أزهار بريه
07-07-2008, 02:56 AM
كنتُ كتبتُها فيه هذه الجملة حتى أعرفَ أينَ أضع خطوتي الأولى
شيءٌ من الجنون أن أشعر بالرهبة ..والمقامُ عملاق وخطوتي مهما حاولتُ قزم ..قزم .
،
أعودُ مجدداً أخضعَ لتجربة مادة الرسالة القصيرة في سنتي الأخيرة بالجامعة .. أعودُ تدثرني حيرتي و16 مصدر يأتون بقضية أبي نؤاس .. ومستوى ثقيل أختبره وحدي
كأنّني أسرفتُ لا ..بل أضعتُ التجربة حتى لا تسعفني خبرتي أو بعضاً منها اللحظة..
..
أتساءلُ الآن ما أفعل .. وأستحضرُ كلّ الكلمات المخبوءة في ذاكرتي ، أُعدّها لحالة استنفار
وبارتجاليةٍ مكررة أقذفُ إلى النافذة ( أناة الطفلة المشاغبة ) و أتركها تواجه بعفويتها هذا الموسم الجميل من الكلمات ..
هذه الفاكهة المثمرة التي تُغذّي الروح والعقل والقلب ..
هو يقرأ الأبجدية دفعة واحدة وأنا أُطيلُ النظر في حرفٍ واحد
يقرأ .. صلصالاً .. فـ يُشكّل أبعاده الثلاثية و أُبصرُ في حضرة فنّه أحد الوجوه
يقرأ منشغلاً ..فجأة تراه يحملُ سيفه ، درعه .. يدخلُ واثقاً إلى أرض الكتاب .. يتصارع مع تأريخ وقد يتصافح ، يتعارك مع أبطال وقد يمنحهم توقيعه احتفاءاً به،
قد يعود منه جريحاً أو مبتسماً منتصراً .. لا شك أنّه يعودُ جميلاً كلّ مرة من أرضِ كتاب
يحملُ همّ الجيل ..ويقرأ ليُغيّر ..
يقول :
إنّ القراءة تفتح منافذ العقل وترشد إلى جميل السلوك ، والأمة التي لا تقرأ لا تعرف كيف تتلمّس حلولاً لمشاكلها, أو خلاصًا لأزماتها, أو معرفة بعلومها وآدابها, وإنّ أكثر البلاد تخلّفًا وتأخّرًا هي تلك التي خَـبَا فيها بريق الحرف ونمت فيها عتمة الجهل.
إن الذين يقرؤون فقط هم الأحرار , وذلك لأن القراءة تطرد الجهل والخرافة, وهما من ألدِّ أعداء الحرية.
ها أنا أقرؤكَ مفرداً يتحدثُ من خلالكَ الجميع .. الكاتبُ والقاريء والناقد ..................... ولا أُخطئ أو أسقطها ( روح القائد )
هذه المرة قرر أن يعيش متأملاً أسطورة الأدب الرفيع .. و لم يكنْ مجرد عابراً فيها
يقول :
الدكتور علي الوردي ليس شاعرًا ولا فنانًا ولا قائدًا سياسيًا ، ولكنه ملأ الدنيا وشغل الناس بأوسع مما فعله شاعر أو فنان أو ذو فكر سياسي..
ولذا فقد ارتأيت أن يكون كتابه المشهور: (أسطورة الأدب الرفيع) هو خير مفتاح للدخول إلى موضوعنا, وذلك لأهميته من جهة ، ولخطورته من جهة أخرى.
وسوف أضع قضية واحدة في هذه المداخلة قد أثارها الدكتور الوردي في كتابه, وهي في رأيي قضية مهمة, مع العلم أنّ الكتاب بكامله ذو قيمة علمية وأدبية كبرى..
لقد استعرض الدكتور الوردي في كتابه عدّة قضايا مهمة في الأدب والشعر العربي ، ولكنني سأركّز في هذه المداخلة على قضية واحدة .. ولعلّ بقية القضايا التي أثارها تأتي تباعًا في المداخلات القادمة سواء منّي أو من الأخوة الكرام أو الأخوات الفاضلات.
القضية هي في (المقالة الرابعة) وهي بعنوان (الشعر والشذوذ الجنسي) يقول الدكتور الوردي رحمه الله (من الصفات التي تـميّز بها الشعر العربي القديم التغزل بالمذكر وفي رأيي أنّ من أهم الأسباب في ذلك إن لم يكن أهمها هو (شيوع الشذوذ الجنسي) في المجتمع العربي في عصوره المتأخرة)
ثم يذكر الدكتور الوردي رأي الدكتور محي الدين بأنّ الشذوذ الجنسي لا دخل له في الأمر ، وأنّ غلبة ضمير المذكر في الشعر العربي يعود إلى سببين هما:
1. النـزعة العرفانية الصوفية والتي تقتضي تذكير المؤنث.
