سماهر الضامن
06-10-2008, 04:30 PM
ملامح المقامات في كتاب "السَاق على السَاق .. في ما هو الفارياق"*
*سماهر الضامن
بين يدي في هذه المقاربة طبعة منقحة من كتاب أحمد فارس الشدياق: (الساق على الساق في ما هو الفارياق) الذي صدر للمرة الأولى عام 1855م في باريس . وهو من الكتب الأولى التي تعاملت مع الغرب ، ونقلت لنا صورا من حياة الأوروبيين، نظرا لأن هذا الكتاب هو عبارة عن سيرة ذاتية لمؤلفه الذي لم يكن يستقر له قرار في أرض أو وطن، حيث سافر وجاب العديد من الأقطار العربية والأوروبية . وهو يصور ذلك كله في هذا الكتاب الذي عد بسببه أحد رواد فن المقامات في العصر الحديث ، لما فيه من شبه في كثير من الوجوه بالمقامات .
وهذا ما تتاوله هذه المقاربة ، إذ تقف على ملامح المقامات في هذا الكتاب ، وتحاول ، وفق ما يسع المقام ، المقارنة بين أساليب الشدياق في كتابه هذا وبين فن المقامات عند بديع الزمان أوغيره من كتاب القامات .
أولاً : الإطار الفنَـي ..
أ- الطابع السردي ..
كتاب (الساق على الساق) هو عبارة عن سيرة ذاتية لمؤلفه (أحمد فارس الشدياق) ، ومن الطبيعي أن السير الذاتية تدخل في باب السرد ، وهذا هو الجامع الأول بين المقامات وبين (حكايات) الشدياق في هذا الكتاب .
كما أن الشدياق في هذا الكتاب لم يعمد إلى سرد أحداث حياته سرداً متصلاً ، بل جعلها عبارة عن حكايات قصيرة، لكل منها عنوان مستقل ، ولكل منها بداية ونهاية ، ويتناول كل منها حادثة بعينها من أحداث حياته ، يتم فيها التركيز على هذه الحادثة من جميع جوانبها . والكاتب يغلف هذه الحكايات بمظهر المقامات ، متخذاً من الأساليب والآليات المقامية وسيلة أدبية ليضفي –على ما يبدو- بعض الرمزية ، ويضيف أبعاداً جديدة لسيرة حياته .
سيرة الشدياق في هذا الكتاب إذن منفصلة متصلة ؛ منفصلة من جهة استقلال كل منها بحادثة معينة ، ومتصلة من جهة أنها تتضافر في النهاية لتشكل السيرة الكاملة لحياة مؤلفها الذي يبدأ بتعريفنا ببطله منذ أول يوم له في الدنيا، ويستمر في سرد أحداث حياته في طفولته، ثم في صباه وشبابه، وزواجه، وحياته الزوجية، وما تخللها من أفراح وأتراح، وأسفار وترحال وتطواف في البلدان، إلى أن بلغ السن منه مبلغاً مكنه من أن يجمع هذه الطرائف والنوادر والحوادث عنه.
ب- العناصر الثابتة ..
1- إن أي معرفة بسيطة بالمقامات تمكن من إيجاد العناصر التي تكاد تكون ثابتة في كل مقامة . وعلى رأس هذه العناصر : شخصيتا الراوي والبطل ، وهما شخصيتان ثابتتان عادة في العمل المقامي؛ فإذا اتخذ المؤلف للراوي اسم (زيد بن ضرغام) أو (عمرو بن تمَام)... أو غيرها من الأسماء، فإن هذا الراوي يكون راوياً للمقامات جميعاً، وكذلك الحال مع البطل.
وهذا العنصر الرئيس موجود بشكل بارز في كتاب (الساق على الساق). وقد عمد الشدياق هنا إلى حيلة طريفة بأن جعل من نفسه راوياً لهذه (الحكايات) ثم جرَد من نفسه أيضاً شخصية أخرى جعل لها دور البطولة، وهي شخصية (الفارياق)، وهو اسم منحوت من (فارس الشدياق) ؛ إذ الحروف الثلاثة الأولى من (فارس) ، والثلاثة الأخيرة من (الشدياق). ولعل هذا الاسم المنحوت فيه إيحاء بالرجوع إلى عصر المقامات، خاصة لما فيه من تلاعب لفظي .
