سماهر الضامن
28-09-2008, 01:24 PM
الإنسان والمكان في رواية "زقاق المدق"*
(زقاق المدق) ، من أبرز روايات نجيب محفوظ. مثلت فلما من إخراج حسن الإمام وبطولة شاديا وصلاح قابيل وحسن يوسف وسامية جمال ..
أحداث الرواية تدور في حي (زقاق) قديم من أحياء القاهرة القديمة .. في فترة الأربعينيات خلال الحرب العالمية العالمية، وتعالج تيمة تأثير هذه الحرب على المصريين.. بطلة الرواية (حميدة) فتاة بسيطة لكن جميلة، يفتن بها رجال الزقاق ، لكنها تنتهي بين أحضان الإنجليز مستخدمة جسدها للحصول على الأموال والوصول للثراء، خطيبها (عباس) يموت على يد الإنجليز وهو يحاول انتزاعها من بينهم ..
1- دلالات المكان ..
(زقاق المدق)، مكان الرواية، هو المحور الأبرز فيها، المرتبط بكل ما فيها من شخصيات وأحداث ارتباطاً وثيقاً. والكاتب يسعى لترسيخ هذا الارتباط والتلازم والالتحام على امتداد الرواية بجميع فصولها؛ فالصراع في "زقاق المدق" قائم على أساس علاقة الإنسان بالمكان، والعلاقات بين الناس وبعضهم فيه، وعلاقاتهم بالعالم الخارجي. وقضية الزقاق تتلخص في كيفية تفاعله وتفاعل ساكنيه مع الخارج مع الحفاظ على الهوية والأصالة المميزة له، والتي ظل محتفظاً به على مدى الأزمان. نقصد بـ(الخارج) كل ما يقع خارج حدود الزقاق التي رسمها الكاتب، كما رسم معالمه وملامحه بدقة متناهية بعد أن بدأ الرواية باستعادة تاريخ الزقاق ومجده الغابر، والحديث عن أصالته، وهي بداية ترسخ أهمية المكان، وتعمّق أولويته من خلال تسليط ضوء البداية عليه: "تنطق شواهد كثيرة بأن زقاق المدق كان من تحف العهود الغابرة، وأنه تألق يوماً في تاريخ القاهرة المغرية كالكوكب الدري. أي قاهرة أعني؛ الفاطمية؛ المماليك؛ السلاطين؛ علم ذلك عند الله وعند علماء الآثار، ولكنه على أية حال أثر نفيس...". ومع أن هذا الزقاق يكاد يعيش في شبه عزلة عما يحدق به من مسارب الدنيا، إلا أنه على رغم ذلك يضج بحياته الخاصة، حياة تتصل في أعماقها بجذور الحياة الشاملة، وتحتفظ – إلى ذلك – بقدر من أسرار العالم المنطوي.
"آذنت الشمس بالمغيب، والتف زقاق المدق في غلالة سمراء من شفق الغروب، زاد من سمرتها أنه منحصر بين جدران ثلاثة كالمصيدة، له باب على الصنادقية، ثم يصعد صعوداً في غير انتظام، تحف بجانب منه دكان وقهوة وفرن، وتحف بالجانب الآخر دكان ووكالة، ثم ينتهي سريعاً – كما انتهى مجده الغابر– بيتين متلاصقين، يتكون كلاهما من طوابق ثلاثة" .
هذا هو تاريخ الزقاق، وهذه حدوده، وتلك ملامحه التي يبدو للمتأمل فيها أنها تنعكس على كل ما فيه. ولا ينبغي أن يغيب عن الانتباه هنا ما للغروب، الذي بدأ به المؤلف وصف الزقاق، من دلالة عميقة؛ إذ جعل (محفوظ) من هذا الغروب سمة وملمحاً من ملامح الزقاق في هذه البداية. فـ(الغلالة السمراء) التي يلتف فيها (زقاق المدق) لم تكن من شفق الغروب فحسب، بل إنها صفة لازمة للزقاق؛ إذ هو منحصر بين جدران ثلاثة (كالمصيدة) فلا تكاد تشرق عليه الشمس. والكاتب بعد استرساله في وصف الزقاق وبعض شخصياته يعود ليكرس هذه الدلالة: "وكاد الزقاق يغرق في الصمت، لولا أن مضت قهوة كرشة ترسل أنوارها من مصابيح كهربائية، عشش الذباب بأسلاكها" .
ولا يخفى أن الغروب رمز للنهاية، وهذه النهاية ليست فقط نهاية يوم من أيام المدق، بل هي نهاية مجده الغابر الذي انتهى سريعاً، لا بل إن الزقاق نفسه، وفضاءه المكاني ينتهيان سريعاً، ثم إن الزقاق يكاد "يغرق في الصمت"، وحتى عندما تدب الحياة فيه، نرى المصابيح المضيئة وقد "عشش الذباب بأسلاكها".
إذن هو السكون،والجمود، والنهاية، والشؤم، والحزن... كلها ومضات تطالعنا منذ بداية الرواية، فيبقى هذا الانطباع ملازماً لأفكارنا حتى النهاية المؤسفة المأساوية بموت (عباس الحلو) الشاب المثالي والنموذجي في الرواية، الذي راح شهيداً في سبيل مبادئه، فيحزن عليه الزقاق حزناً ما يلبث أن ينطوي، كما انطوى (الحلو) في ذاكرة النسيان، ويعود المدق لممارسة حياته الرتيبة.