2. تحاشي ضمير المؤنث لكي لا يتهم الشاعر بذكر امرأة بعينها.
ثم يعلّق الدكتور الوردي على كلام الدكتور محي الدين بأنّ رأيه هذا قد يصحّ في حدود معينة, فلو أنّه أضاف الشذوذ الجنسي سببًا ثالثًا إلى السببين اللذين ذكرهما لكان مصيبًا إلى حدٍّ كبير.
ثم راح الدكتور الوردي يستطرد في قضية الشذوذ الجنسي في الشعر العربي وكان مما قاله: (إنّ انتشار الشذوذ الجنسي بين الناس هو الذي حذا بالشعراء وإن لم يكونوا مصابين بهذا النوع إلى النظم فيه لشيوعه ورواجه آنذاك, ولأنهم وجدوه ألطف من ضمير المؤنث في ذوق كثير من الناس).
ثم ذكر صاحبنا أبا نؤاس وشذوذه في الغزل بالمذكر وتهافت الشعراء في تقليده ، ثم ذكر إنّ من أسباب ظهور التغزل بالمذكر في العصر العباسي والعصور التي تليه مع انعدامه في العصور السابقة هو قضية (الحجاب) التي جعلت المرأة العربية جليسة البيت ، تحيا وتموت فيه.
فهو يريد أن يقول: إنّ حبس المرأة وتحجّبها هو أحد الأسباب الرئيسة في شيوع ظاهرة (الغزل بالغلمان) ، فالشاعر العربي لم يجد بديلاً وتعويضًا لحجب المرأة وإبعادها إلا بمغازلة الغلمان والتشبيب فيهم ، فكلما ازداد الحجاب في رأيه ازداد الشذوذ الجنسي.
ثم ذكر التصوف والغزل بالمذكر مستعرضا قول الدكتور محي الدين: (بأنّ المتصوفة يتغزلون بالله واسم الله مذكر لا مؤنث ومعنى ذلك أنهم يحبون الله ولا يحبون الغلمان).
ثم قال بعد ذكر مقولة الدكتور محي الدين بأنّ هذا الرأي لا يخلو من وجاهة ، ولكنه مع ذلك لا يكفي لتفسيره جميعًا، فالمتصوفة بشر وهم مهما حاولوا أن يفنوا في ذات الله فأنهم لا يقدرون على التخلّص نهائيًا من طبيعتهم البشرية.
ثم ذكر كلام ابن الجوزي حول المتصوفة وأنهم في صحبة الأحداث أي (الغلمان) على سبعة أقسام (لا داعي لذكرها لضيق المقام)، ثم ختم مقالته بقوله: مهما يكن الحال فإنّنا لا نستطيع أن نحكم على جميع المتصوفة بأنهم كانوا يحبون الغلمان أو كانوا يلوطون بهم ، وربما كان حبّ الغلمان عند بعضهم عذريًا لا سوء فيه ، حيث نشأ فيهم من جرّاء عزوفهم عن النساء وزهدهم بهن.
وإذا صح هذا جاز أن نقول: بأنّ شيوع الغزل بالمذكر في شعر المتصوفة لم يكن كله ناتـجًا عن نـزعتهم العرفانية فربما كان شذوذهم العذري من أسباب ذلك .. والله اعلم، هذا ما قاله الدكتور الوردي في مقالته.
التعليق: دائمًا ما يذكر الدكتور الوردي وبتواضع منقطع النظير أنّه باحث قد يخطئ وقد يصيب ، فهو إذا ما ارتأى رأيًا سليمًا أخذ به ، فهو كما أقرأه بأسلوبه (السهل الممتنع) يتحرّك من واقع معرفة وإدراك ، مبتعدًا عن كل أسلوب رخيص وهابط ، فيقول بكل تواضع في مقدمة كتابه (أسطورة الأدب الرفيع): (سوف أطرح آرائي إلى جانب آرائه - يقصد الدكتور محي الدين - ثم أتركها للزمان ليحكم لها أو عليها ، والزمان غربال جبّار يبقى فيه ما ينفع الناس ويختفي منه الزبد والحثالة).
إنّ الدكتور الوردي في كتابه (أسطورة الأدب الرفيع) بل وفي كلّ كتبه يفتح لنا نوافذَ مستعصية ويترك لنا المجال للمشاهدة والنظر لعلنا نستطيع أن نفتح كما فتح ..