وبالعودة إلى مادة (فرق) في المعاجم اللغوية، نجد أن (الفارق) هو كل ما يفرق بين الحق والباطل، و(الفاروق) هو الذي يفصل بين الأمور. و(الترياق الفاروق) هو أحد التراييق ، وأجل المركبات لأنه يفرق بين المرض والصحة . ويقال كذلك : (رجل فاروق) أي شديد الفزع. ولعل في اسم (الفارياق) إيحاء بما في هذه المعاني كذلك ، لأن هذا البطل يمثل شخصية الأديب المبدع الذي يفرق ويفصل بلسانه بين الحق والباطل ، بكل جرأة وصراحة ، ودون أن يخشى لوماً أو عنتاً ؛ فيفضح عورات بعض القسيسين ، وبعض الأمراء ، وكبار الشخصيات. وقد ساعده على ذلك ما كان يعمد إليه من تحوير وتحريف في الأسماء ، فكان هذا مما يجعله أكثر جرأة في مهاجمة تلك الشخصية أو غيرها.
أيضا يميل لتعرية مساوئ الرجال والنساء، وينتقد كثيراً من العادات والتقاليد. بل إنه يكشف عن مساوئه هو ذاته دون تحرج أو تردد .
ولكن هذا الأديب المفلق، رغم فصاحة لسانه، وروعة بيانه، وحسن منطقه، إلا أن حاله لم يكن كمنطقه، وأدبه لم يكن ليسعفه؛ فكان ضيق ذات اليد، تعيس الحظ، قبيح الهيئة، يلازمه النحس في جلَ أحواله، وفي حلَه وترحاله، كما جاء في كتابه.
أما الشخصية الثانية في هذا الكتاب فهي شخصية (الفارياقيَة) زوجة الفارياق ، التي اقتسمت معه بطولة الجزأين الثالث والرابع من هذا الكتاب . وهي – كزوجها – شخصية طريفة ، اتخذ منها المؤلف طريقاً لبيان كثير من وجهات نظره عن طريق الحوار الذي كان يدور بينهما ، والذي ساعد كثيراً في تغيير وتحويل السرد المباشر إلى الحوار الذي يبعد الملل عن القارئ . كذلك أوضح من خلالها كيف ترتقي المرأة في الدراية والمعارف ، بحسب اختلاف الأحوال عليها . فإنها "بعد أن كانت لا تفرَق بين الأمرد والمحلوق اللحية ، وبين البحر الملح وبحر النيل ، تدرجت في المعارف بحيث صارت تجادل أهل النظر والخبرة ، وتنتقد الأمور السياسية والأحوال المعاشية والمعادية في البلاد التي رأتها ، أحسن انتقاد ..." كما عبَر المؤلف .
2- وكانت هذه الأحداث والحوارات وغيرها تدور كلها في جو تسوده روح الفكاهة والدعابة رغم ما تمتلئ به حياته من المآسي والمواقف الأليمة والموجعة. ولا يخفى أن الفكاهة كانت عنصراً شبه ثابت في المقامات (خاصة عند البديع والحريري) ، فضلاً عما سبق ذكره عن وجود شخصيات ثابتة . ويلاحظ هنا الشبه بين (الفارياق) وبين (أبي الفتح الإسكندري) أو (أبي الزيد السروجي) من حيث كونهم جميعاً أدباء ، لسناء ، ذوي منطق وبيان وحجة وبرهان ، وفي الوقت ذاته هم فقراء ، رحالون في الأرض يبتغون الرزق (مع اختلاف الوسيلة لدى كل منهم) .
3- وإن استقلال كل حكاية من هذه الحكايات بعنوان مستقل ، وتفردها بعرض حدث واحد ، هو عنصر ثابت هنا وفي المقامات كذلك .
4- مزج النثر بالشعر هي خاصية من أبرز خواص المقامات ، وقد التزم بها المؤلف في (حكاياته) ؛ إذ يأتي الشعر معاضداً للنثر ، مسانداً له ، مؤكداً معناه . كما أن فيه بعداً عن رتابة النثر وما فيه من سرد أو غيره ، فضلاً عما يؤديه مزج الشعر بالنثر من إظهار لبراعة الكاتب ، وبيان لقدرته وتمكنه من فني القول : الشعر والنثر .
5- أخيرا يلاحظ أن اللغة التي يستخدمها المؤلف في (الساق على الساق) هي لغة قريبة جداً من اللغة المستعملة في المقامات ، وكذلك معظم الأساليب والسمات اللفظية، التي سيتناولها الجزء الثاني من هذه المقاربة.
