مشاهدة النسخة كاملة : " فزت وربّ الكعبة "
يوسف آل ابريه
19-09-2008, 08:53 PM
قال السيد محمد جمال الهاشمي رحمه الله :
أيها الليل الذي أوصافه *** فوق ما يرسم منا القلم
ما الذي تخفيه يا ليل ففي *** وجهك الكالح رعبٌ مؤلم
وإذا الصرخة تعلو بغتة *** وإذا المحراب يغشاه دم
أيها المجرم هل تعلم ما *** ارتكبت نفسك أو لا تعلم
هل درى سيفك في ضربته *** هدم الطود الذي لا يهدم
وجم الإيمان منها فزعاً *** وتلاشى في لهاه النغم
وهوى الإسلام منها خائراً *** وانبرى موكبه يستسلم
والصلاة انهدمت أركانها *** بعدما طاح العماد الأعظم
والكتاب التبست آياته *** بعدما جفّ البيان المحكم
والضمير انهار لما سقطت *** قيمٌ فيها تقوم الشيم
أيها الفجر الذي آلاؤه *** لم تزل في كل جوّ تبسم
عميت عنك عيون كُحلت *** ضوؤها في مروديه الظُلم
عظم الله أجورنا وأجوركم بمصاب أمير المؤمنين عليه السلام , ونعزي إمامنا
الحجة عجل الله فرجه الشريف بهذا المصاب الجلل ..
مأجورين
تحية حزينة لكم ،
لمثل هذا الشعر الجزل العظيم فليسع الشعراء
رحمة الله على السيد محمد جمال الهاشمي
وعظم الله أجرك عزيزنا يوسف وأجوركم أيها المنصفون في شتى أقطار المعمورة
تحية حزينة لكم مرة أخرى ،
سلطان اليباب
19-09-2008, 10:23 PM
لكتاب
السنة 133-العدد 44478
15 سبتمبر 2008
15من رمضان 1429 هـ الأثنين
إمـام المتقين..عـلي بن أبي طـالب
بقلم: ســنـاء البيـــسي
جلس أمير المؤمنين علي بن أبي طالب في المسجد الجامع بالكوفة مقر الخلافة بالعراق في أفقر بيت يؤدي بابه إلي المسجد.. بينما كان معاوية ابن أبي سفيان في قصر الخضراء بالشام ينعم كأباطرة اليونان.. جلس علي رضي الله عنه مطرقا مفكرا تداعب أصابعه لحيته العريضة الناصعة البياض, حيث استعمل الخضاب مرة لكنه تركه لأنه يخفي حقيقة شيبته ويخالف صراحة طبعه ويغير مظهره.. جلس سارحا متكدرا ليسأله أبو الأسود الدؤلي: فيم تفكر يا أمير المؤمنين؟ فأجاب: إني سمعت ببلدكم هذا لحنا في اللغة, فأردت أن أصنع كتابا في أصول العربية..
فقال: إن فعلت هذا أحييتنا, وبقيت فينا هذه اللغة لغة القرآن سليمة بلا عوج.. ثم أتيته بعد ثلاثة أيام, فألقي إلي صحيفة فيها: بسم الله الرحمن الرحيم, الكلمة اسم وفعل وحرف.. فالاسم: ما أنبأ عن المسمي, والفعل: ما أنبأ عن حركة المسمي, والحرف: ما أنبأ عن معني ليس باسم ولا فعل.. ثم قال: تتبعه وزد فيه ما وقع لك, واعلم أبا الأسود أن الأشياء ثلاثة: ظاهر, ومضمر, وشيء ليس بظاهر ولا مضمر, وإنما يتفاضل العلماء في معرفة ما ليس بظاهر ولا مضمر.. قال أبوالأسود: فجمعت من ذلك أشياء عرضتها عليه, فكان منها حروف النصب, تذكرت منها: إن, وأن, وليت, ولعل, وكأن, ولم أذكر لكن.. فذكرها قائلا: ولم تركتها؟!..
فقلت: لم أحسبها منها.. فقال: هي منها فزدها فيها.. وهكذا كان علي.. من روائع بلاغته ومن فيض حكمته ومن نفحات عقله نشأت علوم كثيرة مثل علوم الفقه والنحو والحساب والزهد والتصوف وعلوم الكلام وغيرها من علوم الدين, حتي كان الناس من علمه وهيبته يحذرون أمامه من الخطأ, لكنه كان يردد قوله لهم: لا يستحي من لا يعلم أن يتعلم, ولا يستحي من يعلم إذا سئل عما لا يعلم أن يقول: الله أعلم, وكان يحذر من مصاحبة الجاهل حتي لا يعكس عليه جهالته.
سيرة سيدنا علي إمام المتقين تراث للمسلمين جميعا, وليس للشيعة فقط, إنه التراث النبيل الأعلي والأرفع والأسمي من أية مذهبية.. تراث نهج البلاغة, تراث الإنسانية.. تراث لا حدود لعلمه لمن جاء في الحديث الشريف عنه أنا مدينة العلم وعلي بابها.. ولمن نزلت فيه ثلثمائة آية.. لصاحب الأذن الواعية التي دعا له بها الرسول صلي الله عليه وسلم بعدما نزل قوله تعالي في سورة الحاقة: وتعيها أذن واعية, وكان علي يقول: ما سمعت من رسول الله صلي الله عليه وسلم شيئا قط فنسيته, وهو الذي روي عنه خمسمائة وثمانين حديثا.. لمن كانت المقادير تدخر سمعه ووجدانه لكلمات ستغير وجه الأرض ووجه الحياة..
لمن سمع الآيات البينات مشرقة متألقة حديثة العهد يرتلها رسول رب العالمين من بعد ترتيل جبريل.. آية من بعد آية فيشرب قلب من رضي الله عنه جمال القرآن وجلاله وأسراره وفقهه وبلاغته آية من بعد آية.. لمن صار جديرا بأن يقول: سلوني, وسلوني, وسلوني عن كتاب الله ما شئم فوالله ما من آية من آياته إلا وأنا أعلم أنزلت في ليل أم نهار.. لمن حين نزلت سورة الرعد: إنما أنت منذر ولكل قوم هاد قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: أنا المنذر وعلي الهادي, وبك يا علي يهتدي المهتدون.. لمن كان القرآن علمه وعمله.. سابق المسلمين.. التلميذ الأول للقرآن.. ربيب الوحي.. فما أعلمه.
علي بن أبي طالب الإمام علي, بن عبدالمطلب, ابن هاشم, ابن قصي, بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن نضر بن كنانة.. علي.. أبوالحسن, وأبوتراب, وأبو السبطين, وأمه فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبدمناف, أول هاشمية ولدت هاشميا وكان اسم الوليد حيدرة بمعني أسد علي اسم أبيها, ولكن غلب عليه اسم علي الذي سماه به محمد صلي الله عليه وسلم, وجاء مولده في يوم الجمعة الثالث عشر من شهر رجب سنة ثلاثين من عام الفيل, قبيل الهجرة بثلاث وعشرين سنة, وقبل بعثة النبي باثنتي عشرة سنة.. ولدته فاطمة في البيت الحرام ولم يولد قبله فيه سواه,
ومن قول فاطمة: بينما أنا أسوق هديا إلي الكعبة حيث هبل ــ إذ استقبلني رسول الله وهو يومئذ غلام شاب قبل البعثة فقال لي: يا أماه إني أعلمك شيئا فهل تكتمينه علي.. قلت: نعم.. قال: اذهبي بهذا القربان فقولي كفرت بهبل وآمنت بالله وحده لا شريك له, فقلت أعمل ذلك لما أعلمه من صدقك يا محمد.... وعندما تموت فاطمة أم علي يقوم الرسول صلي الله عليه وسلم بحفر لحدها بيده ويخرج ترابه ويضطجع فيه قائلا: اللهم اغفر لأمي فاطمة بنت أسد ولقنها حجتها ووسع عليها مدخلها.. ويسألونه رأيناك صنعت شيئا ليس لأحد قبلها فيقول: ألبستها قميصي لتلبس من ثياب الجنة, واضطجعت في قبرها ليخفف عنها من ضغطة القبر, لأنها كانت من أحسن خلق الله تعالي صنعا إلي بعد أبي طالب...