إن الدكتور الوردي يرجع ظاهرة الغزل بالمذكر عند الشعراء العرب إلى شيوع الشذوذ الجنسي في المجتمع العربي في عهوده المتأخرة ، رابطًا هذا الشذوذ الجنسي بقضية الحجاب ، فكلما ازداد الحجاب ازداد الشذوذ الجنسي..
إنّ هذا الرأي الذي أورده غير دقيق..
فإذا كان الحجاب هو أحد الأسباب الرئيسة لهذا الشذوذ كما يراه في العصر العباسي, فلماذا لم يظهر هذا الشذوذ في العصور السابقة للعصر العباسي وذلك لتحجّب المرأة, لاسيما في العصر الأموي ، لكون الظروف مهيأة لهكذا أمر وقتها..
إنّ قضية الحجاب التي ألمح إليها بقوله: (كلما ازداد الحجاب ازداد الشذوذ) من الناحية الاجتماعية تعدّ صحيحة نوعا ما..
ولكن نسأله:
في أي عصر ازداد الحجاب ومتى قلّ أو انعدم؟
في الحقيقة إنّ الحجاب ازداد في العصور السابقة للعصر العباسي وقلّ في العصر العباسي وما بعده..
فحسب رأيه السابق نسأل:
لماذا لم يظهر الشذوذ الجنسي في العصور السابقة للعصر العباسي لكون قضية الحجاب لا تزال قائمة والمرأة محجوبة في بيتها؟!
ولماذا ظهر الشذوذ الجنسي في العصر العباسي وما بعده والمرأة قد أتيح لها أن تخرج من بيتها ومجالس الخلفاء مليئة بالجواري؟
إذ لا داعي للتغزل بالغلمان لكون النساء وقتها متبرجات وسافرات وفي متناول الأيدي والأنظار..
إذن القضية معكوسة.. فالحجاب ليس هو السبب الرئيس في الشذوذ الجنسي وإن كان له مدخل, فهو مدخل ثانوي.
ثم نسأله أيضًا: إذا كان ازدياد الحجاب سببًا في انتشار الشذوذ الجنسي , فلماذا نجد الشذوذ الجنسي في البلدان الغربية منتشرًَا مع أنّ الاختلاط فيها على أشده ؟!
من خلال تتبعي في الأدب العربي وتاريخ العصور أستطيع القول:
إنّ من أسباب ظهور الغزل بالمذكر في العصر العباسي ليس هو الشذوذ الجنسي عند العرب, وإنما هو ظاهرة غير عربية ولعلها (فارسية) استحسنها الشعراء المجدّدون في العصر العباسي وعلى رأسهم أبو نؤاس, رغبة في التجديد والخروج على الأغراض القديمة.
ولعلّ ظاهرة الوقوف على الأطلال أشدّ من التغزل بالغلمان عند العلماء والخلفاء في ذلك الوقت, ولكنّ أبا نؤاس لرغبته في كسر التقاليد نراه وبكل جسارة يستهجن تلك الفكرة فيقول متهكمًا:
قل لمن يبكي على رسم درس............واقفًا ما ضرّ لو كان جلس
نعود لنقول: لو كانت ظاهرة التغزل بالمذكر سارية المفعول وقوية في البيئة التي عاصرها أبو نؤاس لرأينا تهافت الشعراء حولها..
فهذا ديوان أبي تمام والمتنبي والمعري وأبي فراس الحمداني والشريفين الرضي والمرتضى وغيرهم بين أيدينا وهي خالية من هكذا نوع من الشعر.