*سماهر الضامن
بين يدي في هذه المقاربة طبعة منقحة من كتاب أحمد فارس الشدياق: (الساق على الساق في ما هو الفارياق) الذي صدر للمرة الأولى عام 1855م في باريس . وهو من الكتب الأولى التي تعاملت مع الغرب ، ونقلت لنا صورا من حياة الأوروبيين، نظرا لأن هذا الكتاب هو عبارة عن سيرة ذاتية لمؤلفه الذي لم يكن يستقر له قرار في أرض أو وطن، حيث سافر وجاب العديد من الأقطار العربية والأوروبية . وهو يصور ذلك كله في هذا الكتاب الذي عد بسببه أحد رواد فن المقامات في العصر الحديث ، لما فيه من شبه في كثير من الوجوه بالمقامات .
وهذا ما تتاوله هذه المقاربة ، إذ تقف على ملامح المقامات في هذا الكتاب ، وتحاول ، وفق ما يسع المقام ، المقارنة بين أساليب الشدياق في كتابه هذا وبين فن المقامات عند بديع الزمان أوغيره من كتاب القامات .
أولاً : الإطار الفنَـي ..
أ- الطابع السردي ..
كتاب (الساق على الساق) هو عبارة عن سيرة ذاتية لمؤلفه (أحمد فارس الشدياق) ، ومن الطبيعي أن السير الذاتية تدخل في باب السرد ، وهذا هو الجامع الأول بين المقامات وبين (حكايات) الشدياق في هذا الكتاب .
كما أن الشدياق في هذا الكتاب لم يعمد إلى سرد أحداث حياته سرداً متصلاً ، بل جعلها عبارة عن حكايات قصيرة، لكل منها عنوان مستقل ، ولكل منها بداية ونهاية ، ويتناول كل منها حادثة بعينها من أحداث حياته ، يتم فيها التركيز على هذه الحادثة من جميع جوانبها . والكاتب يغلف هذه الحكايات بمظهر المقامات ، متخذاً من الأساليب والآليات المقامية وسيلة أدبية ليضفي –على ما يبدو- بعض الرمزية ، ويضيف أبعاداً جديدة لسيرة حياته .
سيرة الشدياق في هذا الكتاب إذن منفصلة متصلة ؛ منفصلة من جهة استقلال كل منها بحادثة معينة ، ومتصلة من جهة أنها تتضافر في النهاية لتشكل السيرة الكاملة لحياة مؤلفها الذي يبدأ بتعريفنا ببطله منذ أول يوم له في الدنيا، ويستمر في سرد أحداث حياته في طفولته، ثم في صباه وشبابه، وزواجه، وحياته الزوجية، وما تخللها من أفراح وأتراح، وأسفار وترحال وتطواف في البلدان، إلى أن بلغ السن منه مبلغاً مكنه من أن يجمع هذه الطرائف والنوادر والحوادث عنه.
ب- العناصر الثابتة ..
1- إن أي معرفة بسيطة بالمقامات تمكن من إيجاد العناصر التي تكاد تكون ثابتة في كل مقامة . وعلى رأس هذه العناصر : شخصيتا الراوي والبطل ، وهما شخصيتان ثابتتان عادة في العمل المقامي؛ فإذا اتخذ المؤلف للراوي اسم (زيد بن ضرغام) أو (عمرو بن تمَام)... أو غيرها من الأسماء، فإن هذا الراوي يكون راوياً للمقامات جميعاً، وكذلك الحال مع البطل.
وهذا العنصر الرئيس موجود بشكل بارز في كتاب (الساق على الساق). وقد عمد الشدياق هنا إلى حيلة طريفة بأن جعل من نفسه راوياً لهذه (الحكايات) ثم جرَد من نفسه أيضاً شخصية أخرى جعل لها دور البطولة، وهي شخصية (الفارياق)، وهو اسم منحوت من (فارس الشدياق) ؛ إذ الحروف الثلاثة الأولى من (فارس) ، والثلاثة الأخيرة من (الشدياق). ولعل هذا الاسم المنحوت فيه إيحاء بالرجوع إلى عصر المقامات، خاصة لما فيه من تلاعب لفظي .