وعندما أصاب مكة جدب وقحط أضر بذي العيال قال الرسول لعمه العباس وهو من أيسر بني هاشم: يا عم إن أخاك أبا طالب كثير العيال وقد أصاب الناس ما تري؟ فانطلقا ليخففا عنه عياله ليضم الرسول صلي الله عليه وسلم عليا إليه, ويأخذ العباس جعفر, حيث رجاهما أبوطالب أن يتركا معه عقيلا مع بقية إخوته, وكان عقيل ضعيفا سقيم البدن, وإخوة علي خمسة أولاد هم إلي جانبه: طالب وعقيل وجعفر, ومن الشقيقات: أم هانئ واسمها فاخته وقيل هند وقيل فاطمة وأسلمت في عام الفتح, وجمانة.. ويأتي أبوطالب وابنه جعفر للرسول ليجداه يصلي وعن يمينه علي فقال أبوطالب لجعفر صل جناح ابن عمك فقام بالصلاة عن يساره. ولم يعد بعدها أبوطالب يتعبد الأصنام
ويشب علي في حجر النبي لا يفارقه, ويزامله إلي الكعبة قبل الرسالة ليحطما الأصنام, ويروي علي: انطلق رسول الله صلي الله عليه وسلم إلي الكعبة فقال لي: اجلس فجلست, فصعد علي منكبي. فقال لي: انهض فنهضت. فعرف ضعفي تحته. قال لي: اجلس فجلست ثم نهض بي فخيل إلي أنني لو شئت نلت أفق السماء. فصعدت إلي الكعبة, وتنحي هو قائلا: ألق صنمهم الأكبر, وكان من نحاس مؤتد بأوتاد من حديد في الأرض. فقال رسول الله: عالجه.. فجعلت أعالجه, حتي استمكنت منه, فقال: اقذفه فقذفته حتي انكسر.. ونزلت من فوق الكعبة, وانطلقنا نسعي بعيدا, وخشية أن يرانا أحد من قريش وغيرهم....
علي.. كرم الله وجهه.. فهو لم يحنه لغير الله تعالي.. كرم الله وجهه.. فلم يقع علي عورة قط, وكان إذا سقط خصمه في الصراع وأدرك أنه هالك بسيف علي, كشف الخصم عن عورته, كما فعل أبوسعد بن أبي طلحة في غزوة أحد فأشاح علي بوجهه تعففا.. وكان كرم الله وجهه قوي البنية, عريض المنكبين, ممتلئ الجسم, عظيم العينين, كثير الشعر, عريض اللحية, ربعة لا بالطويل ولا بالقصير, ضخم عضلة الذراع, ضخم عضلة الساق, إذا أمسك بخصمه يكاد يلفظه أنفاسه, وما جادل أحدا إلا أسكته, وكان يسرع في سيره وإلي الحرب يهرول, وحمل باب الحصن علي ظهره يوم خيبر حتي صعد المسلمون عليه ففتحوها, وجاهد أربعون رجلا في قلب ذلك الباب فما استطاعوا, وعندما تقدم في العمر دهمه الصلع,
وقد بلغ من عمق تأثيره علي الآخرين أنه اشتري عبدا فعلمه الإسلام وأعتقه, لكن العبد لازمه, حتي إذا مات النجاشي ملك الحبشة, واضطربت الأمور من بعده اكتشف أن ذلك العبد هو ابن النجاشي قد اختطفه تجار الرقيق طفلا وباعوه في مكة, فأتي قوم من الحبشة يعرضون عليه ملك الحبشة وريثا لأبيه النجاشي, لكنه رفض الملك وآثر البقاء علي الإسلام في صحبة علي كرم الله وجهه.. ويركز الزمخشري فضائل علي بن أبي طالب في قول الرسول: يا علي إنك أول من يقرع باب الجنة فتدخلها بغير حساب بعدي.. وأنه من افتدي الرسول ونام في فراشه مفوضا أمره إلي ربه ولم يضطرب حين دخل عليه المشركون شاهرين السيوف وكان جبريل يحرسه عند رأسه وميكائيل عند رجليه..
وأنه كان يشتري حاجات أهله ويحملها بيديه فإذا اقترب بعض مرافقيه ليحملونها عنه أبي وقال مبتسما: أبوالعيال أحق بحمله!!.. ويرتدي وهو خليفة جلبابا اشتراه من السوق بثلاثة دراهم.. ويركب حمارا, وقد تدلت علي جانبيه ساقاه, وكأنه أحد فقراء البادية, ويعزم عليه أصحابه أن يركب جوادا يليق بأمير المؤمنين فيجيبهم: دعوني أهن هذه الدنيا!! وأنه من أوكل إليه الرسول أمر رد الودائع لأصحابها وقت الهجرة, وقد شهد جميع الغزوات إلا غزوة تبوك, حيث خلفه الرسول علي النساء والأطفال قائلا له: أما ترضي بأن تكون مني بمنزلة هارون من موسي إلا أنه لا نبي بعدي.. وأنه الممدوح بالسيادة فقد قال الرسول لابنته فاطمة: زوجك سيد في الدنيا والآخرة.. وأنه أقضي الصحابة لقوله صلي الله عليه وسلم: أقضاكم علي,
وكان عمر بن الخطاب يقول عنه أعوذ بالله من معضلة لا علي بها, ولولا علي لهلك عمر.. وأن الرسول انقطع عن أصحابه لأجله, فقالوا: يا رسول الله افتقدناك, فقال: إن أبا الحسن وجد مغصا في بطنه فتخلفنا عليه.. وأنه جمع ثلاث مفاخر لم تجتمع لأحد سواه لما روي عن الرسول صلي الله عليه وسلم قوله له: يا علي أعطيت ثلاثا لم يعطها أحد غيرك: صهرا مثلي, وزوجة مثل فاطمة, وولدين مثل الحسن والحسين.. وهو الذي أطلق عليه حين نضجت مناقبه إمام المتقين.. وفي هذا يقول علي لقومه: تعلمون موضعي من رسول الله بالقرابة القريبة, والمنزلة الخصيصة, وضعني في حجره وأنا وليد يضمني إلي صدره, ويكنفني فراشه, ويمسني جسده, ويشمني عرقه, وما وجد لي كذبة في قول, وكنت أتبعه اتباع الفصيل أثر أمه, يرفع لي في كل يوم من أخلاقه علما, ويأمرني بهذا الاقتداء..
وقد يأتي الحق جليا أمام من لا يريد سماعه ممن لا يستطيع إلا قوله رغم ما أصابه.. يدخل عدي بن حاتم علي معاوية بن أبي سفيان الذي يسأله عن أولاده: أين الطرفات؟! وكان يعني طريفا وطارفا وطرفة أولاد عدي.. فيجيبه عدي: قتلوا ثلاثتهم يوم صفين بين يدي علي بن أبي طالب.. فقال معاوية: والله ما أنصفك ابن أبي طالب, إذ قدم بنيك.. وأخر بنيه.. صف لي عليا إذ قتل وبقيت.. فقال عدي: إن رأيت أن تعفيني. فقال معاوية: لا أعفيك.. فعاد عدي يصف عليا بقوله: كان بعيد المدي, شديد القوي, يقول عدلا, ويحكم فصلا, تتفجر الحكمة من جوانبه, والعلم من نواحيه, يستوحش من الدنيا وزهرتها, ويستأنس بالليل ووحشته,
وكان والله عزيز الدمعة طويل الفكرة, يحاسب نفسه إذا خلا, ويقلب كفيه علي ما مضي, ويدنينا إذا أتيناه, ونحن مع تقريبه لنا وقربه منا لا نكلمه لهيبته, ولا نرفع أعيننا إليه لعظمته, فإن تبسم فعن اللؤلؤ المنظوم, يعظم أهل الدين, ويتحبب للمساكين, لا يخاف القوي ظلمه, ولا ييأس الضعيف من عدله. وأقسم لقد رأيته ليلة وقد مثل في محرابه, وأرخي الليل سرباله, وغارت نجومه, ودموعه تتحادر علي لحيته, وهو يتململ ويبكي بكاء الحزين, فكأني الآن أسمعه وهو يقول: يا دنيا غري غيري, قد طلقتك ثلاثا لا رجعة لي فيك, فعيشك حقير, وخطرك يسير, آه من قلة الزاد, وبعد السفر, ووحشة الطريق.... هنا انهمرت دموع معاوية, وجعل ينشفها بكمه, ثم قال: يرحم الله أبا الحسن كان كذلك., وبموته ذهب الفقه والعلم, ثم أضاف قائلا لعدي: فكيف صبرك عليه؟ فأجاب عدي: كصبر من ذبح ولدها, فهي لا ترقأ دمعتها, ولا تسكن عبرتها.. ثم سأل معاوية: فكيف ذكرك له؟.. فقال: وهل تراني أنساه.