وللتذكير نقول: إنّ أبا نؤاس الذي اُشتهر عنه الغزل بالمذكر قد قال شعرًا في النساء وشعرًا آخر في الزهد ، فمن شعره بالمذكر قوله:
أموت ولا تدري وأنت قتلتني............ولو كنت تدري كنت لا شكّ ترحم
أهابك أن أشكو إليك صبابتي............فـلا أنـا أبـديـها ولا أنت تعلم
ومن شعره في النساء ، قوله في فتاةٍ اسمها (جنان):
ألـم تـر أنّـني أفـنيتُ عمري............بـمطلبها ، ومطلـبها عسيـر
فـلمّا لـم أجـد سـبـبًا إليها............يـقرّبنـي وأعيتنـي الأمـور
حجـجْتُ وقلت قد حجّت جنانٌ............فيجمعـنـي وإيّـاها المسيـر
ومن شعره النسائي قوله:
سألْتـُها قبلةً فـفزتُ بها............بعد امـتـناعٍ وشدّة التعبِ
فـقلتُ بالله يا معذّبتـي............جودي بأخرى أقضي بها أربي
فابتسمت ثمّ أرسلت مثلاً............يعرفُهـُ العجْمُ ليسَ بالكذبِ
لا تعطينّ الصّبـيّ واحدةً............يطلبُ أخرى بأعـنفِ الطلبِ
ومن شعره في الزهد:
من اتّقى الله فذاك الذي............سِـيقَ إليه المتجرُ الرابحُ
شمّر فما في الدينِ أغلوطةٌ............ورُح لِـما أنت له رائح
وهو القائل في إحدى زهدياته أيضًا:
أيا من ليسَ لي منه مجيرُ............بعفوك من عذابكَ أستجيرُ
أنا العبدُ المقرُّ بكلّ ذنبٍ............وأنتَ السيدُ المولى الغفور
فإنْ عذّبتني فبسوءِ فعلي............وإنْ تغـفر فأنتَ به جديرُ
فأبو نواس كان مندفعًا وراء الحياة ، حياة المتعة واللذة ، الحياة الحرّة في تنوّعها وخصبها ، مغرمًا باستيفاء اللذة التي وجدها في الخمر والنساء والغلمان ، وجد المتعة في تأنّق الغلمان وعلى أوتار القينات ، ولِذا دار شعره حول النساء كما دار حول الغلمان، وإنْ كان شعره في الغلمان أفضل منه في النساء.
وهناك ملاحظة مهمة وهي:
إنّ الرجل المصاب بالشذوذ الجنسي لا يتوق إلى الجنس الآخر ، فكيف استطاع أبو نواس – أيّها الوردي – أن يوازن بين شذوذه وبين تغزّله في المرأة ؟!
عليه نقول: إنّ ظاهرة الغزل بالغلمان هي ظاهرة (استثنائية) وُجِدتْ عند بعض الشعراء العباسيين بسبب الترف (الفكري والاجتماعي) ، ثمّ أخذت في الانتشار في العصر الأندلسي حالها كحال أيّ ظاهرة تولد ثمّ تتنامى وتكبر ..
الخلاصة: إنّ ظاهرة الغزل بالغلمان لم تكن موجودة في البيئة العربية ، فالعرب لم يعرفوا الغزل بالمذكر إلاّ حينما امتزجت معهم مجتمعات من عناصر غير عربية وذلك ابتداءً من العصر العباسي عصر امتزاج الثقافة العربية بالثقافات الأخرى مرورًا بالعصر الأندلسي المليء بهذا النوع من الغزل الدخيل على البيئة العربية.
ولعلّ الدكتور مصطفى الشكعة في كتابه (الأدب الأندلسي موضوعاته وفنونه) قد ألمح في فصلٍ من فصول الكتاب إلى عدة جوانب لذلك التطرف في ذلك المجتمع المترف..
فهذا ابن خفاجة الأندلسي يمزج بين القول في الخمر والغزل في الساقي ، فيقول:
وساقٍ كحيل اللحظ في شأو حسنهِ............جـماح وللصبر الجميل حران
وهذا أبو الحسن علي بن خروف يصف راقصًا بقوله:
ومنوّع الحركات يلعبُ بالنهى............لبِسَ المحاسن عند خلعِ لباسه
وهكذا نجد الغزل بالغلمان قد أصبح ظاهرة اجتماعية متفشّية في المجتمع الأندلسي بل جزءًا من كيان ذلك المجتمع.
أمّا قضية التصوّف والغزل بالمذكر فإن حديثه حولها لم يكن دقيقًا أيضًا .. فالشعر الصوفي له دلالات ورموز بعيدة ، ولعلّ استخدام صيغة المذكر هو أحد أسراره.
والتاريخ الصوفي الذي بين أيدينا لم يذكر لنا مثل هذه الابتلاءات الشاذة لدى الشعراء الصوفيين وإن وُجدت فهي مقصورة على شاعرٍ أو شاعرين .. فهذا ابن الفارض مثلاً ونحن نقرأ غزله بالمذكر لا نحسُّ بأيّ شذوذ أو انحراف عندما يقول:
قلبي يـحدّثنـي بأنّكَ مُتلفي............روحي فِداك عرفتَ أم لم تعرفِ
عطفًا على رمقي وما أبقيتَ لي............مِنْ جسميَ المضنى وقلبي المدنفِ
وفي قوله:
وخذْ بقـيّة ما أبقيتَ من رَمَـقٍ............لا خيرَ في الحبّ إنْ أبقى على المهجِ
مَنْ ماتَ فيه غرامًا عـاشَ مرتقيًا............ما بين أهل الـهوى في أرفعِ الدرجِ
القراءة بقلم أ.يوسف آل ابريه
:rdro:
شيءٌ من الجنون أن أشعر بالرهبة ..والمقامُ عملاق وخطوتي مهما حاولتُ قزم ..قزم .