وبالعودة إلى مادة (فرق) في المعاجم اللغوية، نجد أن (الفارق) هو كل ما يفرق بين الحق والباطل، و(الفاروق) هو الذي يفصل بين الأمور. و(الترياق الفاروق) هو أحد التراييق ، وأجل المركبات لأنه يفرق بين المرض والصحة . ويقال كذلك : (رجل فاروق) أي شديد الفزع. ولعل في اسم (الفارياق) إيحاء بما في هذه المعاني كذلك ، لأن هذا البطل يمثل شخصية الأديب المبدع الذي يفرق ويفصل بلسانه بين الحق والباطل ، بكل جرأة وصراحة ، ودون أن يخشى لوماً أو عنتاً ؛ فيفضح عورات بعض القسيسين ، وبعض الأمراء ، وكبار الشخصيات. وقد ساعده على ذلك ما كان يعمد إليه من تحوير وتحريف في الأسماء ، فكان هذا مما يجعله أكثر جرأة في مهاجمة تلك الشخصية أو غيرها.
أيضا يميل لتعرية مساوئ الرجال والنساء، وينتقد كثيراً من العادات والتقاليد. بل إنه يكشف عن مساوئه هو ذاته دون تحرج أو تردد .
ولكن هذا الأديب المفلق، رغم فصاحة لسانه، وروعة بيانه، وحسن منطقه، إلا أن حاله لم يكن كمنطقه، وأدبه لم يكن ليسعفه؛ فكان ضيق ذات اليد، تعيس الحظ، قبيح الهيئة، يلازمه النحس في جلَ أحواله، وفي حلَه وترحاله، كما جاء في كتابه.
أما الشخصية الثانية في هذا الكتاب فهي شخصية (الفارياقيَة) زوجة الفارياق ، التي اقتسمت معه بطولة الجزأين الثالث والرابع من هذا الكتاب . وهي – كزوجها – شخصية طريفة ، اتخذ منها المؤلف طريقاً لبيان كثير من وجهات نظره عن طريق الحوار الذي كان يدور بينهما ، والذي ساعد كثيراً في تغيير وتحويل السرد المباشر إلى الحوار الذي يبعد الملل عن القارئ . كذلك أوضح من خلالها كيف ترتقي المرأة في الدراية والمعارف ، بحسب اختلاف الأحوال عليها . فإنها "بعد أن كانت لا تفرَق بين الأمرد والمحلوق اللحية ، وبين البحر الملح وبحر النيل ، تدرجت في المعارف بحيث صارت تجادل أهل النظر والخبرة ، وتنتقد الأمور السياسية والأحوال المعاشية والمعادية في البلاد التي رأتها ، أحسن انتقاد ..." كما عبَر المؤلف .
2- وكانت هذه الأحداث والحوارات وغيرها تدور كلها في جو تسوده روح الفكاهة والدعابة رغم ما تمتلئ به حياته من المآسي والمواقف الأليمة والموجعة. ولا يخفى أن الفكاهة كانت عنصراً شبه ثابت في المقامات (خاصة عند البديع والحريري) ، فضلاً عما سبق ذكره عن وجود شخصيات ثابتة . ويلاحظ هنا الشبه بين (الفارياق) وبين (أبي الفتح الإسكندري) أو (أبي الزيد السروجي) من حيث كونهم جميعاً أدباء ، لسناء ، ذوي منطق وبيان وحجة وبرهان ، وفي الوقت ذاته هم فقراء ، رحالون في الأرض يبتغون الرزق (مع اختلاف الوسيلة لدى كل منهم) .
3- وإن استقلال كل حكاية من هذه الحكايات بعنوان مستقل ، وتفردها بعرض حدث واحد ، هو عنصر ثابت هنا وفي المقامات كذلك .
4- مزج النثر بالشعر هي خاصية من أبرز خواص المقامات ، وقد التزم بها المؤلف في (حكاياته) ؛ إذ يأتي الشعر معاضداً للنثر ، مسانداً له ، مؤكداً معناه . كما أن فيه بعداً عن رتابة النثر وما فيه من سرد أو غيره ، فضلاً عما يؤديه مزج الشعر بالنثر من إظهار لبراعة الكاتب ، وبيان لقدرته وتمكنه من فني القول : الشعر والنثر .
5- أخيرا يلاحظ أن اللغة التي يستخدمها المؤلف في (الساق على الساق) هي لغة قريبة جداً من اللغة المستعملة في المقامات ، وكذلك معظم الأساليب والسمات اللفظية، التي سيتناولها الجزء الثاني من هذه المقاربة.