في خجل يقترب علي من ابن عمه وعلي وجهه كلام لم ينطق به, فيدرك النبي أن ابن عمه وأخاه قد جاء في أمر يمنعه الحياء من الإفصاح عنه فيسأله: ما خطب ابن أبي طالب؟.. فلم ينطق من يغض بصره سوي بالاسم.. فاطمة.. دون تعقيب, وما نطق الأب سوي بكلمتين لا ثالث لهما: مرحبا وأهلا.. وبعدها.. أمسك الرسول عن الكلام, وطال صمته لينصرف علي حائرا يدير الكلمتين.. يستنطقهما.. ليظل منهما متخوفا ألا يكون فيهما استجابة, خاصة أن رسول الله كان قد رد كلا من أبي بكر وعمر بن الخطاب من قبل عندما جاء كل منهما لخطبة فاطمة, ووقتها كان رده الجميل المقنع لكليهما: لم يأذن الله بعد.. ولكن طمأن الجمع عليا بقولهم أنه كان يكفيه تعبيرا عن موافقة الرسول إحدي الاثنتين مرحبا أو أهلا.. ولم يكد يطلع نور الصبح حتي استجمع علي شجاعته ليفصح بالجملة المفيدة: لقد أتيتك يا رسول الله خاطبا ابنتك فاطمة فهل زوجتني إياها؟..
وكانت فاطمة التي قاربت وقتها عامها الثامن عشر تحس بإلهام فطرتها ووحي قلبها أن عليا متعلق بها غير منصرف عنها ولا راغب في سواها من بنات المسلمين.. وكذلك كانت هي لم تشعر بمن هو أقرب إليها من علي وأعز موضعا.. و.. ما أن يطلب علي فاطمة حتي يتهلل وجه النبي منبسطا سائلا: وهل عندك شيء تصدقها به؟ فيجيبه الخاطب صادقا: لا يا رسول الله.. فيعود ليسأله: وأين درعك؟! فينطلق ليأتي به ليأمر الرسول ببيعه ليجهز العروس بثمنه, ويتقدم عثمان فيشتريه بأربعمائة وسبعين درهما قام علي بوضعها أمام المصطفي الذي دفع بعضها إلي بلال ليشتري عطرا وطيبا, وبالباقي لأم سلمة رضي الله عنها لتشتري جهاز العروسين اللذين أهداهما عليه الصلاة والسلام بساطا من الصوف الأبيض..
وقام علي بإعداد بيته لاستقبال بنت أشرف الخلق.. حجرة متواضعة خلف بيت النبي صلي الله عليه وسلم عن يسار المصلي إلي القبلة في الروضة وكان فيه خوخة ــ ممرا ــ إلي بيت النبي صلي الله عليه وسلم ــ حيث كان يأتي بابها كل يوم يأخذ بعضادتية ــ ضفتيه ــ ويقول: الصلاة الصلاة, وعن عمر بن علي بن الحسين قوله: كان بيت فاطمة في موضع الزور مخرج النبي صلي الله عليه وسلم, وكانت فيه كوة إلي بيت عائشة رضي الله عنها, فكان عليه الصلاة والسلام إذا قام إلي المخرج اطلع من الكوة إلي حجرة فاطمة فعلم خبرهم.. وكان يحدث فاطمة من الكوة أحيانا ليسألها عن أحوالهم.. البيت حجرة متواضعة فرشت بالرمل الناعم, وفراش ووسادتين حشوهما من ليف هذبته بأيديهما زوجتا رسول الله عائشة وأم سلمة رضي الله عنهما, وعود في جانب البيت لتلقي عليه الثياب وتعلق القربة, وجلد كبش يقلب علي صوفه فيصير فراشا, وإناء به سمن جاف يطهي به, وقربة للماء وجرة وكوز, ورحي, ومنخل, ومنشفة..
وخفت نساء الأنصار الثريات فأهدين فاطمة رداءين للزفاف, وبعض حقاق من الطيب والعطور, وأقرضنها بعض الحلي من الذهب والجواهر.. وفي موعد القران احتفل بنو عبدالمطلب فأتي حمزة عم النبي وعم علي بشارفين ــ جملين ــ نحرهما وأطعم الناس.. وما أن فرغ الجمع من الطعام حتي أتي الرسول ببغلته الشهباء وثني عليها قطيفة قائلا لفاطمة اركبي وأمر سلمان أن يقود بها, ومشي الرسول خلفها ومعه حمزة وبنو هاشم مشهرين سيوفهم, وأمر بنات عبدالمطلب ونساء المهاجرين والأنصار أن يمضين في صحبة فاطمة وأن يفرحن ويرتجزن.. وينثر الرسول علي رأسي الزوجين ماء معطرا مع قوله: اللهم هؤلاء أهل بيتي فاذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا.. ويسأله علي: يا رسول الله أنا أحب إليك أم هي؟ فيرد عليه صلي الله عليه وسلم: هي أحب إلي منك, وأنت أعز علي منها.. واعتاد الرسول أن يزورهما ليطمئن علي أحوالهما,
وكان إذا أوصي عليا بها قال: فاطمة بضعة مني يريبني ما رابها ويؤذيني ما آذاها ويهديهما كلمات علمها له جبريل للتغلب علي المصاعب: تسبحان بعد كل صلاة عشرا, وتحمدان عشرا, وتكبران عشرا, وإذا آويتما إلي فراشكما, تسبحان ثلاثا وثلاثين, وتحمدان ثلاثا وثلاثين, وتكبران ثلاثا وثلاثين..
ويعتذر علي بن أبي طالب لفاطمة يسألها العفو والمغفرة فتغفر لابن العم الذي راح يروي لها ما كان من حديث المسجد, ويصف لها شعوره الآسف حين سمع ابن عمه صلي الله عليه وسلم يتحدث عن ضيقه بالأذي يلحق ابنته فاطمة وإنكاره أن يتزوج علي من بنت أبي جهل مع الزهراء, وقسمه ألا يجمع بين بنت رسول الله وبنت عدو الله أبدا.. وتلد الزهراء الحسن والحسين ليكون اسميهما نغمة حلوة في فم أبي الزهراء يستعذبها ولا يمل من ترديدها... ويلقي ابنته وزوجها وقد غلبهما النعاس, والحسن يبكي ويطلب طعاما, ولا يهن علي الأب الكريم أن يوقظ العزيزين النائمين, فأسرع إلي شاه كانت تقف في ساحة الدار, فحلبها وسقي الحسن من لبنها حتي ارتوي, وكان يقول لابنته معاتبا إذا ما بلغ مسمعه صوت بكاء الحسن: أو ما علمت أن بكاءه يؤذيني.
ومن بعد وفاة الرسول لم تر الزهراء إلا حزينة باكية تدعو أن تلحق بأبيها كما بشرها قبل الرحيل.. وما أسرع ما لحقت به بعد ستة أشهر, حيث اغتسلت ولبست ثوبا جديدا واضطجعت علي فراشها وسط البيت واستقبلت القبلة وتهيأت للقاء ربها ولقاء أبيها الحبيب.. ثم أغمضت عينيها.. وأسرع علي يجهزها ويدفنها سرا كما أوصت ويبكي علي قبرها قائلا:
لكل اجتماع مــن خليلين فرقــة وإن الذي دون الفراق قليل
وإن افتقادي واحدا بعد واحد دليل عــلي ألا يدوم خــليل
ويعود إلي داره وحيدا مع أحزانه, يواسي صغاره: الحسن والحسين ومحسن وقد مات صغيرا وأم كلثوم وزينب, ورقية وماتت صغيرة قبل البلوغ, ولم يتزوج علي علي فاطمة حتي وفاتها.. وكان في عصمته يوم قتل أربع زوجات هن: أمامة, وليلي بنت مسعود التميمية, وأسماء بنت عميس, وأم البنين..
