأطفال ؟
مودتي
كانوا صغارًا يلهيهم اللعب على مدار أيام السنة ، بدون تعب أو ملل ، كل أوقاتهم لعبًا وشجارًا وفي كل الشهور لا شهر رمضان له قدسية عندهم ، ولا حتى عشرة محرم لها تلك الحرمة والقداسة ..، الهدوء يخيّم على كل زوايا وأركان المكان ، ظلام دامس بين الأزقة و" الزرانيق " والحفر المغطاة بالخيش وورق أكياس الإسمنت كخديعة أو فخ لإيقاع الآخرين ، ولا تسمع غير نباح الكلاب وعواء " العوّاوي " ومواء " السنانير" . البيوت متلاصقة ببعضها ومفتوحة على بعضها ، لا أقفال ولا درابيس تمنع الجيران من التواصل والزيارات ..، سكون الليل يوحي بأموات تلك القرية ، ولا يكثر الخروج ليلاً إلاّ في شهري رمضان ومحرم بالذات وخصوصًا العشرة الأولى فيه ، وأحيانًا قليلة في صلاة الآيات ، ويكثر الهرج والمرج فيهما وتختلط أصوات الخطباء على المنابر يندبون الحسين وآل بيته ، ودارسي القرآن يصدحون بالتلاوة والدعاء وأصوات الأطفال والمراهقين في غير وادٍ يهيمون ..، تذكّرني تلك الليالي بعفوية وبراءة وتسامح جميل من آباء الماضي الوقورين بدون علم ولا تزمّت ولا إجبار أولادهم وبناتهم الصغار على ما لا يحبون ...، المكان نفس المكان وقد تغيّر الزمن بدرجات متسارعة ومتفاوتة ، وفجوة كبيرة جدًا قد حدثت ، بين أطفال الأمس وآباء اليوم ، ففي مخيلة كل أب قصة أو لعبة كانت محشوة في ذاكرته من أيام الصبا والمراهقة والشقاوة ، وتتمرّغ في وحله عند مروره وتنقله بين مجالس وحسينيات القرية ، وتنازعه الذكرى بين ماهو كائن وبين ما كان .. هل كان آباء الأمس لا يعون قدسية الزمان ولا يعطون أهمية للذكرى ؟ أم كانت لهم دواخلهم وهمومهم التي تدفعهم لترك قدسية المكان والزمان إلى رزقهم المأمول ؟ سؤال بحثت فيه عن التغيّر الذي إعترى نفسية أباءنا في تلك الفترة وأوحى لهم بأن العمل وطلب لقمة العيش هو الوسيلة الوحيدة والجهاد في سبيل إدامة كل تلك الشعائر والمجالس ...،
" لعجة "
تذكرت في الأيام الأخيرة شخصية عجيبة وغريبة جدًا أثناء تنقلي بين طرقاتنا سيرًا ، تذكرت " عبدالعزيز " رحمة الله عليه بعمره الخمسيني وحنانه الغريب على كل طفل وطفلة يمرون من جانبه وإحتضانه لهم بكل حب وشغف حتى لو كانوا بين أيدي أمهاتهم ، وهو يقبّلهم ويهديهم ما صنعت يداه من أعمال يدوية وهو المتخصص في عمل " السنابيك والهواري " الخشبية بكل إتقان ودقة ، وتساءلت بعد أكثر من أربعين سنة ، لماذا كل هذا العطف على أطفال لا يعرفهم ولا يقربون له ، ماذا كان يخبّئ هذا الرجل اللغز في دواخله ، ولا يعلمه الآخرون ؟ وما هو السر الدفين وراء تعلق هذا الرجل بالأطفال ؟
مودتي