،
أعودُ مجدداً أخضعَ لتجربة مادة الرسالة القصيرة في سنتي الأخيرة بالجامعة .. أعودُ تدثرني حيرتي و16 مصدر يأتون بقضية أبي نؤاس .. ومستوى ثقيل أختبره وحدي
كأنّني أسرفتُ لا ..بل أضعتُ التجربة حتى لا تسعفني خبرتي أو بعضاً منها اللحظة..
..
أتساءلُ الآن ما أفعل .. وأستحضرُ كلّ الكلمات المخبوءة في ذاكرتي ، أُعدّها لحالة استنفار
وبارتجاليةٍ مكررة أقذفُ إلى النافذة ( أناة الطفلة المشاغبة ) و أتركها تواجه بعفويتها هذا الموسم الجميل من الكلمات ..
هذه الفاكهة المثمرة التي تُغذّي الروح والعقل والقلب ..
هو يقرأ الأبجدية دفعة واحدة وأنا أُطيلُ النظر في حرفٍ واحد
يقرأ .. صلصالاً .. فـ يُشكّل أبعاده الثلاثية و أُبصرُ في حضرة فنّه أحد الوجوه
يقرأ منشغلاً ..فجأة تراه يحملُ سيفه ، درعه .. يدخلُ واثقاً إلى أرض الكتاب .. يتصارع مع تأريخ وقد يتصافح ، يتعارك مع أبطال وقد يمنحهم توقيعه احتفاءاً به،
قد يعود منه جريحاً أو مبتسماً منتصراً .. لا شك أنّه يعودُ جميلاً كلّ مرة من أرضِ كتاب
يحملُ همّ الجيل ..ويقرأ ليُغيّر ..
يقول :
إنّ القراءة تفتح منافذ العقل وترشد إلى جميل السلوك ، والأمة التي لا تقرأ لا تعرف كيف تتلمّس حلولاً لمشاكلها, أو خلاصًا لأزماتها, أو معرفة بعلومها وآدابها, وإنّ أكثر البلاد تخلّفًا وتأخّرًا هي تلك التي خَـبَا فيها بريق الحرف ونمت فيها عتمة الجهل.
إن الذين يقرؤون فقط هم الأحرار , وذلك لأن القراءة تطرد الجهل والخرافة, وهما من ألدِّ أعداء الحرية.
ها أنا أقرؤكَ مفرداً يتحدثُ من خلالكَ الجميع .. الكاتبُ والقاريء والناقد ..................... ولا أُخطئ أو أسقطها ( روح القائد )
هذه المرة قرر أن يعيش متأملاً أسطورة الأدب الرفيع .. و لم يكنْ مجرد عابراً فيها
يقول :
الدكتور علي الوردي ليس شاعرًا ولا فنانًا ولا قائدًا سياسيًا ، ولكنه ملأ الدنيا وشغل الناس بأوسع مما فعله شاعر أو فنان أو ذو فكر سياسي..
ولذا فقد ارتأيت أن يكون كتابه المشهور: (أسطورة الأدب الرفيع) هو خير مفتاح للدخول إلى موضوعنا, وذلك لأهميته من جهة ، ولخطورته من جهة أخرى.
وسوف أضع قضية واحدة في هذه المداخلة قد أثارها الدكتور الوردي في كتابه, وهي في رأيي قضية مهمة, مع العلم أنّ الكتاب بكامله ذو قيمة علمية وأدبية كبرى..
لقد استعرض الدكتور الوردي في كتابه عدّة قضايا مهمة في الأدب والشعر العربي ، ولكنني سأركّز في هذه المداخلة على قضية واحدة .. ولعلّ بقية القضايا التي أثارها تأتي تباعًا في المداخلات القادمة سواء منّي أو من الأخوة الكرام أو الأخوات الفاضلات.
القضية هي في (المقالة الرابعة) وهي بعنوان (الشعر والشذوذ الجنسي) يقول الدكتور الوردي رحمه الله (من الصفات التي تـميّز بها الشعر العربي القديم التغزل بالمذكر وفي رأيي أنّ من أهم الأسباب في ذلك إن لم يكن أهمها هو (شيوع الشذوذ الجنسي) في المجتمع العربي في عصوره المتأخرة)
ثم يذكر الدكتور الوردي رأي الدكتور محي الدين بأنّ الشذوذ الجنسي لا دخل له في الأمر ، وأنّ غلبة ضمير المذكر في الشعر العربي يعود إلى سببين هما:
1. النـزعة العرفانية الصوفية والتي تقتضي تذكير المؤنث.