غزير الدمع.. طويل الفكر.. المخوشن في سبيل الله.. كان في رمضان من السنة التي قتل فيها يفطر ليلة عند الحسن, وليلة عند الحسين, ولا يزيد في أكله علي ثلاث أو أربع لقمات ويقول: يأتيني أمر الله وأنا قميص جائع, ولم يمض الشهر حتي قتل رضي الله عنه لتقول أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها عندما علمت بمصرعه: فلتصنع العرب ما شاءت فليس لها أحد ينهاها.. أبا الحسن.. الأمور تقترب من نهاياتها.. البطل يقف بين فتنتين عارمتين.. الشام تصيح: يالثارات عثمان!!..
وفي العراق صيحة: لا حكم إلا لله!!.. ولئن كانت الأولي أعتي وأوسع, فإن الثانية أمض وأوجع, ذلك أن ذويها ومشعليها الذين كانوا بالأمس أتباعه وجنده, هم الذين أصروا علي قبول التحكيم حين كان يحذرهم منه ويدعوهم إلي رفضه.. وصدق رسول الله حين قال: ستكون فتنة, القاعد فيها خير من القائم, والقائم خير من الماشي, والماشي خير من الساعي.. ويضع الإمام الذي ضاق بهم ذرعا مصحفه فوق رأسه قائلا: اللهم إنهم منعوني أن أقوم في الأمة بما فيه( المصحف) فأعطني ثواب ما فيه. اللهم إني مللتهم وملوني, وأبغضتهم وأبغضوني.. اللهم أمت قلوبهم موت الملح في الماء.. وإلي أي حد ضاق الإمام بهم ذرعا حتي دعا عليهم ودعا لنفسه قبل استشهاده بأيام والله لوددت أن الله أخرجني من بين أظهركم, وقبضني إلي رحمته من بينكم.. ولوددت أني لم أركم ولم أعرفكم.. فقد, والله ملأتم صدري غيظا, وجرعتموني الأمرين أنفاسا, وأفسدتم علي رأيي بالعصيان والخذلان.. وسارع القدر يلبي رجاءه.
يزعق الإوز في وجه الإمام عند دخوله المسجد.. يحاول الناس إسكاته فيقول الإمام: ذرهن فإنهن النوائح.. وكان اغتياله يسيرا لا يتطلب جلدا ولا قوة ولا بطولة.. فقط ضميرا ميتا وقلبا أعمي.. كان الإمام بلا حرس.. وكانت هناك فطام بالغة الجمال من الخوارج التي قتل أخاها وأباها يوم القيروان, وشرطها علي عبدالرحمن بن ملجم لنيل رضاها أن يكون المهر ثلاثة آلاف وعبد وجارية, وقتل علي بن أبي طالب... وكان السيف مسلولا سقاه بن ملجم السم أربعين يوما.. و.. قتل الإمام.. قتل أبو تراب الذي طلب في لحظاته الأخيرة شربة لبن, وأمر لقاتله بمثلها... قتل إمام المتقين الذي صدق عندما قال: يأتي علي الناس زمان لا يقرب فيه إلا الماحل الواشي, ولا يظفر فيه إلا الفاجر, ولا يضعف فيه إلا المنصف, زمان يتخذون فيه الصدقة مغرما, وصلة الرحم منا, والعبادة استطالة علي الناس ــ أي تكبرا ــ فعند ذلك يكون سلطان النساء, ومشاورة الإماء, وإمارة الصبيان..
أبا الحسن.. لقد أتي هذا الزمان.. زماننا الآن!!
-----------------------------------------------------------------------------------------
فزتَ و رب الكعبة يا أبا الحسن
تهدمت أركان الهدى، و انفصمت العروة الوثقى
عظم الله أجوركم
سماهر الضامن
20-09-2008, 12:03 AM
يعرفها أكثركم، لكنها تجلب السكينة كلما مررتم بها ..
مناجاة علي عليه السلام ...
لَكَ الْحَمْدُ يا ذَا الْجُودِ وَالَْمجْدِ وَالْعُلى
تَبارَكْتَ تُعْطي مَنْ تَشاءُ وَتَمْنَعُ
اِلـهي وَخَلاّقي وَحِرْزي وَمَوْئِلي
اِلَيْكَ لَدى الاِْعْسارِ وَالْيُسْرِ اَفْزَعُ
اِلـهي لَئِنْ جَلَّتْ وَجَمَّتْ خَطيئَتى
فَعَفْوُكَ عَنْ ذَنْبي اَجَلُّ وَاَوْسَعُ
اِلـهي تَرى حالي وَفَقْري وَفاقَتي
وَاَنْتَ مُناجاتي الخَفِيَّةَ تَسْمَعُ
اِلـهي فَلا تَقْطَعْ رَجائي وَلا تُزِغْ
فُؤادي فَلي في سَيْبِ جُودِكَ مَطْمَعٌ
اِلـهي لَئِنْ خَيَّبْتَني اَوْ طَرَدْتَني
فَمَنْ ذَا اَّلذي اَرْجُو وَمَنْ ذا اُشَفِّعُ
اِلـهي اَجِرْني مِنْ عَذابِكَ اِنَّني
اَسيرٌ ذَليلٌ خائِفٌ لَكَ اَخْضَعُ
اِلـهي فَآنِسْني بِتَلْقِينِ حُجَّتي
اِذا كانَ لي في الْقَبْرِ مَثْوَىً وَمَضْجَعٌ
اِلـهي لَئِنْ عَذَّبْتَني اَلْفَ حِجَّة
فَحَبْلُ رَجائي مِنْكَ لا يَتَقَطَّعُ
اِلـهي اَذِقْني طَعْمَ عَفْوِكَ يَوْمَ لا
بَنُونَ وَلا مالٌ هُنا لِكَ يَنْفَعُ
اِلـهي لَئِنْ لَمْ تَرْعَني كُنْتُ ضائِعاً
وَاِنْ كُنْتَ تَرْعاني فَلَسْتُ اُضَيَّعُ
اِلـهي إذا لَمْ تَعْفُ عَنْ غَيْرِ مُحْسِن
فَمَنْ لِمُسيء بِالهَوى يَتَمَتَّعُ
اِلـهي لَئِنْ فَرَّطْتُ فِي طَلَبِ التُّقى
فَها اَنَا اِثْرَ الْعَفْوِ اَقْفُو وَاَتْبَعُ
اِلـهي لَئِنْ اَخْطاْتُ جَهْلاً فَطالَما
رَجَوْتُكَ حَتّى قيلَ ما هُوَ يَجْزَعُ
اِلـهي ذُنُوبي بَذَّتِ الطَّوْدَ وَاْعتَلَتْ
وَصَفْحُكَ عَنْ ذَنْبي اَجَلُّ وَاَرْفَعُ
اِلـهي يُنَحّي ذِكْرُ طَوْلِكَ لَوْعَتي
وَذِكْرُ الْخَطايَا الْعَيْنَ مِنّي يُدَمِّعُ
اِلـهي اَقِلْني عَثْرَتي وَامْحُ حَوْبَتي
فَاِنّي مُقِرٌّ خائِفٌ مُتَضَرِّعٌ
اِلـهي اَنِلْني مِنْك رَوْحاً وَراحَةً
فَلَسْتُ سِوى اَبْوابِ فَضْلِكَ اَقْرَعُ
اِلـهي لَئِنْ اَقْصَيْتَني اَوْ اَهَنْتَني
فَما حيلَتي يا رَبِّ اَمْ كَيْفَ اَصْنَعُ
اِلـهي حَليفُ الْحُبِّ في اللَّيْلِ ساهِرٌ
يُناجي وَيَدْعُو وَالْمُغَفَّلُ يَهْجَعُ
اِلـهي وَهذَا الْخَلْقُ ما بَيْنَ نائِم
وَمُنْتَبه في لَيْلَهِ يَتَضَرَّعُ
وكُلُّهُمْ يَرجُو نَوالَكَ راجِياً
لِرَحْمَتِكَ الْعُظْمى وَفِي الْخُلْدِ يَطْمَعُ
اِلـهي يُمَنّيني رَجائِي سَلامَةً
وَقُبْحُ خَطيئاتِي عَلَيَّ يُشَنِّعُ
اِلـهي فَاِنْ تَعْفُو فَعَفْوُكَ مُنْقِذي
وَاِلاّ فَبِالذَّنْبِ الْمُدَمِّرِ اُصْرَعُ
اِلـهي بِحَقِّ الْهاشِميِّ مُحَمَّد
وَحُرْمَةِ اَطْْهار هُمُ لَكَ خُضَّعٌ
اِلـهي بِحَقِّ الْمُصْطَفى وَابْنِ عَمِّهِ
وَحُرْمَةِ اَبْرار هُمُ لَكَ خُشَّعٌ
اِلـهي فَاَنْشِرْني عَلى دينِ اَحْمَد
مُنيباً تَقِيّاً قانِتاً لَكَ اَخْضَعُ
وَلا تَحْرِمْني يا اِلـهي وَسَيِّدي
شَفاعَتَهُ الْكُبْرى فَذاكَ الْمُشَفَّعُ
وَصلِّ عَلَيْهِمْ ما دَعاكَ مُوَحِّدٌ
وَناجاكَ اَخْيارٌ بِبابِكَ رُكَّعٌ
يوسف آل ابريه
20-09-2008, 03:59 AM
عزيزي " فاضل "
كتاب " إمام المتقين علي بن أبي طالب عليه السلام " لسناء البيسي
أقل ما يقال عنه أنه رائع , فقد أجادت الكاتبة في العرض وسرد الأحداث وتسلسلها
فقط ... استوقفتني قضية " أبي الأسود الدؤلي ووضعه علم النحو "
فهذه القضية رغم شهرتها تحتاج إلى مراجعة دقيقة ووقفة تأملية ..