ولولا بارقة الأمل في النهاية بعودة (السيد رضوان الحسيني) ضمير الزقاق الحي النابض، وما يرافق تلك العودة من تعليق الثريات والأعلام، وفرش أرض الزقاق بالرمل، لكانت النهاية أشد سوداوية و(غروباً) من البداية... خاصة وأن (الشيخ درويش) قد نطق بلسان حال المكان: "أليس لكل شيء نهاية؛ بل لكل شيء نهاية... ومعناه بالإنجليزيةend ، وتهجيتها: end " .
إذا عدنا بعد هذا إلى ما ذكر أعلاه من أن كل شيء في الرواية مرتبط بالمكان، ونظرنا إلى الشخصيات، لوجدناها هي الأخرى لا تظهر إلا من خلال الزقاق. بل إن لكل شخصية ملمح من (مكانها) أو (موقعها) في الزقاق، وهذا يؤكد ما ذكرناه من أن ملامح الزقاق تنعكس على كل ما فيه. وإذا أخذنا بعض الشخصيات كمثال، نجد (العم كامل) بائع البسبوسة، مرتبط دائماً بدكانه الذي يبدو أنه لا يخلو أبداً من الذباب. ولذا فهو يغط دوماً في نومه والمذبة في حجره، "لا يصحو إلا إذا ناداه زبون أو داعبه عباس الحلو الحلاق. وهو كتلة بشرية جسيمة... ذو بطن كالبرميل، وصدر يكاد يتكور ثدياه، لا ترى له رقبة..." . وهذه كلها صفات ملائمة لدكان بسبوسة في زقاق قديم، يندر أن يكثر فيه الزبائن، وينوب عنهم الذباب الذي يجعل العم كامل لا يفارق (مذبته).
أما (عباس الحلو) الحلاق، فهو شاب أنيق مثالي، ولذا نجد دكانه أو (صالونه) أنيقاً مثله "ذو مرآة ومقعد غير أدوات الفن" .
وقهوة (المعلم كرشة) "حجرة مربعة الشكل، في حكم البالية، ولكنها على عفائها تزدان بجدران الأرابيسك، فليس لها من مطارح المجد إلا تاريخها..." . بل إن هذه القهوة استغنت عن ذلك الشاعر العجوز، الذي يمثل الأصالة ويرمز إليها، والذي قضى فيها أكثر من عشرين عاماً منشداً ترانيمه واسبدلته بمذياع (نصف عمر). وصفات هذه القهوة متسقة مع صفات صاحبها الذي استبدل ماضيه السياسي المجيد، وكفاحه فيه بهذا السقوط الذي يعيشه من إدمان على الكيف، وشذوذ جنسي، وفساد أخلاقي.
و(الست سنية) التي بلغت من العمر أرذله، فلا سبيل لها في تحقيق ما تصبو إليه من الزواج بشاب ،في الثلاثين من عمره، إلا البيت الذي تملكه في الزقاق، فيعود عليها إيجاره بعائد مادي يمكن أن يُطمع فيها من لا يهمه إلا المال.
ولا تُذكر (المعلمة حسينة) وزوجها (جعدة) إلا مقترنين بفرنهما الذي يقع فيما يلي قهوة كرشة.
وتتجلى قمة الامتزاج بين الإنسان والمكان في شخصية (زيطة) صانع العاهات، يقول المؤلف: "وعلى الأرض – تحت الكوة مباشرة – كان يوجد شيء مكوّم لا يفترق عن أرض المكان قذارة ولوناً ورائحة لولا أعضاء ولحم ودم تهبه الحق – على رغم كل شيء – في لقب إنسان" . وذلك بعد أن أطنب في وصف قذارة المكان والظلام والفوضى والحالة المزرية (المتعفنة) التي هو فيها.
أما (الشيخ درويش) ضمير الزقاق الميت الحي، فإنه رجل دائم الشرود والجمود، متيم بحب آل البيت، يحسبه الناظر تائهاً في عالم آخر، وفي دنيا وحده، ولكنه في الواقع متيقظ حاضر الحواس، لا ينطق إلا بلسان الضمير الصادق.. هذه صفات الشيخ (درويش) الذي لا مكان له، ولا مأوى، ولا دار ولا غاية، يصور نجيب محفوظ خروجه من القهوة فيقول: "ونهض قائماً واضعاً قدميه في القبقاب، وغادر القهوة دون أن ينبس بكلمة، يخرق السكون بضربات قبقابه على بلاط الزقاق. كان السكون شاملاً، والظلمة ثقيلة، والطرق والدروب خالية مقفرة، فترك لقدميه مقوده، حيث لا دار ولا غاية، وغاب في الظلمة" . هو كالضمير إذن؛ ليس له مكان أو زمان.. نظنه غائبا وهو حاضر.. يعيش في كل الأزمنة والأمكنة.
سبق أن أشرنا إلى أن الصراع في الرواية أيضاً يستمد جذوته من العلاقات داخل هذا الزقاق وصلة أفراده بالخارج. وكمثال على ذلك نجد أن (حميدة) و(حسين كرشة) يمثلان الجانب السلبي في الاتصال بالعالم الخارجي؛ لأن علاقتهما بالزقاق وأهله كانت علاقة نفور وكره وحقد. ولا غرو! فهما أخوان من الرضاعة، وكلاهما كانت نهايته السقوط.
أما الوجه الإيجابي في العلاقة بالخارج والاتصال معه، فيبرز في تجربة (عباس الحلو) الذي كان خروجه من الزقاق للعمل وكسب الرزق مثمراً وناجحاً، لأن علاقته بالزقاق كانت مختلفة؛ فهو لم يخرج منه وهو كاره له، بل العكس تماماً، لقد خرج من الزقاق وكأنه مكره على ذلك، فهو محب للزقاق وأهله ومحبوب منهم في المقابل.. خرج على نية أن يعود إلى أصله الذي ابتعد عنه كارهاً.
وكذلك نجد اتصالاً بالخارج من نوع آخر في رحلة (السيد رضوان الحسيني) إلى الحج. وكأن توقيت هذه الرحلة، وما ذكره الحسيني من أسباب جعلته يقرر أداء هذه الفريضة – كان ذلك يوحي بأن هذه الرحلة هي رحلة تطهيرية للزقاق بأكمله. خاصة وأن (السيد رضوان) يمثل الإيمان النقي الصافي، والضمير الحي النابض الناطق في الحي بأكمله.
هل يسوغ هنا القول إن (المكان) قد احتل لأهميته دوراً من أدوار البطولة في هذه الرواية ؟؟ أو ربمـا البطولة بكاملهـا!
2- الشخصيـات والنماذج الإنسانيــة ..
لا يوجد من بين شخصيات هذه الرواية بطل مطلق. فكل شخصياتها أبطال يؤثرون في مجرى الأحداث بالدرجة نفسها، وإن كان اهتمام الكاتب قد انصب في بعض الأحيان على بعض الشخصيات مثل (حميدة) إلا أن هذا الاهتمام لم يمنحها حق التفرد ببطولة الرواية، فبقي لكل شخصية فيها بطولتها.
وهذه إحدى خصوصيات (زقاق المدق) التي تسلط الضوء على كل الشخصيات، وتصور تنوعها، واختلاف ظروفها، وطبائعها، واهتماماتها، مما يضفي على الرواية بُعداً واقعياً كبيراً حتى ليغدو زقاق المدق نموذجاً مصغراً للمجتمع الإنساني، أو على الأقل: المجتمع المصري بأكمله، إذ تُطالعنا في الرواية نماذج إنسانية لا يكاد يخلو منها مكان أو زمان، والرواية لم تهمل أي شخصية دون أن تصورها تصويراً كاشفاً يفضح دواخلها ويُعرّيها.
فـ(حميدة) بنت الزقاق المتمردة، العنيدة، الناقمة على كل ما حولها، والجميلة الفاتنة التي تأسر ألباب الرجال بجمالها وغنجها، همها الوحيد هو الخلاص من الزقاق ومن كل ما يرتبط به عندها من فقر وعيشة وضيعة، بل حتى من حياة زوجية هادئة، تسير فيها الحياة على سنتها من حبل وولادة و إرضاع. وذلك بأي وسيلة، ومهما كان الثمن. وقد كان غالياً، وهو شرفها وكرامتها، وحتى ما كانت تحيط به نفسها من كبرياء وتعال وغرور. حيث انجرت خلف ذلك القواد (فرج إبراهيم) لتسقط عن طريقه في مهاوي الرذيلة، وتتحول إلى عاهرة في حانات الإنجليز، ضاربة بعرض الحائط ذلك الشاب المخلص (عباس) الذي عاهدته قبل رحيله على الزواج، فلم يخرج من الزقاق إلا وقد قرئت فاتحتهما، ولم يخرج منه إلا من أجلها؛ ليوفر لها المال والحياة المترفة التي لم تكن لترضى عنها بدلاً.
و(عباس) لم يسقط كما سقطت (حميدة) أو أخوها (حسين كرشة)، لأنه كان نبيل الغاية، نبيل الخلق، شاب وديع هادئ مسالم، لا يريد من الحياة إلا إرضاء محبوبته لتقبل به زوجاً فيبني معها حياة كريمة وأسرة سعيدة. بعكس صديقه (حسين كرشة) الذي كان همه الوحيد جمع المال، والحصول على الثراء والحياة المترفة، وإن كان المقابل خدمة الإنجليز وتملقهم، والانسلاخ عن أصله الذي ينتمي إليه، وهو الزقاق الذي رجع إليه يجر أذيال الخيبة، ويجر وراءه عبئاً ثقيلاً هو زوجة وأسرة، ورغم ذلك فقد قبله الزقاق وآواه.
وأما (سليم علوان) فهو يمثل نموذج الرجل الثري الذي لا يهمه من الدنيا إلا جمع المال، والربح في التجارة، والسير خلف شهواته وهوى نفسه، حتى لنراه يواظب على (أكلات معينة) تجعله عرضة للهمز واللمز في الزقاق، دون أن يكترث بصورته أمام الناس.. فهو لا يرى في الدنيا سوى نفسه، ولا يهمه أن يدوس على قلوب الناس، أو يدمر أحلام المساكين كما كان سيفعل حين أقدم على خطبة (حميدة) وأصر عليها حتى بعد علمه أنها مخطوبة لعباس الذي سافر ليحسن وضعه المالي.. وذلك على الرغم من أنه رجل موسر، كبير السن، ذو عائلة مستقرة الأمور والأحوال. وهو في هذا يشبه (المعلم كرشة) المنقاد لشهواته الشاذة وكيفه، دون اكتراث بما يسببه سلوكه من (فضائح) له ولعائلته التي لا تنقصها الفضائح أصلاً؛ فإحدى بناته مسجونة بسبب قضية أخلاقية، بعد أن عثر عليها بعد عام من زاوجها مع رجل غير حليلها.
والعم (كامل) رجل وديع مسالم، ليس له هم في الدنيا إلا اكتساب قوت يومه، والعيش بسلام.. ليس له من هدف أو حلم أو مقصد ...! هو رمز السلبية.
وكذلك نجد "الخطّابة" بصفاتها المعروفة، وهي (أم حميدة) التي لم يكن لها اهتمام إلا بالقيل والقال، وجمع المال وانتهاز أي فرصة لذلك وإن كان فيها ما يحط من المروءة والشرف .. وهي تقضي معظم النهار خارج بيتها غير عابئة بتلك الفتاة التي ربتها كابنة لها .
ويطالعنا نموذج "الدكتور بوشى" طبيب الأسنان الذي اكتسب لقبه من مرضاه، والذي يعتمد في تمويل مهنته على أجساد الموتى وما يسرق من أجسادهم بمساعدة "زيطة" صانع العاهات الذي يدين له جميع شحاذي الزقاق وما يجاوره بالولاء الكامل؛ إذ هو صاحب الفضل في امتهانهم لهذه الحرفة، وبالتالي فهم ملزمون بدفع مرتبه يومياً دون تذمر أو تأخير.
وهناك "المعلمة حسينة" الفرّانة وزوجها "جعدة" اللذان يعيشان حياة أشبه ما تكون بالمهزلة، إذ لا يمر يوم دون أن يحصل "جعدة" على نصيبه المقسوم من الضرب والشتم من زوجته على مرأى ومسمع من الناس.
وحتى بعض الشخصيات التي قد نظنها لأول وهلة هامشية لا تغدو كذلك عند تفحصها ، كشخصية الشاعر الذي لم يظهر في الرواية إلا مرة واحدة مع ابنه ، إلا أن هذا الدور الصغير لم يكن هامشياً..فالشيخ (الشاعر) يمثل الأصالة والمجد الغابر الذي لم يعد أحد يريد التمسك به ، وقد رأينا في الرواية كيف تخلى المجتمع (متمثلاً في المعلم كرشة وغيره من أصحاب "القهاوي" ) عن هذا الرجل (المتهدم، الذي لم يترك له الدهر عضواً سالماً) وعن ابنه الذي يمثل الامتداد الطبيعي له بصورة قاسية بشعة ، تماماً كما تُخُلي عن التراث والأصالة والأمجاد .
إن بعض النقاد يرون في هذه الشخصيات التي ذكرناها (وفي غيرها مما لم يتسنى في هذه العجالة ذكرها) رموزاً أعمق من الظاهر الذي تبدو عليه .. فيرى البعض في "حميدة" وسقوطها رمزاً لمصر بأكملها ، وما كانت عليه من سقوط في فترة الحرب والاستعمار الإنجليزي .. ويرون في "فرج إبراهيم" رمزاً للساسة الذين كانوا يجيدون التملق ، والوصول إلى أغراضهم وأطماعهم ولو على حساب الشرف والفضيلة ، ولذلك باعوا مصر للإنجليز كما باع "فرج" "حميدة" للإنجليز .
والبعض الآخر يرى فيهم جيلاً كاملاً تضافرت كل الجهود لتقضي عليه أو صورةً لما كانت عليه السياسة من سقوط وانحطاط ، السياسة لا مصر بذاتها . وهي تمثل أيضاً للتمرد والطموح ، وهذا يتجلى في موقفها وطموحها الذي يعدّ غايةً في التخلف ، ومن ثم فهي تقابل "رضوان الحسيني" رمز الرضا بالقضاء والقدر ، والذي يمثل المصلحة العامة ، والشخص الذي يتفانى من أجل مصلحة الجماعة ، صبت عليه الحياة من همومها وابلاً حتى تحول الحزن في نفسه إلى رضا بقضاء الله ، وحب للدنيا وكل ما فيها .
كذلك يمثل "المعلم كرشة" ما تمثله حميدة أو ما يقرب منه ؛ فهو يمثل ماضي الثورة ، والتغيير ، والانحدار الذي سارت فيه السياسة .
وأما "عباس الحلو" فهو رمز للاتصال الناجح والمشروع مع العالم الخارجي ، وموته المشرف يشير إلى طريق المستقبل ، وأن التغيير يجب أن يكون من الداخل حيث الحب والالتصاق بالجذور ، ومن الخارج حيث التفاعل المشروع دون فقدان لتلك الجذور . هذا الموت يمثل موقفاً من مواقف الشباب الطموح الذي هزم وهزمت أحلامه لأن ظروفاً أكبر منه أدّت إلى فشله ، ولكنها لم تفقد الشرف الذي هو أول معطيات الانتصار .
وتكتمل هذه النماذج الرمزية "بالشخصية الجامعة للماضي والحاضر والمستقبل ، شخصية الشيخ درويش المتعلق أبداً بحب آل البيت ، والذي يقف ليكون ضميراً موحياً لما يجري ويكون . وكلماته دائماً تعني شيئاً آخر خارج حدود الكلمات القاصرة . هو غائب عن الدنيا في الوقت الذي هو في بؤرتها . يرى الأعماق ، ومن ثم فرؤيته أكثر صدقاً مما يدور ، فهو ضمير كاشف لكل ما هو كائن وما سيكون " .
لعل فيما مرّ من أمثلة ما يكفي للدلالة على تنوع النماذج الإنسانية في الرواية من جهة ، وأن لكل شخصية منها بطولة ، وأثر بارز ، وحضور قوي . وأنها في النهاية لا تمثل نفسها فقط، وإنما ترمز إلى نماذج أعمق وأبعد: الأرض/ الوطن/ الثورة/ الخضوع .
*سماهر الضامن
(زقاق المدق) ، من أبرز روايات نجيب محفوظ. مثلت فلما من إخراج حسن الإمام وبطولة شاديا وصلاح قابيل وحسن يوسف وسامية جمال ..
أحداث الرواية تدور في حي (زقاق) قديم من أحياء القاهرة القديمة .. في فترة الأربعينيات خلال الحرب العالمية العالمية، وتعالج تيمة تأثير هذه الحرب على المصريين.. بطلة الرواية (حميدة) فتاة بسيطة لكن جميلة، يفتن بها رجال الزقاق ، لكنها تنتهي بين أحضان الإنجليز مستخدمة جسدها للحصول على الأموال والوصول للثراء، خطيبها (عباس) يموت على يد الإنجليز وهو يحاول انتزاعها من بينهم ..
1- دلالات المكان ..
(زقاق المدق)، مكان الرواية، هو المحور الأبرز فيها، المرتبط بكل ما فيها من شخصيات وأحداث ارتباطاً وثيقاً. والكاتب يسعى لترسيخ هذا الارتباط والتلازم والالتحام على امتداد الرواية بجميع فصولها؛ فالصراع في "زقاق المدق" قائم على أساس علاقة الإنسان بالمكان، والعلاقات بين الناس وبعضهم فيه، وعلاقاتهم بالعالم الخارجي. وقضية الزقاق تتلخص في كيفية تفاعله وتفاعل ساكنيه مع الخارج مع الحفاظ على الهوية والأصالة المميزة له، والتي ظل محتفظاً به على مدى الأزمان. نقصد بـ(الخارج) كل ما يقع خارج حدود الزقاق التي رسمها الكاتب، كما رسم معالمه وملامحه بدقة متناهية بعد أن بدأ الرواية باستعادة تاريخ الزقاق ومجده الغابر، والحديث عن أصالته، وهي بداية ترسخ أهمية المكان، وتعمّق أولويته من خلال تسليط ضوء البداية عليه: "تنطق شواهد كثيرة بأن زقاق المدق كان من تحف العهود الغابرة، وأنه تألق يوماً في تاريخ القاهرة المغرية كالكوكب الدري. أي قاهرة أعني؛ الفاطمية؛ المماليك؛ السلاطين؛ علم ذلك عند الله وعند علماء الآثار، ولكنه على أية حال أثر نفيس...". ومع أن هذا الزقاق يكاد يعيش في شبه عزلة عما يحدق به من مسارب الدنيا، إلا أنه على رغم ذلك يضج بحياته الخاصة، حياة تتصل في أعماقها بجذور الحياة الشاملة، وتحتفظ – إلى ذلك – بقدر من أسرار العالم المنطوي.
"آذنت الشمس بالمغيب، والتف زقاق المدق في غلالة سمراء من شفق الغروب، زاد من سمرتها أنه منحصر بين جدران ثلاثة كالمصيدة، له باب على الصنادقية، ثم يصعد صعوداً في غير انتظام، تحف بجانب منه دكان وقهوة وفرن، وتحف بالجانب الآخر دكان ووكالة، ثم ينتهي سريعاً – كما انتهى مجده الغابر– بيتين متلاصقين، يتكون كلاهما من طوابق ثلاثة" .
هذا هو تاريخ الزقاق، وهذه حدوده، وتلك ملامحه التي يبدو للمتأمل فيها أنها تنعكس على كل ما فيه. ولا ينبغي أن يغيب عن الانتباه هنا ما للغروب، الذي بدأ به المؤلف وصف الزقاق، من دلالة عميقة؛ إذ جعل (محفوظ) من هذا الغروب سمة وملمحاً من ملامح الزقاق في هذه البداية. فـ(الغلالة السمراء) التي يلتف فيها (زقاق المدق) لم تكن من شفق الغروب فحسب، بل إنها صفة لازمة للزقاق؛ إذ هو منحصر بين جدران ثلاثة (كالمصيدة) فلا تكاد تشرق عليه الشمس. والكاتب بعد استرساله في وصف الزقاق وبعض شخصياته يعود ليكرس هذه الدلالة: "وكاد الزقاق يغرق في الصمت، لولا أن مضت قهوة كرشة ترسل أنوارها من مصابيح كهربائية، عشش الذباب بأسلاكها" .
ولا يخفى أن الغروب رمز للنهاية، وهذه النهاية ليست فقط نهاية يوم من أيام المدق، بل هي نهاية مجده الغابر الذي انتهى سريعاً، لا بل إن الزقاق نفسه، وفضاءه المكاني ينتهيان سريعاً، ثم إن الزقاق يكاد "يغرق في الصمت"، وحتى عندما تدب الحياة فيه، نرى المصابيح المضيئة وقد "عشش الذباب بأسلاكها".
إذن هو السكون،والجمود، والنهاية، والشؤم، والحزن... كلها ومضات تطالعنا منذ بداية الرواية، فيبقى هذا الانطباع ملازماً لأفكارنا حتى النهاية المؤسفة المأساوية بموت (عباس الحلو) الشاب المثالي والنموذجي في الرواية، الذي راح شهيداً في سبيل مبادئه، فيحزن عليه الزقاق حزناً ما يلبث أن ينطوي، كما انطوى (الحلو) في ذاكرة النسيان، ويعود المدق لممارسة حياته الرتيبة.
ولولا بارقة الأمل في النهاية بعودة (السيد رضوان الحسيني) ضمير الزقاق الحي النابض، وما يرافق تلك العودة من تعليق الثريات والأعلام، وفرش أرض الزقاق بالرمل، لكانت النهاية أشد سوداوية و(غروباً) من البداية... خاصة وأن (الشيخ درويش) قد نطق بلسان حال المكان: "أليس لكل شيء نهاية؛ بل لكل شيء نهاية... ومعناه بالإنجليزيةend ، وتهجيتها: end " .
إذا عدنا بعد هذا إلى ما ذكر أعلاه من أن كل شيء في الرواية مرتبط بالمكان، ونظرنا إلى الشخصيات، لوجدناها هي الأخرى لا تظهر إلا من خلال الزقاق. بل إن لكل شخصية ملمح من (مكانها) أو (موقعها) في الزقاق، وهذا يؤكد ما ذكرناه من أن ملامح الزقاق تنعكس على كل ما فيه. وإذا أخذنا بعض الشخصيات كمثال، نجد (العم كامل) بائع البسبوسة، مرتبط دائماً بدكانه الذي يبدو أنه لا يخلو أبداً من الذباب. ولذا فهو يغط دوماً في نومه والمذبة في حجره، "لا يصحو إلا إذا ناداه زبون أو داعبه عباس الحلو الحلاق. وهو كتلة بشرية جسيمة... ذو بطن كالبرميل، وصدر يكاد يتكور ثدياه، لا ترى له رقبة..." . وهذه كلها صفات ملائمة لدكان بسبوسة في زقاق قديم، يندر أن يكثر فيه الزبائن، وينوب عنهم الذباب الذي يجعل العم كامل لا يفارق (مذبته).
أما (عباس الحلو) الحلاق، فهو شاب أنيق مثالي، ولذا نجد دكانه أو (صالونه) أنيقاً مثله "ذو مرآة ومقعد غير أدوات الفن" .
وقهوة (المعلم كرشة) "حجرة مربعة الشكل، في حكم البالية، ولكنها على عفائها تزدان بجدران الأرابيسك، فليس لها من مطارح المجد إلا تاريخها..." . بل إن هذه القهوة استغنت عن ذلك الشاعر العجوز، الذي يمثل الأصالة ويرمز إليها، والذي قضى فيها أكثر من عشرين عاماً منشداً ترانيمه واسبدلته بمذياع (نصف عمر). وصفات هذه القهوة متسقة مع صفات صاحبها الذي استبدل ماضيه السياسي المجيد، وكفاحه فيه بهذا السقوط الذي يعيشه من إدمان على الكيف، وشذوذ جنسي، وفساد أخلاقي.
و(الست سنية) التي بلغت من العمر أرذله، فلا سبيل لها في تحقيق ما تصبو إليه من الزواج بشاب ،في الثلاثين من عمره، إلا البيت الذي تملكه في الزقاق، فيعود عليها إيجاره بعائد مادي يمكن أن يُطمع فيها من لا يهمه إلا المال.
ولا تُذكر (المعلمة حسينة) وزوجها (جعدة) إلا مقترنين بفرنهما الذي يقع فيما يلي قهوة كرشة.
وتتجلى قمة الامتزاج بين الإنسان والمكان في شخصية (زيطة) صانع العاهات، يقول المؤلف: "وعلى الأرض – تحت الكوة مباشرة – كان يوجد شيء مكوّم لا يفترق عن أرض المكان قذارة ولوناً ورائحة لولا أعضاء ولحم ودم تهبه الحق – على رغم كل شيء – في لقب إنسان" . وذلك بعد أن أطنب في وصف قذارة المكان والظلام والفوضى والحالة المزرية (المتعفنة) التي هو فيها.
أما (الشيخ درويش) ضمير الزقاق الميت الحي، فإنه رجل دائم الشرود والجمود، متيم بحب آل البيت، يحسبه الناظر تائهاً في عالم آخر، وفي دنيا وحده، ولكنه في الواقع متيقظ حاضر الحواس، لا ينطق إلا بلسان الضمير الصادق.. هذه صفات الشيخ (درويش) الذي لا مكان له، ولا مأوى، ولا دار ولا غاية، يصور نجيب محفوظ خروجه من القهوة فيقول: "ونهض قائماً واضعاً قدميه في القبقاب، وغادر القهوة دون أن ينبس بكلمة، يخرق السكون بضربات قبقابه على بلاط الزقاق. كان السكون شاملاً، والظلمة ثقيلة، والطرق والدروب خالية مقفرة، فترك لقدميه مقوده، حيث لا دار ولا غاية، وغاب في الظلمة" . هو كالضمير إذن؛ ليس له مكان أو زمان.. نظنه غائبا وهو حاضر.. يعيش في كل الأزمنة والأمكنة.
سبق أن أشرنا إلى أن الصراع في الرواية أيضاً يستمد جذوته من العلاقات داخل هذا الزقاق وصلة أفراده بالخارج. وكمثال على ذلك نجد أن (حميدة) و(حسين كرشة) يمثلان الجانب السلبي في الاتصال بالعالم الخارجي؛ لأن علاقتهما بالزقاق وأهله كانت علاقة نفور وكره وحقد. ولا غرو! فهما أخوان من الرضاعة، وكلاهما كانت نهايته السقوط.
أما الوجه الإيجابي في العلاقة بالخارج والاتصال معه، فيبرز في تجربة (عباس الحلو) الذي كان خروجه من الزقاق للعمل وكسب الرزق مثمراً وناجحاً، لأن علاقته بالزقاق كانت مختلفة؛ فهو لم يخرج منه وهو كاره له، بل العكس تماماً، لقد خرج من الزقاق وكأنه مكره على ذلك، فهو محب للزقاق وأهله ومحبوب منهم في المقابل.. خرج على نية أن يعود إلى أصله الذي ابتعد عنه كارهاً.
وكذلك نجد اتصالاً بالخارج من نوع آخر في رحلة (السيد رضوان الحسيني) إلى الحج. وكأن توقيت هذه الرحلة، وما ذكره الحسيني من أسباب جعلته يقرر أداء هذه الفريضة – كان ذلك يوحي بأن هذه الرحلة هي رحلة تطهيرية للزقاق بأكمله. خاصة وأن (السيد رضوان) يمثل الإيمان النقي الصافي، والضمير الحي النابض الناطق في الحي بأكمله.
هل يسوغ هنا القول إن (المكان) قد احتل لأهميته دوراً من أدوار البطولة في هذه الرواية ؟؟ أو ربمـا البطولة بكاملهـا!
2- الشخصيـات والنماذج الإنسانيــة ..
لا يوجد من بين شخصيات هذه الرواية بطل مطلق. فكل شخصياتها أبطال يؤثرون في مجرى الأحداث بالدرجة نفسها، وإن كان اهتمام الكاتب قد انصب في بعض الأحيان على بعض الشخصيات مثل (حميدة) إلا أن هذا الاهتمام لم يمنحها حق التفرد ببطولة الرواية، فبقي لكل شخصية فيها بطولتها.
وهذه إحدى خصوصيات (زقاق المدق) التي تسلط الضوء على كل الشخصيات، وتصور تنوعها، واختلاف ظروفها، وطبائعها، واهتماماتها، مما يضفي على الرواية بُعداً واقعياً كبيراً حتى ليغدو زقاق المدق نموذجاً مصغراً للمجتمع الإنساني، أو على الأقل: المجتمع المصري بأكمله، إذ تُطالعنا في الرواية نماذج إنسانية لا يكاد يخلو منها مكان أو زمان، والرواية لم تهمل أي شخصية دون أن تصورها تصويراً كاشفاً يفضح دواخلها ويُعرّيها.
فـ(حميدة) بنت الزقاق المتمردة، العنيدة، الناقمة على كل ما حولها، والجميلة الفاتنة التي تأسر ألباب الرجال بجمالها وغنجها، همها الوحيد هو الخلاص من الزقاق ومن كل ما يرتبط به عندها من فقر وعيشة وضيعة، بل حتى من حياة زوجية هادئة، تسير فيها الحياة على سنتها من حبل وولادة و إرضاع. وذلك بأي وسيلة، ومهما كان الثمن. وقد كان غالياً، وهو شرفها وكرامتها، وحتى ما كانت تحيط به نفسها من كبرياء وتعال وغرور. حيث انجرت خلف ذلك القواد (فرج إبراهيم) لتسقط عن طريقه في مهاوي الرذيلة، وتتحول إلى عاهرة في حانات الإنجليز، ضاربة بعرض الحائط ذلك الشاب المخلص (عباس) الذي عاهدته قبل رحيله على الزواج، فلم يخرج من الزقاق إلا وقد قرئت فاتحتهما، ولم يخرج منه إلا من أجلها؛ ليوفر لها المال والحياة المترفة التي لم تكن لترضى عنها بدلاً.
و(عباس) لم يسقط كما سقطت (حميدة) أو أخوها (حسين كرشة)، لأنه كان نبيل الغاية، نبيل الخلق، شاب وديع هادئ مسالم، لا يريد من الحياة إلا إرضاء محبوبته لتقبل به زوجاً فيبني معها حياة كريمة وأسرة سعيدة. بعكس صديقه (حسين كرشة) الذي كان همه الوحيد جمع المال، والحصول على الثراء والحياة المترفة، وإن كان المقابل خدمة الإنجليز وتملقهم، والانسلاخ عن أصله الذي ينتمي إليه، وهو الزقاق الذي رجع إليه يجر أذيال الخيبة، ويجر وراءه عبئاً ثقيلاً هو زوجة وأسرة، ورغم ذلك فقد قبله الزقاق وآواه.
وأما (سليم علوان) فهو يمثل نموذج الرجل الثري الذي لا يهمه من الدنيا إلا جمع المال، والربح في التجارة، والسير خلف شهواته وهوى نفسه، حتى لنراه يواظب على (أكلات معينة) تجعله عرضة للهمز واللمز في الزقاق، دون أن يكترث بصورته أمام الناس.. فهو لا يرى في الدنيا سوى نفسه، ولا يهمه أن يدوس على قلوب الناس، أو يدمر أحلام المساكين كما كان سيفعل حين أقدم على خطبة (حميدة) وأصر عليها حتى بعد علمه أنها مخطوبة لعباس الذي سافر ليحسن وضعه المالي.. وذلك على الرغم من أنه رجل موسر، كبير السن، ذو عائلة مستقرة الأمور والأحوال. وهو في هذا يشبه (المعلم كرشة) المنقاد لشهواته الشاذة وكيفه، دون اكتراث بما يسببه سلوكه من (فضائح) له ولعائلته التي لا تنقصها الفضائح أصلاً؛ فإحدى بناته مسجونة بسبب قضية أخلاقية، بعد أن عثر عليها بعد عام من زاوجها مع رجل غير حليلها.
والعم (كامل) رجل وديع مسالم، ليس له هم في الدنيا إلا اكتساب قوت يومه، والعيش بسلام.. ليس له من هدف أو حلم أو مقصد ...! هو رمز السلبية.
وكذلك نجد "الخطّابة" بصفاتها المعروفة، وهي (أم حميدة) التي لم يكن لها اهتمام إلا بالقيل والقال، وجمع المال وانتهاز أي فرصة لذلك وإن كان فيها ما يحط من المروءة والشرف .. وهي تقضي معظم النهار خارج بيتها غير عابئة بتلك الفتاة التي ربتها كابنة لها .
ويطالعنا نموذج "الدكتور بوشى" طبيب الأسنان الذي اكتسب لقبه من مرضاه، والذي يعتمد في تمويل مهنته على أجساد الموتى وما يسرق من أجسادهم بمساعدة "زيطة" صانع العاهات الذي يدين له جميع شحاذي الزقاق وما يجاوره بالولاء الكامل؛ إذ هو صاحب الفضل في امتهانهم لهذه الحرفة، وبالتالي فهم ملزمون بدفع مرتبه يومياً دون تذمر أو تأخير.
وهناك "المعلمة حسينة" الفرّانة وزوجها "جعدة" اللذان يعيشان حياة أشبه ما تكون بالمهزلة، إذ لا يمر يوم دون أن يحصل "جعدة" على نصيبه المقسوم من الضرب والشتم من زوجته على مرأى ومسمع من الناس.
وحتى بعض الشخصيات التي قد نظنها لأول وهلة هامشية لا تغدو كذلك عند تفحصها ، كشخصية الشاعر الذي لم يظهر في الرواية إلا مرة واحدة مع ابنه ، إلا أن هذا الدور الصغير لم يكن هامشياً..فالشيخ (الشاعر) يمثل الأصالة والمجد الغابر الذي لم يعد أحد يريد التمسك به ، وقد رأينا في الرواية كيف تخلى المجتمع (متمثلاً في المعلم كرشة وغيره من أصحاب "القهاوي" ) عن هذا الرجل (المتهدم، الذي لم يترك له الدهر عضواً سالماً) وعن ابنه الذي يمثل الامتداد الطبيعي له بصورة قاسية بشعة ، تماماً كما تُخُلي عن التراث والأصالة والأمجاد .
إن بعض النقاد يرون في هذه الشخصيات التي ذكرناها (وفي غيرها مما لم يتسنى في هذه العجالة ذكرها) رموزاً أعمق من الظاهر الذي تبدو عليه .. فيرى البعض في "حميدة" وسقوطها رمزاً لمصر بأكملها ، وما كانت عليه من سقوط في فترة الحرب والاستعمار الإنجليزي .. ويرون في "فرج إبراهيم" رمزاً للساسة الذين كانوا يجيدون التملق ، والوصول إلى أغراضهم وأطماعهم ولو على حساب الشرف والفضيلة ، ولذلك باعوا مصر للإنجليز كما باع "فرج" "حميدة" للإنجليز .
والبعض الآخر يرى فيهم جيلاً كاملاً تضافرت كل الجهود لتقضي عليه أو صورةً لما كانت عليه السياسة من سقوط وانحطاط ، السياسة لا مصر بذاتها . وهي تمثل أيضاً للتمرد والطموح ، وهذا يتجلى في موقفها وطموحها الذي يعدّ غايةً في التخلف ، ومن ثم فهي تقابل "رضوان الحسيني" رمز الرضا بالقضاء والقدر ، والذي يمثل المصلحة العامة ، والشخص الذي يتفانى من أجل مصلحة الجماعة ، صبت عليه الحياة من همومها وابلاً حتى تحول الحزن في نفسه إلى رضا بقضاء الله ، وحب للدنيا وكل ما فيها .
كذلك يمثل "المعلم كرشة" ما تمثله حميدة أو ما يقرب منه ؛ فهو يمثل ماضي الثورة ، والتغيير ، والانحدار الذي سارت فيه السياسة .
وأما "عباس الحلو" فهو رمز للاتصال الناجح والمشروع مع العالم الخارجي ، وموته المشرف يشير إلى طريق المستقبل ، وأن التغيير يجب أن يكون من الداخل حيث الحب والالتصاق بالجذور ، ومن الخارج حيث التفاعل المشروع دون فقدان لتلك الجذور . هذا الموت يمثل موقفاً من مواقف الشباب الطموح الذي هزم وهزمت أحلامه لأن ظروفاً أكبر منه أدّت إلى فشله ، ولكنها لم تفقد الشرف الذي هو أول معطيات الانتصار .
وتكتمل هذه النماذج الرمزية "بالشخصية الجامعة للماضي والحاضر والمستقبل ، شخصية الشيخ درويش المتعلق أبداً بحب آل البيت ، والذي يقف ليكون ضميراً موحياً لما يجري ويكون . وكلماته دائماً تعني شيئاً آخر خارج حدود الكلمات القاصرة . هو غائب عن الدنيا في الوقت الذي هو في بؤرتها . يرى الأعماق ، ومن ثم فرؤيته أكثر صدقاً مما يدور ، فهو ضمير كاشف لكل ما هو كائن وما سيكون " .
لعل فيما مرّ من أمثلة ما يكفي للدلالة على تنوع النماذج الإنسانية في الرواية من جهة ، وأن لكل شخصية منها بطولة ، وأثر بارز ، وحضور قوي . وأنها في النهاية لا تمثل نفسها فقط، وإنما ترمز إلى نماذج أعمق وأبعد: الأرض/ الوطن/ الثورة/ الخضوع .
*سماهر الضامن