2. تحاشي ضمير المؤنث لكي لا يتهم الشاعر بذكر امرأة بعينها.
ثم يعلّق الدكتور الوردي على كلام الدكتور محي الدين بأنّ رأيه هذا قد يصحّ في حدود معينة, فلو أنّه أضاف الشذوذ الجنسي سببًا ثالثًا إلى السببين اللذين ذكرهما لكان مصيبًا إلى حدٍّ كبير.
ثم راح الدكتور الوردي يستطرد في قضية الشذوذ الجنسي في الشعر العربي وكان مما قاله: (إنّ انتشار الشذوذ الجنسي بين الناس هو الذي حذا بالشعراء وإن لم يكونوا مصابين بهذا النوع إلى النظم فيه لشيوعه ورواجه آنذاك, ولأنهم وجدوه ألطف من ضمير المؤنث في ذوق كثير من الناس).
ثم ذكر صاحبنا أبا نؤاس وشذوذه في الغزل بالمذكر وتهافت الشعراء في تقليده ، ثم ذكر إنّ من أسباب ظهور التغزل بالمذكر في العصر العباسي والعصور التي تليه مع انعدامه في العصور السابقة هو قضية (الحجاب) التي جعلت المرأة العربية جليسة البيت ، تحيا وتموت فيه.
فهو يريد أن يقول: إنّ حبس المرأة وتحجّبها هو أحد الأسباب الرئيسة في شيوع ظاهرة (الغزل بالغلمان) ، فالشاعر العربي لم يجد بديلاً وتعويضًا لحجب المرأة وإبعادها إلا بمغازلة الغلمان والتشبيب فيهم ، فكلما ازداد الحجاب في رأيه ازداد الشذوذ الجنسي.
ثم ذكر التصوف والغزل بالمذكر مستعرضا قول الدكتور محي الدين: (بأنّ المتصوفة يتغزلون بالله واسم الله مذكر لا مؤنث ومعنى ذلك أنهم يحبون الله ولا يحبون الغلمان).
ثم قال بعد ذكر مقولة الدكتور محي الدين بأنّ هذا الرأي لا يخلو من وجاهة ، ولكنه مع ذلك لا يكفي لتفسيره جميعًا، فالمتصوفة بشر وهم مهما حاولوا أن يفنوا في ذات الله فأنهم لا يقدرون على التخلّص نهائيًا من طبيعتهم البشرية.
ثم ذكر كلام ابن الجوزي حول المتصوفة وأنهم في صحبة الأحداث أي (الغلمان) على سبعة أقسام (لا داعي لذكرها لضيق المقام)، ثم ختم مقالته بقوله: مهما يكن الحال فإنّنا لا نستطيع أن نحكم على جميع المتصوفة بأنهم كانوا يحبون الغلمان أو كانوا يلوطون بهم ، وربما كان حبّ الغلمان عند بعضهم عذريًا لا سوء فيه ، حيث نشأ فيهم من جرّاء عزوفهم عن النساء وزهدهم بهن.
وإذا صح هذا جاز أن نقول: بأنّ شيوع الغزل بالمذكر في شعر المتصوفة لم يكن كله ناتـجًا عن نـزعتهم العرفانية فربما كان شذوذهم العذري من أسباب ذلك .. والله اعلم، هذا ما قاله الدكتور الوردي في مقالته.
التعليق: دائمًا ما يذكر الدكتور الوردي وبتواضع منقطع النظير أنّه باحث قد يخطئ وقد يصيب ، فهو إذا ما ارتأى رأيًا سليمًا أخذ به ، فهو كما أقرأه بأسلوبه (السهل الممتنع) يتحرّك من واقع معرفة وإدراك ، مبتعدًا عن كل أسلوب رخيص وهابط ، فيقول بكل تواضع في مقدمة كتابه (أسطورة الأدب الرفيع): (سوف أطرح آرائي إلى جانب آرائه - يقصد الدكتور محي الدين - ثم أتركها للزمان ليحكم لها أو عليها ، والزمان غربال جبّار يبقى فيه ما ينفع الناس ويختفي منه الزبد والحثالة).
إنّ الدكتور الوردي في كتابه (أسطورة الأدب الرفيع) بل وفي كلّ كتبه يفتح لنا نوافذَ مستعصية ويترك لنا المجال للمشاهدة والنظر لعلنا نستطيع أن نفتح كما فتح ..