لا أريد أن أستعجل الأمور , فإن كان في العمر بقية فسوف نأتي على هذه القضية
المهمة فيما بعد ونناقشها مناقشة علمية مدعّمة بالأدلة , لكون بعض المحققين
المعاصرين لا يرون صحتها ..
شكراً فاضل لإدراج هذه المشاركة , وشكراً سماهر لوضع المناجاة
يوسف آل ابريه
20-09-2008, 10:19 AM
قال الشاعر العربي الكبير محمود سامي باشا البارودي :
يدُلُّ على أنْ ليسَ في الدهر رحمةٌ *** خيانةُ شمرٍ بعد غدر ابن ملجم
هما مَنْجَما شرّ , وصنوا ضلالةٍ *** وكلُّ امرئ في الدهر يُعزى لمنجم
شقيّانِ هاما في الضلال وأصبحا *** دريئةَ لعنٍ من فصيحٍ و أعْجم
لقد فوّقا سهميهما , وتطاولا *** إلى فلكٍ عالٍ محاطٍ بأنجم
لعمري لقد باءا بخزيٍ ولعنةٍ *** ومن يحتقِب خزيًا من الله يُرجم
وقال رحمه الله تعالى في قافية الهاء :
أحببتُ من والى عليّاً رغبةً *** في فضله وكرهتُ من عاداهُ
هو ذلك الحَبر الذي من أمّهُ *** نال الرّضا وأُجيب من ناداهُ
وكفى بسبطيه إماما رحمةٍ *** نالا من الرضوان ما قصداهُ
قد عزّ مَنْ والاهُ في الدنيا وفي *** يوم الحساب وذلّ من باداهُ
فاقصد لهُ واعرفهُ واستمسك به *** تلقَ الهدى وكفى المريد هُداهُ
وإذا عرتك ملمّةٌ فاهتف به *** تسمع بقلبك حيث كنت صداهُ
÷ المصدر : ديوان البارودي / دار العودة ـ بيروت
مأجورين
يوسف آل ابريه
20-09-2008, 11:03 AM
قال عميد المنبر الحسيني الشيخ " أحمد الوائلي " رحمه الله " :
وتظلّ أنت كما عهدتك نغمةً *** للآن لم يرقى لها تلحين
فرأيت أن أرويك محض روايةٍ *** للناس لا صورٌ ولا تلوين
فلأنت أروع إذ تكون مجرّداً *** ولقد يضرّ برائع تثمين
ولقد يضيق الشكل عن مضمونه ** ويضيع داخل شكله المضمون
أضع هذا الموضوع الذي وجدته في كتاب " الشهادة تأصيل لا استئصال "
في الجزء الرابع , لمؤلفه " مكي قاسم البغدادي " يقول :
ينبغي أن نستشف الدروس والعبر من كلمة قصيرة قالها الإمام علي عليه السلام
كلمة جميلة المحتوى , بعيدة المدى , سريعة التأثير , عميقة الدلالات ..
فهي تتفتق حكمة , وتتفجر بلاغة , وتصوغ نهجاً رائعًا , وترسم صورة جميلة ,
بحيث لا تحصيها الكلمات , ولا تستوعبها العبارات , ولا تحصيها الكتابات ,
إنها كلمة مضغوضة المعنى , مكبوسة المغزى , سهلة الفهم , إنها كلما تأملت
فيها بدقة , وتدبرت وتفكّرت فيها بعلم , كشفت لك عن بعض أسرارها , فهي
حاجة كل إنسان مسلم , في كل زمان ومكان , لأنها دائمًا تأتي بجديد ,جميل , باهر ..
لذلك اعتبرت ـ بحد ذاتها ـ مدرسة إسلامية في الفداء والإباء , مدرسة لتربية اجيال
إسلامية , واعية لعقيدتها , عارفة بزمانها , حريصة على مستقبلها الأخروي ,
كما هي حريصة على مستقبلها الدنيوي , متمسكة بمبدئها , مجاهدة بعلم , ومستعدة
للتضحية والاستشهاد في سبيل الله عز وجل
هذه الكلمة القصيرة ـ الرمز , الشعار ـ قالها الإمام علي ( ع ) في مكان مقدّس
يذكر فيه اسم الله كثيراً , وفي زمان مقدّس , حانت فيه فريضة صلاة الصباح ,
وفي الصباح رباح , وفي شهر رمضان المبارك , وفي ليلة القدر , وهي خير
من ألف شهر , وفي محراب الصلاة , وقربان الطاعة , وفي أثناء السجود ,
وفي عمق الصلة , وخالص العبادة , وتمام الخضوع , وكمال الخشوع لله جلّ جلاله
وفي هذه الأثناء حصل موقف رهيب , وكلام عجيب , والرأس الشريف الساجد لله
على الأرض , تسيل منه الدماء الزكية , دماء الشهادة الأبية في سبيل الله سبحانه !!
فما هو هذا الكلام العجيب , في المكان الشريف , وفي الموقف الرهيب ؟
إنّها كلمة ((( فزت وربّ الكعبة )))
للحديث تتمة
يوسف آل ابريه
20-09-2008, 11:49 AM
(( فزت وربّ الكعبة ))
كلمة عجيبة المظهر , عميقة الجوهر , فيها موقف الدهشة , والعبرة , واليقين ,
والإطمئنان , والصلابة , والتضحية , والوضوح للمستقبل الأخروي وبأجلى معاني
الوضوح , والاستعداد التام إلى لقاء الله عز وجل ..
إنها كلمة قالها الإمام ( ع ) في بداية نهاية دوره في الحياة , واختتام حصيلة عمره
في الوجود ..
إنها كلمة الواثق من ماضيه وحاضره ومستقبله , إنها كلمة الواثق من ربه ,
الواثق من عمله , الواثق من فوزه في الختام ..
إنها كلمة الإخلاص , و " وفي الإخلاص يكون الخلاص " من هموم الدنيا وأحزانها
ومسؤولياتها بإجازة ربّانية مشرّفة , ينهي بها فترة التكليف , ويطوي بها صفحات
حياته المتكاملة المشرقة الرائعة ..
إنها كلمة طاهرة , تكشف عن محتوى طاهر , وكل ينفق مما عنده ..
إنها كلمة المهموم , المألوم من أهل زمانه , فيستبشر بمفارقتهم , حينما كان
ذائبًا في خدمتهم , ومضحياً من أجلهم , وذاهباً بهم إلى شاطئ الأمان , وساحل
النجاة , حيث منهج القرآن الكريم , وسيرة رسول الله ( ص ) ..
فكان يقول ( ع ) : إنّ هاهنا لعلماً جمّاً ـ ويشير إلى صدره الشريف ـ ولكن
لم أجد له حَمَلَة ! حتى كاد الناس أن ينقلبوا رأساً على عقب على سيرة الرسول (ص )
الربانية المتكاملة , ويشير القرآن الكريم إلى ذلك الانقلاب الخطير , يقول تعالى :
" وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل , أفإن مات أو قتل انقلبتم على
أعقابكم , ومن ينقلب على عقبيه فلن يضرّ الله شيئاً , وسيجزي الله الشاكرين "
*********************
إنها كلمة بليغة , يطفح منها العجب كل العجب !!
أليس من العجب أن تسيل الدماء الزكية , من الإمام الشهيد خير البرية بعد
المصطفى ( ص ) , وأبو الأئمة الهداة الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا
وفي بيت من بيوت الله المقدّسة , التي " أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه "
وأي شهيد هذا الذي سالت دماؤه الزكية على أرض المسجد وهو ساجد ؟
إنه خليفة رسول الله ( ص ) الذي هو بمنزلة هارون من موسى ! إلا أنه لا نبي بعده
أليس الذي يقوم بهذه الجناية الكبرى , التي لا تغتفر , والذي يمنع بها ذكر الله تعالى
في كل يوم , هو أظلم الناس , وأشقى الناس ؟ !
قال تعالى : " ومن أظلم ممن ذكّر بآيات ربه , ثم أعرض عنها "
قال تعالى : " ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه , وسعى في خرابها "
أليس من العجب أن ترتكب جريمة القتل الجبانة بطريقة انهزامية متخفّية ,ولإنسان
شجاع مقدام , الذي لا ترهبه الأهوال , ولا تخيفه الشجعان , والذي هو أمّة بحد ذاته
أليس هو الذي لا يخشى الموت , سواء وقع عليه أو هو وقع على الموت !
لأنه هو الذي يقول : " والله , لابن أبي طالب آنس بالموت من الطفل بثدي أمّه "
إنها جريمة كبرى لم تحصل بقتل شخص مكوّن من جسم وروح فحسب , وإنما كانت
هذه الجريمة تبتغي أيضاً أن تقتل الحقّ المعبّأ به هذا الشخص , وتقتل الرسالة
الربّانية , وتقطع الخلافة النبوية التي تبنّاها من بعد الرسول ( ص )
إنها جريمة تمّت على شكل اغتيال , بكل حقد ولؤم وطمع ووقاحة وإنكار للجميل !!
أما الإمام ( ع ) فهو يعلم أنه سيغتال في هذه الليلة وعلى يد أتفه الناس , وأشقى
الناس , والذي كان ( ع ) يرعاه , ولا سيما في وقت تخلّى عنه الناس !
قال ابن كثير في الكامل : إنّ علياً كان يقول : ما يمنع أشقاكم أن يخضب هذه
من هذه ! , ويعني لحيته من دم رأسه !
أليس من العجب أن ينبعث أشقاها ـ في دولة إسلامية ـ ليقتل أتقاها وقائدها ومسددها
وولي أمرها ؟ !
قال أبو الفرج : فضربه ابن ملجم فأثبت الضربة في وسط رأسه , فقال علي ( ع ) :
" فزت وربّ الكعبة "
أليس من العجب كلمة الفوز التي أعلنها الإمام ( ع ) في مثل هذا الموقف الاستشهادي
الأبي الحاسم والخطير ؟ !
أليس من العجب كلمة جبرائيل حين ينادي بين السماء والأرض في التاسع عشر
من شهر رمضان المبارك : انهدمت والله أركان الهدى , انفصمت والله العروة الوثقى ,
قُتل الإمام علي بن أبي طالب , أتقى الأتقياء , قتله أشقى الأشقياء " !
للحديث تتمة
يوسف آل ابريه
20-09-2008, 12:29 PM
نعم إنّ " فزت وربّ الكعبة " كلمة الواثق من نفسه وعمله , المطمئن برحمة ربه ,
المشغول بنعيم الدار الآخرة عن آلام الدار الدنيا ..
إنها كلمة رسالية تضحوية عميقة , كانت وأصبحت ولا تزال درساً حركياً فاعلاً ,
وشعاراً جهادياً سارياً , ورمزاً استشهادياً موضوعياً قائماً عبر الأجيال القادمة ..
إنها كلمة كلما نتقدّم برغبة لنتعرف على محتواها , وعمق معناها , وأبعاد بلاغتها
وحكمتها , يتوضّح لنا أننا لا نزال نجهل عمق مفاهيمها إلا بعض أوّليات معناها ,
وأننا لا نزال على سطح أسرار الشهادة , والبحث عن خصائص الشهداء !
إنها كلمة تدل على أنه بالإمكان الفوز " بالموت الواعي " عبر بوابات الفداء
ومحاريب الشهادة المقدّسة ! , بل ويكون الموت الإرادي الواعي حياة متعالية متسامية
نامية , حياة عند الله تعالى في جنانه العالية , وحياة عند خيار الناس في مستقر
قلوبهم ! , وقد يكون هذا النوع من الموت التكاملي ـ في ضروف موضوعية ـ
فرصة ذهبية قد تذهب ولا تعود , وحيث لا ينفع الندم , بل هي أيضاً " أمنية "
بل أحلى الأماني للإنسان الرسالي الواعي الذي أدّى حقّ الله , وأعطى حقّ الناس ,
ولم يبق عليه تبعات !
إنه " موت " شريف , تصدر منه الحياة , وقد يكون هو ينبوع الحياة , بل إنه
موت يكتسب تأثير وعطاء وفاعلية الإنسان المؤمن الواعي القادر " الحي " !
وربّ حياة سببها الموت ! , وموت سببه طلب الحياة !
ظاهر الأمر : إنّ كلمة " فزت وربّ الكعبة " لا تدل على مكان وزمان متقاربين ,
لأنّ الصلاة في المسجد الحرام لا يمكن أن يسيل فيه الدم الحرام , في اليوم الحرام ,
ليلة القدر , والحصول على جائزة الكرام !
ظاهراً إنّ الفوز لا يكون بسفك الدم الحرام , والدم الحرام لا يهراق في المسجد
الحرام , والمسجد الحرام لا يمكن أن تنتهك حرماته بارتكاب أبشع الجرائم فيه !
نعم , لا عجب من ذلك , إذا ساد الباطل , وانتشر الجهل المركّب بين الناس ,
والتبست على الأمة عقيدتها , وضاق عليها أمر الحقّ " والذي ضاق عليه الحقّ
فالجور عليه أضيق "
قال تعالى : " فماذا بعد الحقّ إلا الضلال , فأنّى تصرفون "
وقال الإمام علي ( ع ) : إنّ من لا ينفعه الحقّ يضرّه الباطل , ومن لا يستقيم به
الهدى تضرّه الضلالة , ومن لا ينفعه اليقين يضرّه الشك ..
****************
((( فزت وربّ الكعبة )))
إنها كلمة لا تدل على مثقال ذرّة من تخاذل , وتخوّف , وتأسّف , وخسارة , وندم ..
إنها كلمة تكشف عن قانون حركي أو سنّة تاريخية ثابتة , وتكشف عن قوّة في دين
وعزم في يقين , وحسن التسليم لأمر الله , ليجعلها الإمام ( ع ) لنا تذكرة ,
وتعيها أذن واعية ..
إنها كلمة من معطيات العظماء والعلماء الذين غيّروا حركة التاريخ , وأثّروا في
مسيرة الإنسانية , وهم في أشد الحالات , وأعسر المواقف ..
إنها مسألة الاستعداد للموت , وللحياة بعد الموت ..
إنها فلسفة الرحيل الواعي المستبشر بلقاء الله عزّ وجلّ ..
إنها فلسفة النفي والإثبات في الحياة الاعتقادية : نفي " الموت " عن الشهداء
الأبرار , وإثبات " الحياة " الأبدية الكريمة لهم ..
إنها فلسفة " الاستشهاد " في سبيل الله سبحانه وتعالى ..
والاستشهاد : ليس صياغة فنية من كل معدن , وإنما هو امتياز وانتقاء واصطفاء
لمعدن خاص , يختاره بارئه ـ بحكمته وقدرته ـ عند حلول الأجل من بين العالمين ..
قال تعالى : " وليعلم الله الذين آمنوا , ويتخذ منكم شهداء "
وقال الإمام الصادق ( ع ) : " الناس معادن كمعادن الذهب والفضة "
تحياتي
سلطان اليباب
20-09-2008, 03:13 PM
جميل اعتدالها في سرد التاريخ مع أنه في هذا المقطع المنقول توجد بعض المغالطات البسيطة لكنه لا يضر بالسياق العام في كون الأمر يتضح للبعض و يخفى على بعض آخر حتى لو كان كالشمس في رابعة النهار!
بورك هذا المجهود عزيزي أبو أحمد ... و عظم الله أجرك في إمامك
يوسف آل ابريه
20-09-2008, 09:19 PM
(( حميد السماوي ))
هو ذلك الشاعر الكبير , والأديب الفذ ..
ولد رحمه الله تعالى في عام ( 1315 ) للهجرة
ولعل من أشهر قصائده معارضته لطلاسم الشاعر اللبناني " إيليا أبو ماضي "
ولعلي لا أبالغ إذا قلت إنها من أجمل وأفضل المعارضات للطلاسم على الاطلاق ..
لا يهمني في هذه المشاركة وضع معارضته للطلاسم فإنّ لها وقتاً آخر يناسبها ,
وإنما الذي يهمني هو قصيدته الرائعة والمعنونة باسم ( حديث الدهر )
والتي وجدتها في الجزء " الثالث " من كتاب " شعراء الغري أو النجفيات "
لمؤلفه " الأستاذ علي الخاقاني " والكتاب موسوعة شعرية تتكوّن من
اثني عشر جزءً ا ..
والقصيدة طويلة تخيّرت منها هذه الأبيات لمناسبتها للذكرى العلوية , فيقول :
فهذا عليٌّ فوق كرسيّ مجده *** يرتّل صوت الحمد سبعًا مثانيا
تغشّاه من عرش المهيمن هيكل *** أعاد لنا السبع الطباق ثمانيا
وهذا عليٌّ والأهازيج باسمه *** تشقّ الفضا النائي فهاتوا معاويا
أعيدوا ابن هندٍ إن وجدتم رفاته *** رفاتاً وإلا فانشروها مخازيا
فهذي بواديه تضجّ وهذه *** حواضره بالظلم عادت بواديا
ليعلم من أرسى على العدل عرشه *** فأصبح محبوك الجوانب راسيا
أبا حسنٍ إن ربّعوا فيك دستهم *** فيوشك أن يمسي كما شئت خاويا
إذا الملأ الأعلى تحدّر بالثنا *** عليك فما شأني , وشأن ثنائيا
فأنت حديث الدهر ما زلت طافحاً *** على فمه تروي وما زال راويا
وأنت حديث الدهر مهما تناسلت *** لياليه أياماً , وآبت لياليا
أقمت له صرحاً من المجد شامخاً *** وألبسته برداً من الحمد ضافيا
لذا ضلّ عنك العقل لم يلقَ مرشداً ** وإن حار فيك الفكر لم يلف هاديا
وهل متناهي اللفظ يدفعه الثنا ** ليحمل معنى منك لا متناهيا
ولكنها الألفاظ مهما تناسقت *** إذا لم توفِ المدح عادت أهاجيا
لئن أطنبت فيك الرواة وأوجزت *** فما أنت إلا أنت كالشمس ضاحيا
وما مدحتي توليك مجداً وإنما *** أردّ باطرائي عليك الطواريا
ستبقى مدى الأيام لغزاً مؤبّداً *** وإن حللت ألغازها والأحاجيا
مأجورين
يوسف آل ابريه
21-09-2008, 03:07 AM
قال الشاعر عبد المهدي مطر رحمه الله :
أرصفْ بباب عليّ أيها الذهب *** واخطف بأبصار من سُرّوا ومن غضبوا
وقل لمن كان قد أقصاك عن يده *** عفواً إذا جئتُ منك اليوم أقترب
لعـــــلّ بــــــــادرة تبدو لحيــدرة *** ان ترتضـــــيك لها الأبواب والعتب
فــقــد عهدناه والصفراء منكرة *** لعيـــــنـــه وســنــاهـا عنــده اللـــهب
ما قيمة الذهب الوهّاج عند يدٍ *** على الســواء لديها التبر والترب
ما سرّه أن يرى الدنيا له ذهباً *** وفي البلاد قلــــوب شفّها السغب
ولا تضجّر أكــبـــاد مفتّــتــــة *** حتى يذوب عليها قلــبـــه الحدب
أو يسقط الدمع من عينيْ مولّهة *** أجابها الدمع من عينيه ينسكب
تهفو حشــاه لأنّــات اليتـيم بلا *** أمّ تــناغي , ولا يحنو عــليه أب
هذي هي السيرة المثلى تموج بها *** روحُ الوصــيّ وهذا نهجه اللحب
فاحذر دخول ضريح أن تطوف به *** إلا بإذن علـــيٍ أيـــهـــا الذهــب
بابٌ بـــه ريشة الفنّان قد لعـبت *** فأودعــتــه جــمــالاً كلّــه عجب
تكــاد لا تدرك الأبصــار دقّــتــه *** مما تــمــاوجُ في شرطانه اللهب
كــأنهــا لجّـــةُ الأنــوار موجـته *** خلالها صورُ الرائــيــن تضطرب
سبائك صبّــها الإبداع فارتـسمت *** روائع الفنّ منها الحسن منسكب
يدنو الخيــال لها يــومــاً لينعتها *** وصفاً فيرجــع منكوساً وينقلب
أدلت بها يد فنّـــان منمّقــــة *** تعنو لروعتها الأجيال والحقــب
ملؤ الجوانح ملؤ العين رهبتها *** ومربض الليث غابٌ ملؤه رهب
أكتفي بهذا لكون القصيدة طويلة
مأجورين
سلطان اليباب
21-09-2008, 08:24 PM
يا سابغ َ الفضل ِ حتى أقاصي الحياة ِ تمهَّل وقلْ ليَ كيف َ السبيل ُ؟
ويا ناسج َ الحُبِّ طيفا ً شفيفا ً يؤثث ُ فوضى السوادِ، وَ حالك َ أفئدة ٍ قد ْ غزاها الضلال ُ المخيف ُ الثقيل ُ
أناديك َ يا مُوغلا ً في المعارف ِ، حدَّ اليقين ِ، بقلب ٍ تفسَّخَ من ألم ٍ - ناشبا ً فيه ِ- مقدار َ عُمْر ٍ ودمع ٍ ترقرق َ وانتحبت ْ من أساه ُ الفصول ُ
فيا مولعا ً بالصلاة ِ، ستبكيك َ - لا شكَّ - كلُّ اليتامي، وكلُّ الأيامى، وكلُّ محبٍّ... ويبكيك َ - لا شكَّ - حتى البكاء ُ وحتى العويل ُ
لَعَمْرِي، فما الكون ُ بعدك َ إلا كـ نفثة ِ صدر ٍ حزين ٍ تخمَّرَ فيه ِ الحِدَادُ الطويل ُ
تشَكَّلَ بين ََ خلايا فؤاديَ نبضٌ جَموح ٌ جزوع ٌ
تشَكَّلَ بين َ الخلايا صهيل ُ
و يا خاضبا ً بدمائك َ لون َ المساء ِ بجرح ٍ... تسرَّبَ منهُ النجيعُ النبيلُ
فتَرْوى قلوب ٌ حوتها الصدور ُ
و تَرْوى ورود ٌ حوتها الحقول ُ
تعاليت َ في ألق ِ الخالدين َ عليا ً حباه ُ الإله ُ العظيم ُ الجليل ُ
كما كنت َ لي سندا ً في الحياة ِ، وكنت َ الوقودَ لجذوة ِ عشقي، إلهى اجتباك َ إماماً... حبيبا ً لقلبي، ترفرف ُ روحي هناك َ بقدسك َ ناحبة ً يعتريها الذبول ُ
فلو ذاب قلبي عليك َ اشتياقا ً فإني أنا في هواك َ قتيل ُ
سأحزنُ
لا ليسَ يكفي ، سأجزعُ منتحباً و أقولُ :
أيا آلقَ الضوءِ كيفَ استحالَ التماعُ الحقائقِ فيكَ نجيعاً
يمازجُ حرفي بحزنٍ ، يسيلُ
فيندلقُ الكونُ ، يهمي دموعاً ، و تنسجُ ثوبَ العزاءِ البتولُ
يجلجلُ بالقلبِ أسمى النئيجُ ، و تصرعهُ ضربةٌ لا تزولُ
كأنَّ احتضاركَ يوقدُ صدري ، اشتعالا ، بزندِ الأسى ... يا لهذا الأسى كيفَ يخفى احتراقي و أنتَ الفتيلُ
أيا آلقَ الضوءِ
حتماً سأبكي ،
و يملءُ قلبي الحزينَ عويلُ
و لا زلتُ أبكي ...
و منعرج الروحِ نحوكَ صمتي / أنيني
و عيناي منها الدموعُ نزولُ
سـ أبكيكَ ما دامَ قلبي يرفرفُ بالحبِّ ، ما دامَ ماءُ العيونِ هطولُ
عليكَ سـ أبكي و أعلمُ أن البكاءَ طويلُ
و أعلمُ أيضاً يقيناً بأنَّ انتهاءَ انتحابي عليكَ ~ و إن طال عمري ~ هو المستحيلُ !
و ها الكونُ متشحٌ بالسوادِ
و كلُّ المداراتِ صارتْ منابرَ ، ملتحفاتٍ نشيجاً ، و هاماتها الشاهقاتُ إنكساراتِ حزنٍ
تكادُ الكواكبِ تندكُ ما بينَ خسفِ الردى و النياحةِ يومَ ذكراكَ
ناثرةً بؤسها كِسَفاً و الفضاءُ عليلُ
و ها أنا ذا حائرٌ لا أزالُ
و قلبي تمزقَ
و الأفق في عالمي مدلهمُ السوادِ
و قرحي جزيلُ
فيا سيدي خذ بيدي و انتشلني بنوركَ
فاسمكُ " حيدرُ " لم يزلْ في العلا
رايةً لا تزولُ
يوسف آل ابريه
21-09-2008, 09:36 PM
رائعة يا فاضل هذه البكائية النابعة من صميم القلب , ومثاب بكل حرف من حروفها
الصادقة ...
مأجورين
يوسف آل ابريه
21-09-2008, 09:48 PM
قال الشاعر العربي الكبير " ابن الرومي " رحمه الله :
يا هند لم أعشق ومثلي لا يرى *** عشق النساء ديانة وتحرّجا
لــكــن حــبّــي للوصيّ مخيّـــــمٌ *** في الصدر يسرج في الفواد تولّجا
فهو السراج المستنير ومن به *** سبب النجاة من العذاب لمن نجا
وإذا تركت له المحبّة لم أجد *** يوم القيامة من ذنوبي مخرجا
قل لي أأترك مستقيم طريقه *** جهلًا وأتّبع الطريـــق الأعوجا
وأراه كالتبر المصفّى جوهرأ *** وأرى سواه لناقديه مبهـــرجا
ومحلّه من كل فضل بيّــــنٌ *** عالٍ محل الشمس أو بدر الدجى
قال النبيّ له مقالاً لم يكن *** يوم الغدير لسامعيه ممجمجا
من كنت مولاه فذا مولى له *** مثلي وأصبح بالفخار متوّجا
مأجورين
ذكر ابن أبي الحديد أن صعصعة بن صوحان العبدي رثا أمير المؤمنين علياً بهذه الأبيات:
ألا، من لي بأنسك يا أخيـــــــا ومــن لي أن أبثك ما لديـــا؟
طوتك خطوب دهر قد تولــــى لذاك خطوبه نشراً وطيـــــا
فلو نشرت قواك لي المنايـــــا شكــوت إليك ما صنعت إليا
بكيتك يا علي بدرّ عينـــــــــي فلم يغن البكاء عليك شيـــــا
كفى حزناً بدفنك ثم إنــــــــــي نفضـت تراب قبرك من يديا
وكانت في حياتك لي عظـــــاة وأنت اليوم أوعظ منك حيــا
فيا أسفي عليك وطول شوقي ألا لو أن ذلك رد شيــــــــــا
ثم بكى بكاءً شديداً وأبكى كل من كان معه.
من كتاب الإمام علي عليه السلام من المهد إلى اللحد للخطيب السيد محمد كاظم القزويني
يوسف آل ابريه
22-09-2008, 04:24 AM
قال الدكتور أحمد الوائلي رحمه الله :
أأبا الحسين وتلك أروع كنية *** وكلاكما في الرائعات قمين
لك في خيال الدهر أيّ رؤىً لها *** يروي السنا ويترجم النسرين
آلاؤك البيضاء طوّقت الدُّنا *** فلها على ذمم الزمان ديون
ستظلّ تحسبك الكواكب كوكباً *** ويهزّ سمع الدهر منك رنين
وتعيش من بعد الخلود دلالة *** في أنّ ما تهوى السماء يكون
مأجورين
يوسف آل ابريه
22-09-2008, 09:05 PM
هذه قصيدة طويلة للشيخ " أحمد الوائلي " رحمه الله , وهي غير مثبتة
في ديوانه المطبوع , وإنما وجدتها في أحد المصادر القديمة ..
يقول رحمه الله راثياً الإمام علي عليه السلام وعنونها باسم ( مع النفس ) :
أفيضي فبرد الليل مدّ حواشيه *** وعبّي فؤادي الكرم راقت حواشيه
أيكفيك أن تقضي الحياة سجينة *** لدى قفص ضاقت عليك مجاليه
وأنت التي صدر الفضا وإن نأى *** يغصّ بجزء منك رحب مغانيه
وأنت التي إن ألهبتك عزيمة *** فأقصى الفضا جيش لديك ودانيه
وأنت التي إن صوّحت فيك رغبة *** فما الأرض إلا صحصح جفّ جاريه
وأنت التي إن ساورتك هضيمة *** فما الدهر إلا الليث يشحذ ماضيه
ثم ختمها بقوله :
أبا حسن والليل مرخ سدوله *** وأنت لوجه الله عان تناجيه
براك الضنا من خوف باريك في غد *** وقد أمن المغرور من خوف باريه
على شفتيك الذكر يطفح سلسلاً *** فتنهل علاً من سمو معانيه
غالتك كفّ الرجس فانفجع الهدى *** وهدّت من الدين الحنيف رواسيه
أبا حسن من روحك الطهر هب لنا *** شعاعاً فركب الشعب ضلّ بهاديه
حنانيك حرّر في هداك نفوسنا *** فأنت أبو الأحرار حين نناديه
مأجورين
أثير المحبة
09-09-2009, 02:49 AM
آجركم الله جميعا بهذا المصاب الجلل
هذا المجهود بالعام الماضي ولابأس من تجديده
بوركت يمناكم جميعا ً
نسألكم الدعاء
موفقين
عظم الله لنا ولكم الأجر
ونسألكم الدعاء
أثير المحبة بوركت ِ لرفع مثل هذا الموضوع
Renad
09-09-2009, 04:46 AM
عظم الله أجوركم و تقبل أعمالكم ..
عبدالله آل دعبل
09-09-2009, 06:55 AM
عظّمَ اللهُ أُجورنا وأُجوركُمْ
برزيّةِ الدّهر....
( أَفِي شَهْرِ الصّيامِ فجَعْتُمونا)
ساعدَ اللهُ قلوبَ العترةِ الطاهِرةْ
وساعدَ اللهُ قلبَ الحوراء عليها السلام....
vBulletin® v3.8.4, Copyright ©2000-2012, TranZ by Almuhajir