إن الدكتور الوردي يرجع ظاهرة الغزل بالمذكر عند الشعراء العرب إلى شيوع الشذوذ الجنسي في المجتمع العربي في عهوده المتأخرة ، رابطًا هذا الشذوذ الجنسي بقضية الحجاب ، فكلما ازداد الحجاب ازداد الشذوذ الجنسي..
إنّ هذا الرأي الذي أورده غير دقيق..
فإذا كان الحجاب هو أحد الأسباب الرئيسة لهذا الشذوذ كما يراه في العصر العباسي, فلماذا لم يظهر هذا الشذوذ في العصور السابقة للعصر العباسي وذلك لتحجّب المرأة, لاسيما في العصر الأموي ، لكون الظروف مهيأة لهكذا أمر وقتها..
إنّ قضية الحجاب التي ألمح إليها بقوله: (كلما ازداد الحجاب ازداد الشذوذ) من الناحية الاجتماعية تعدّ صحيحة نوعا ما..
ولكن نسأله:
في أي عصر ازداد الحجاب ومتى قلّ أو انعدم؟
في الحقيقة إنّ الحجاب ازداد في العصور السابقة للعصر العباسي وقلّ في العصر العباسي وما بعده..
فحسب رأيه السابق نسأل:
لماذا لم يظهر الشذوذ الجنسي في العصور السابقة للعصر العباسي لكون قضية الحجاب لا تزال قائمة والمرأة محجوبة في بيتها؟!
ولماذا ظهر الشذوذ الجنسي في العصر العباسي وما بعده والمرأة قد أتيح لها أن تخرج من بيتها ومجالس الخلفاء مليئة بالجواري؟
إذ لا داعي للتغزل بالغلمان لكون النساء وقتها متبرجات وسافرات وفي متناول الأيدي والأنظار..
إذن القضية معكوسة.. فالحجاب ليس هو السبب الرئيس في الشذوذ الجنسي وإن كان له مدخل, فهو مدخل ثانوي.
ثم نسأله أيضًا: إذا كان ازدياد الحجاب سببًا في انتشار الشذوذ الجنسي , فلماذا نجد الشذوذ الجنسي في البلدان الغربية منتشرًَا مع أنّ الاختلاط فيها على أشده ؟!
من خلال تتبعي في الأدب العربي وتاريخ العصور أستطيع القول:
إنّ من أسباب ظهور الغزل بالمذكر في العصر العباسي ليس هو الشذوذ الجنسي عند العرب, وإنما هو ظاهرة غير عربية ولعلها (فارسية) استحسنها الشعراء المجدّدون في العصر العباسي وعلى رأسهم أبو نؤاس, رغبة في التجديد والخروج على الأغراض القديمة.
ولعلّ ظاهرة الوقوف على الأطلال أشدّ من التغزل بالغلمان عند العلماء والخلفاء في ذلك الوقت, ولكنّ أبا نؤاس لرغبته في كسر التقاليد نراه وبكل جسارة يستهجن تلك الفكرة فيقول متهكمًا:
قل لمن يبكي على رسم درس............واقفًا ما ضرّ لو كان جلس
نعود لنقول: لو كانت ظاهرة التغزل بالمذكر سارية المفعول وقوية في البيئة التي عاصرها أبو نؤاس لرأينا تهافت الشعراء حولها..
فهذا ديوان أبي تمام والمتنبي والمعري وأبي فراس الحمداني والشريفين الرضي والمرتضى وغيرهم بين أيدينا وهي خالية من هكذا نوع من الشعر.
وللتذكير نقول: إنّ أبا نؤاس الذي اُشتهر عنه الغزل بالمذكر قد قال شعرًا في النساء وشعرًا آخر في الزهد ، فمن شعره بالمذكر قوله:
أموت ولا تدري وأنت قتلتني............ولو كنت تدري كنت لا شكّ ترحم
أهابك أن أشكو إليك صبابتي............فـلا أنـا أبـديـها ولا أنت تعلم
ومن شعره في النساء ، قوله في فتاةٍ اسمها (جنان):
ألـم تـر أنّـني أفـنيتُ عمري............بـمطلبها ، ومطلـبها عسيـر
فـلمّا لـم أجـد سـبـبًا إليها............يـقرّبنـي وأعيتنـي الأمـور
حجـجْتُ وقلت قد حجّت جنانٌ............فيجمعـنـي وإيّـاها المسيـر
ومن شعره النسائي قوله:
سألْتـُها قبلةً فـفزتُ بها............بعد امـتـناعٍ وشدّة التعبِ
فـقلتُ بالله يا معذّبتـي............جودي بأخرى أقضي بها أربي
فابتسمت ثمّ أرسلت مثلاً............يعرفُهـُ العجْمُ ليسَ بالكذبِ
لا تعطينّ الصّبـيّ واحدةً............يطلبُ أخرى بأعـنفِ الطلبِ
ومن شعره في الزهد:
من اتّقى الله فذاك الذي............سِـيقَ إليه المتجرُ الرابحُ
شمّر فما في الدينِ أغلوطةٌ............ورُح لِـما أنت له رائح
وهو القائل في إحدى زهدياته أيضًا:
أيا من ليسَ لي منه مجيرُ............بعفوك من عذابكَ أستجيرُ
أنا العبدُ المقرُّ بكلّ ذنبٍ............وأنتَ السيدُ المولى الغفور
فإنْ عذّبتني فبسوءِ فعلي............وإنْ تغـفر فأنتَ به جديرُ
فأبو نواس كان مندفعًا وراء الحياة ، حياة المتعة واللذة ، الحياة الحرّة في تنوّعها وخصبها ، مغرمًا باستيفاء اللذة التي وجدها في الخمر والنساء والغلمان ، وجد المتعة في تأنّق الغلمان وعلى أوتار القينات ، ولِذا دار شعره حول النساء كما دار حول الغلمان، وإنْ كان شعره في الغلمان أفضل منه في النساء.
وهناك ملاحظة مهمة وهي:
إنّ الرجل المصاب بالشذوذ الجنسي لا يتوق إلى الجنس الآخر ، فكيف استطاع أبو نواس – أيّها الوردي – أن يوازن بين شذوذه وبين تغزّله في المرأة ؟!
عليه نقول: إنّ ظاهرة الغزل بالغلمان هي ظاهرة (استثنائية) وُجِدتْ عند بعض الشعراء العباسيين بسبب الترف (الفكري والاجتماعي) ، ثمّ أخذت في الانتشار في العصر الأندلسي حالها كحال أيّ ظاهرة تولد ثمّ تتنامى وتكبر ..
الخلاصة: إنّ ظاهرة الغزل بالغلمان لم تكن موجودة في البيئة العربية ، فالعرب لم يعرفوا الغزل بالمذكر إلاّ حينما امتزجت معهم مجتمعات من عناصر غير عربية وذلك ابتداءً من العصر العباسي عصر امتزاج الثقافة العربية بالثقافات الأخرى مرورًا بالعصر الأندلسي المليء بهذا النوع من الغزل الدخيل على البيئة العربية.
ولعلّ الدكتور مصطفى الشكعة في كتابه (الأدب الأندلسي موضوعاته وفنونه) قد ألمح في فصلٍ من فصول الكتاب إلى عدة جوانب لذلك التطرف في ذلك المجتمع المترف..
فهذا ابن خفاجة الأندلسي يمزج بين القول في الخمر والغزل في الساقي ، فيقول:
وساقٍ كحيل اللحظ في شأو حسنهِ............جـماح وللصبر الجميل حران
وهذا أبو الحسن علي بن خروف يصف راقصًا بقوله:
ومنوّع الحركات يلعبُ بالنهى............لبِسَ المحاسن عند خلعِ لباسه
وهكذا نجد الغزل بالغلمان قد أصبح ظاهرة اجتماعية متفشّية في المجتمع الأندلسي بل جزءًا من كيان ذلك المجتمع.
أمّا قضية التصوّف والغزل بالمذكر فإن حديثه حولها لم يكن دقيقًا أيضًا .. فالشعر الصوفي له دلالات ورموز بعيدة ، ولعلّ استخدام صيغة المذكر هو أحد أسراره.
والتاريخ الصوفي الذي بين أيدينا لم يذكر لنا مثل هذه الابتلاءات الشاذة لدى الشعراء الصوفيين وإن وُجدت فهي مقصورة على شاعرٍ أو شاعرين .. فهذا ابن الفارض مثلاً ونحن نقرأ غزله بالمذكر لا نحسُّ بأيّ شذوذ أو انحراف عندما يقول:
قلبي يـحدّثنـي بأنّكَ مُتلفي............روحي فِداك عرفتَ أم لم تعرفِ
عطفًا على رمقي وما أبقيتَ لي............مِنْ جسميَ المضنى وقلبي المدنفِ
وفي قوله:
وخذْ بقـيّة ما أبقيتَ من رَمَـقٍ............لا خيرَ في الحبّ إنْ أبقى على المهجِ
مَنْ ماتَ فيه غرامًا عـاشَ مرتقيًا............ما بين أهل الـهوى في أرفعِ الدرجِ
القراءة بقلم أ.يوسف آل ابريه
:rdro: