مشاهدة النسخة كاملة : الجحيم: أناي – شبه ورقة نقد لعادل دهنيم
عادل دهنيم
30-08-2010, 01:58 AM
الجحيم: أناي – شبه ورقة نقد لعادل دهنيم
سألني من أثق في ذائقته الأدبية، هل قرأتَ نصَّ فاضل الجابر الأخير الجحيم أناي؟ فأجبته بالنفيِّ. فقال أنا قرأته ولم يرق لي. استفزتني "لم يرق لي" جداً. وأنا عادةً ما يستفزني النقد السَّالب أكثر من الموجب لقراءة النصوص الأدبية. فلو قال راق لي النصُّ لصبرتُ لذهابي للمنزل لأقرأ النص على فنجان شاي وحَلَوَة.
ولكنَّ كلمته "لم يرقْ لي" جعلتني من فوري أفتح جوالي لأقرأ هذا النص. قرأته مرتين قبل أن أصدم صاحبي بقولي بأن النصَّ رائعٌ جداً، وقد راق لي جداً. ولكنَّ صاحبي ممن يتقنون امتصاص الصدمات وَرَدِّها. فسألني من فوره، وما الذي أعجبك في النصِّ؟
عجيبة هذه الذائقة! فهي تحدد ما يعجبنا وما لا يعجبنا من فورها، غير أنها لا تخبرنا علَّة هذا الإعجاب أو إلاَّ إعجاب أو حتى تفسره لنا. سؤالٌ مشروعٌ جداً هذا الذي رماه صديقي في حضني، وفرض صداه في ذهني لأسأل نفسي ذات السؤال، صحيح، ما الذي أعجبني في النص؟!
ظلَّ هذا السؤال يحوم في رأسي ولا أستطيع الفرار منه، وأنا الخبير في الفرار من الأسئلة الجوهرية التي طالما حامتْ في ذهني تبحثُ عن إجاباتها أحياناً أو أشياءً شبيهةً بإجاباتها. أضف لذلك، إجابة لهكذا سؤال ستتطلب جهداً أنا أكسلُ من أن أبذله، ووقتاً أنا أبخلُ من أن أنفقه، وأدوات نقدٍ لستُ أملكها، وإن ملكتُ البعض اليسير منها، فأنا لا أجيد استخدامها.
ولكني آليتُ على نفسي أن لا أركن للكسل هذه المرة، وأن أرغم نفسي لبذل جهدٍ ولو كان قليلاً للغوص داخل هذا النص لعلَّي أجد إجابة شافية لسؤال صديقي، وذلك لا لأجل صديقي أو فاضل ولكن من أجل نفسي التي تعشق الشعر. وأعلم جيداً أن شهادتي في فاضل مجروحةٌ جرحاً غائراً في الصدر، وربما ستحمل كلماتي على الشِّللية الأدبية. وهذا ظنٌّ مبررٌ نوعاً ما، ولا يسعني أن أنكره أو نفيه أو حتى التملص منه. فعلاقتي بفاضل سوف تجعل من ذلك أمراً صعباً للغاية. غير أني واثقٌ تمام الثقة من أن منطلقاتي هنا ليست شخصية بقدر ما هي فضول لاكتشاف الذات. وأنا على يقين أن صاحبيَّ، الذي لم ترق له القصيدة، وفاضل، يعلمان ذلك جيداً علم اليقين.
قبل البدء سوف أضع القصيدة هنا لمن لم يقرأها:
الجحيمُ أناي
(1)
لكَ أنْ تَطلَّ على عُريِّ هواجسي
لكَ أن تعيدَ حكايتي عصفورةً منتوفةً في بردِ سُؤْلِكَ، لا تبالِ
يا قلبُ لبِّثْ لم يعدْ حولي سواي
فيمَ انتفاضُكَ والنَّهارُ يَلفُّ ما أسداهُ من ألمٍ ويمضي، لا تبالِ
عيناي أعدمها التَّبَصُّرُ في الرُّؤى والدَّهرُ أعدمني رؤاي
(2)
هذي السنينُ أجرها خلفي وأركسُ في رميمِ الحظِّ لن تبلى السرائرُ يومها
وخطاي موجفةٌ،
فإلى مَ تأخذني خطاي؟!
(3)
سأجرُّ خلفي الآهَ والحزنَ المسجَّى في المدى
ما عاد يكفيني مداي
جفَّتْ عروقي في جحيمِ الويلِ أذبلني الظما
ويَبَسْتُ كُلِّي في ظماي
(4)
يا للهوى سلطانهُ أمضى، فقدِّمْ قيدَ أنملةٍ حصانَكَ، وانتظرْ
حمِّل حواشي الصمتِ، والآمالَ، والذكرى، وعطرَ الشوقِ، والآهاتِ، واصرخْ
انتظرْ مقدارَ نافلةٍ يؤديها صداي
(5)
سيكونُ أقرحُ للعيونِ إذا تفرَّى الحلم من عيني وأرَّقني مليَّاً ما تشظَّى من كراي
سيكونُ أنكأ للشجونِ إذا استفقتُ على فحيحِ الليلِ، قعقعةِ الهواءِ، صهيلِ أوردتي اليبابِ، صرير أضلاعي
و أدلَجَ كلُّ هذا في حشاي
محَّصتُ جوفي عَلَّني أجدِ الحكايةَ...لم أجدْ إلا أساي
(6)
يا عزَّ أنْ أدري بشكوى الروحِ إن حَشَكَتْ عراجين الظنونِ بها
و الشَّكُ ينضجهُ هواي
يا عزَّ ألاَّ حولَ لي فأجولُ هذي الأرضَ لا ألوي على أملٍ
أُمنِّي النَّفس ... أنهكني مناي
(7)
- قُلْ ما الجحيمُ؟
- أظنهُ خذلانَ قافيتي
- وأظنهُ، شيطانَ أمنيتي
- وأظنهُ الذوبانَ في أنغامِ ناي
- وأظنهُ الإنسانَ لو خارتْ خلايا الحبِّ فيه،
- أظنهُ حتماً أناي!
أحب أن أنوه لأن الأرقام أعلاه هي من وضعي وليست من الشاعر. وقد وضعتها لأسباب سأشرحها في سياق هذه الورقة.
عنوان القصيدة:
عَنوَنَ الشاعر قصيدته بعنوان "الجحيم أناي". وهو عنوان جميلٌ جداً ولافتٌ جداً ويتذبذبُ في الأذن فيطربها ويحفزها لطلب المزيد. والعنوان نصف شهرة القصيدة، وتخيُّرُه يجهد الشَّاعر ويحيره أيما حيرة. وأنا أعلم أن فاضل يعطي هذا الأمر أهمية محورية في نظم قصائده و عادة ما يكون العنوان آخر ما يضعه في القصيدة. ولربما ظلَّتْ قصيدته بلا عنوان لأيام بعد خلوصه منها، حتى يضع قلبه على العنوان. وهو ليس بدعاً من الشَّعراء في هذا.
وأحيي فاضل على حسن اختياره العنوان لثلاثة أسباب. السبب الأول ذكرته أعلاه ألا هو جرس العنوان في الأذن. والثاني هو أن العنوان كان خلاصة النتيجة التي وصل لها خلال رحلة القصيدة بداخله. فأنتهي لأن هذا الجحيم - الذي لم يكن يعرف مصدره في بداية القصيدة/الرحلة- مصدره أناه. فآلا على نفسه إلا إن يختصر الطريق على القارئ ويعطيه النتيجة الصادمة التي توصل لها قبل البدء في القصيدة.
أما السبب الثالث، فبرغم من أن قاموس فاضل اللغوي والشعري ثري، وهو دائماً في حالة بحثٍ لتوسيع رقعة هذا القاموس، إلا أنه لم يستخدم لفظة "الجحيم" في شعره قط حسب اطلاعي على شعره المطبوع وغير المطبوع، رغم شياع استخدام اللفظة على المستوى الأدبي والثقافي والعامي. وفاضل حريص على تتبع الألفاظ القرآنية وتضمينها في شعره. فلا تكاد تجد له قصيدة تخلو من لفظ قرآني يموضعه في القصيدة في موضع جميل وهذه القصيدة لن تشذ عن هذه القاعدة. فالجحيمُ اسم من أَسماء النار، والجحيم كلُّ نارٍ عظيمة في مَهْواةٍ، والجحيمُ النارُ الشديدة التأَجُّج. وهي كثيرة الورود في القرآن إذ وردت 26 مرة وكلها بمعنى واحد ألا وهو النار أعاذنا الله منها.
القافية:
وبرغم أن القصيدة هي من قصائد التفعيلة إلا أنها التزمت قافية واحدة جميلة ذات جرس طروب. وتكررت القافية 13 عشرة مرة في 7 مقاطع. وهي كثيرة بالنسبة لشعر التفعيلة. إذ أن من أهم أسباب لجوء الشعراء العرب لشعر التفعيلة هو كسر قيد القافية الثقيل. ألا أن فاضل أحبَّ أن يشد الأذن لجرس القافية في كل مقطع أكثر من مرة ليكسر الرتابة. وكان حريصاً أن ينهي كل مقطع بالقافية ذاتها ليشعرنا من أنه يريد أن يتوقف قليلاً هنا. أعجبتني القافية وأشعر أنها غير مطروقة كثيراً.
القصيدة:
بدأ الشاعر قصيدته بخطاب مجهول لا نعرفه نحن بعد، لكن الشاعر يعرفه تمام المعرفة. وكيف لا يعرفه وهو قلبه المنهك. قلبه هذا له أمنية وحاجة لدى الشاعر كان يلح بها عليه طويلاً وطويلاً جداً. مما دعا بالشاعر لأن يرضخ أخيراً تحت وطأة الإلحاح الشديد. وكان نتيجة هذا الرضوخ بزوغ القصيدة. فالقصيدة هي نتيجة صراع بين الشاعر وقلبه، هو لا يريد وقلبه يريد ويريد بإلحاح.
ولكن ماذا يريد هذا القلب؟ أنه يريد أن يكشف هواجسه له أن يعريها أمامه، رغبة في مد يد العون ربما. فيصرخ الشاعر ألماً لك ما تريد.
لكَ أنْ تَطلَّ على عُريِّ هواجسي، لا أن تنظر، لا أن تمعن النظر، بل تطلُّ وتطلُّ فقط. فالشاعر لا يستطيع أن يعرِّي هواجسه طويلاً أمام قلبه، فجاء الفعل تَطلُّ جميلاً ملائماً. والهواجس جمع الهاجِسُ: وهو الخاطِرُ بالبال؛ وهو أنْ يُحَدِّثَ المرء نَفْسَهُ ويَجِد في صَدْرِه مِثْلَ الوَسْوَاس. غير أن الجميل أن الشاعر استطاع أن يخفي هذه الهواجس عن قلبه!
لكَ أن تعيدَ حكايتي عصفورةً منتوفةً في بردِ سُؤْلِكَ، لا تبالِ،
الشاعر يقول لقلبه بأن حكايته قد انتهت وأغلق أبوابها، ولكني عندما أعري هواجسي، فأنك سوف تعيد حكايتي وتعريها أيضاً كعصفورة منتوفة الريش في يومٍ بارد. وهذا اليوم البارد هو اليوم الذي حققت فيه رغبتك. وسؤْلك تضمين قرآني جميل. فالسُّؤلُ: ما سأَلَتْه. وفي القرآن: قال قد أُوتِيتَ سُؤْلَك يا موسى؛ أَي أُعْطِيت أُمْنِيَّتك التي سَأَلْتها وقُضِيَتْ حاجتك التي طلبت. وهذا ما فعله الشاعر مع قلبه في مطلع القصيدة. ويختم الشاعر مخاطباً قلبه لا تبالِ، أي لا تهتم فأنا اعتدتُ لملمة الجراح ويدعوه بأن يطيل المكوث والانتظار والتصبر فلم يعد مع الشاعر سوى نفسه. ولم يقل لم يعد معي أحد وهذا جميل.
"يا قلبُ لبِّثْ لم يعدْ حولي سواي" شد انتباهي فعل الأمر "لَبِّثْ" وهو من غريب اللغة فلم يستخدمه العرب إلا في مثلٍ واحد دلني الشاعر عليه ولم أجد له استخداماً آخر إلا هنا. كانت العرب تقول " لَبِّثْ قَلِيلاً يَلْحَقِ الحَلائِب" أي اصطبر قليلا فسوف تأتي جماعاتٌ تنصرك وتعينك. وهو دليل على سعي الشاعر لتوسع لغته الشعرية لغتنا أيضاً.
"فيمَ انتفاضُكَ والنَّهارُ يَلفُّ ما أسداهُ من ألمٍ ويمضي، لا تبالِ"
وهو واضح، فبعد أن عرَّى الشاعر هواجسه لقلبه، انتفض القلب نصرة للشاعر غير أن الشاعر يستغرب هذه الانتفاضة المتأخرة جداً، ويؤكد لقلبه أن النهار الآن يلفُّ ما أسداه من ألم ويمضي فلا تبالِ فالأكثر إيلاماً قد مضى. وتشبيه الألم بشيءٍ حسي يلف ويطوى ويحمل بعيداً عن جسد الشاعر جميل. كما أن الفعل أسدى ويعني اصطنع معروفاً جاء في قبالة الألم. وهو سخرية سوداء من فعل هذا النهار أتت بشكل جميل جداً.
والنهار هنا كناية عن الزمن المر الذي يعيش فيه. بقرينة الدهر في المقطع الذي بعده. "عيناي أعدمها التَّبَصُّرُ في الرُّؤى والدَّهرُ أعدمني رؤاي" وهو القمة الدرامية في المقطع وتصاعد الحبكة الشعرية وأساس هواجس الشاعر التي أخفاها هن قلبه، وسبب الألم. فعيناه أعدمها التبصر في الرؤى، أن عينه أفقدها بصرها البحث المضني عن الرؤى. ولا أعتقد أن الشاعر يقصد بالعين آلة البصر وأميل لأنها كناية عن الروح والرؤى عن الأحلام التي يسعى لتحقيقها الشاعر. لتأتي الخاتمة الصادمة من أن الدهر كان واقفاً بالمرصاد فحال بينه وبين تحقيقه هذه الأحلام التي في الأصل أتعبت روحه في البحث عنها.
ربما أعود لأكمل.
عبدالله آل دعبل
30-08-2010, 03:45 AM
أدعوا من الله أن تعود لِتُكمِل ما بدأتهُ أبا الحسن ,
راقني وأنا أقرأ سطورك وأطمعُ في المزيد , ذوقُ صاحِبِكِ السّلبيّ أخرجَك عن صمتك ربّما .. لنرى هذه الورقة التي قدّمتها
لكن على مستوى الذّوق السّلبيّ ومن لم يرق لهُ النّص .. فهذه الفئةُ الحاكمة الـ تظنّ ألاّ شعراء إلاّ هي , فأذواقهم بلاءٌ على الشّعر ..
المعذرةُ لك ولصديقك ولكن هذا رأيي
وحبّذا - بعد انتهاءك من هذه الورقةِ النّقديّة - لو تدعوا صديقك الذي لم ترُق له القصيدة لِيكتُب نقدهُ عليها وكيف لم تُعجبه ..
أعلمُ أنّ صياغة كلامي استفزازيّة نوعاً ما لكن لا أُريدُ لهذا الإستفزاز أن يجلبهُ ليقول نقداً سلبيّاً .. أو يحاولُ بطريقةِ المُقارنةِ الشّعريّةِ إن صحّ التّعبير ..
***
أبا الحسن لم أكُن أُجامِلك بما كتبتُه الآن إنّما لم أكن لأعرفَ ما تُخفيه لو لا ما كتبته .. , بالمناسبة حبّذا لو رأينا لك قصيدةً تُحرّكُ بجرسها الخلاخيل والأساور ..
تحيّاتي وأنتظر
باأنتظارك أخي أبا الحسن
للأنني بالفعل سأستمر أستسقي غبق جُمَلك المتفائله
وحماسك في كتابة ما يجول في جوف القصيده
لربما هي عابره نظرتي هنا
وقرائة القصيده باتمعن وتروي
لكن وجدتها كلمات تستحق الثناء .
جميل جدا..
مع المتابعين أيضا وفي انتظار ما سيتبع..
ولكني أظن..
أن العنوان ولد قبل النص لا بعده..:)
...
سلطان اليباب
30-08-2010, 08:36 AM
متابع لما تكتب يا أبا الحسن ... و أعجبني جداً تحليلك و أظنك تسبر النص وصولاً إلى حقيقته.
أعتقد أني عرفتُ من لم يرق له النص و لكلٍ ذائقته و مزاجه القرائي الخاص و كنتُ آملُ شخصياً أن أعرف ما هي وجهة نظره حول النص علِّي استفيد منها.
بالنسبة لما فضحته سما من أن العنوان سبق القصيدة فأقول إن الجحيم تبلوَّر عندي في ثلاث مراحل:
- الآخرون هم الجحيم
- الجحيمُ امرأة
- الجحيمُ أناااااي
في كل مرحلة اكتشفتُ مناطق غير مأهولة من مشاعري، لكني أشدد على أن القصيدة لم تكن وليدة تخطيط مسبق أو مبرمجة على الجملة فقد كان الجحيم في اللاوعي اليبابي يشير على الأنا و لم يكن ليتجاوزه دون إشارة هذه المرة. و لذا فضَّلتُ ألا أرهقَ نفسي كثيراً بالتفكير في عنوان، بعد انتهائي من كتابة القصيدة، فقد كان جاهزاً منذ الأزل و عليَّ فقط أن أضعه على صدر القصيدة ليتوَّج رسميا كعنوان.
كانت جملة: الجحيمُ أنااااي توقيعاً لي في أحد المنتديات، لكن جملة الجحيمُ امرأة سابقة لها بكثيرٍ من الوقت و الآخرون كانوا قبل ذلك و قد استبدلتُ الآخرين بالملاعين ربما في كثير من الأوقات.
آمل أن تكمل ما بدأته فلستُ الوحيد الذي يطالبُ بذلك الآن كما يبدو : )
الشكر وحده لا يكفي.
عادل دهنيم
30-08-2010, 10:39 AM
عبدالله،
تحية طيبة، دائماً أنت السباق للرد، وتحريك المياه الراكدة، واثراء المواضيع بالرأي والمشورة.
تعودتُ في الأدب أن لا أعتب على من لم يعجبه ما يعجبني. وكما قال فاضل "لكلٍ ذائقته ومزاجه القرائي الخاص". وأأكد ما قلتَه من أن النقد الطريق الأسرع للارتقاء، وأتمنى أمنيك أن يكتب صاحبي رأيه فيها وينشره لنا. وأأكد أيضاً أن الكتابة في حدٍ ذاتها مرهقة جداً. فما بالك بنقدٍ نصٍ لم يعجبك. كان في بالي وأن أنتقد القصيدة أنني سأكتب خمسة أسطر، ربما سبعة على أكثر تقدير. غير أنني وبعد 3 ساعات من الكتابة تفاجأتُ من أن في الصفحة الخامسة من ورقة النقد.
شكراً على مرورك الجميل.
كل الود،
عادل دهنيم
30-08-2010, 10:45 AM
أم كميل،
أشكرك الشكر الجزيل على هذه الأريحية وهذا الاطراء الجميل على ما كتبتُ وأجو أن أستحق هكذا وسام.
شكراً جزيلاً على مرورك.
ود،
عادل دهنيم
30-08-2010, 10:55 AM
سما،
أمازلت بدون تصريح؟!
مرَّ زمن طويل على ذلك! أنا سأعطيك كل التصاريح اللازمة، فبعد الفوانيس التي أضأتِ، تستحقين تصريحاً مفتوحاً مدى الحياة.
قلما يضع الشاعر عنوان قصيدته قبل ولادتها، أو حتى قبل اتمامها. قد تتبلور في ذهنه عناوين شتى وهو ينظمها، غير أنه لا يرسو على أحدها ويتأكد من أنه العنوان الأكثر تعبيراً عن ذاته والقصيدة معاً، إلا بعد بحثٍ مضني. ولا يتعد أن يكون هذا رأياً شخصياً لي في قبالة رأيك.
شكراً على مرورك الجميل،
ود
عادل دهنيم
30-08-2010, 11:07 AM
أهلا فاضل،
أشكرك على مديح نقدي، وأنا أعلم وأنت تعلم بأني لست ناقداً. وكما أسلفتُ من أنها مجرد محاولة لاكتشاف الذات ليس إلا. أما عن الأسماء، فأنا غير مهتم بها بقدر ما تهمني الحالة التي يمثلها الاسم. فحالة رفض الذائقة لنصٍ ما جديرة بالوقوف عليها وفهمها، وأنا كثيراً ما تنتابني هذه الحالة ولنصوصٍ لعمالقة الأدب.
شكراً لتوضيح مراحل تبلور العنوان في ذهنك، ولن اشكرك على المرور، لأنها صفحتك أنت لا صفحتي فيتوجب عليك المكوث هاهنا لا المرور.
ود،
عادل دهنيم
30-08-2010, 01:23 PM
أكمل...
في المقطع الأول كان الخطابُ واضحاً موجهاً للقلب. أما في المقطع الثاني، فالشاعر توقف عن مخاطبة القلب لينتهج تقنية السرد. وهي تختلف جذرياً عن تقنية الخطاب المباشر، ففرقتُ بينهما بالأعداد. وأنا أميل للخطاب المباشر وأحبذه على السرد.
"هذي السنينُ أجرُّها خلفي وأركسُ في رميمِ الحظِّ لن تبلى السرائرُ يومها"
وأصل هذي هذه قلب الهاء لياء ليحافظ عن الوزن. وهذه اسم اشارة للقريب جداً، أي أن السنين التي يشير إليها بين يديه محددة معروفة. وأميل لأنه يقصد سنينه هو أو ما مضى من عمره لوقت السرد.
(وهل هي سنون أم سنين، سأضع موضوعاً مستقلاً بذاته يتكلم عن هذا الموضوع)
والسنون هذه يجرها الشاعر خلفه، ويشعرك الشاعر أنها حمل ثقيل جداً يركسه في رميم الحظ. والفعل أركس ورد في القرآن في موضعين، واحد في سورة النساء آية 88: "فما لكم في المنافقين فئتين والله أركسهم يما كسبوا"، والثاني في سورة النساء أيضاً آية 91:"كُلَّ مَا رُدُّواْ إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُواْ فِيهَا"، وفي الحديث المشهور: "اللهم أَركِسْهما في الفتنة رَكْساً"؛
رَكَسَه يَرْكُسُه رَكْساً، فهو مَرْكوس ورَكِيسٌ،
يقال: رَكَسْتُ الشيءَ وأَرْكَسْتُه إِذا رَدَدْتَه ورَجَعْتَه،
والرَّكْسُ: قلبُ الشيء على رأْسه أَو ردُّ أَوله على آخره؛
جاء في تفسير الآية الكريمة "واللَّه أَرْكَسهم بما كسَبوا"؛ أي رَدَّهم إِلى الكفر مرة أخرى
والاْرتِكاسُ: الارتداد.
والرَّكْسُ: ردُّ الشيء مقلوباً
كما أسلفتُ من أن فاضل يجيد استخدام الألفاظ القرآنية وتضمينها في شعره.
إذن فهذه السنون التي يجرها الشاعر خلفه، هي في الحقيقة تجره للوراء وترجعه/ترده/تركسه. غير أن الشاعر لما قال في رميم الحظ، أضطرب عندي المعنى قليلاً. فالصورة التي رسمتها الكلمات في مخيلتي، هي حفرة مملوءة ببقايا حظه العاثر وأن السنين تسحبه للأسفل وتغرقه في هذا الرميم. فتبادر لذهني أن الشاعر استخدم الفعل أركسُ بمعناه العامي لا بمعناه اللغوي إلا وهو الارتداد والرجوع.
ورميم الحظ مجاز جميل. والحظ العاثر هنا يرجعنا لنهاية المقطع الأول من وقوف الدهر بالمرصاد ومنع الشاعر من تحقيق رؤاه. فرسمه الشاعر ههنا بصور رميم وهي أيضا لفظة قرآنية لها وقع شديد في النفس "قال من يحي العظام وهي رميم" والرميم في الأصل العظام البالية وتطلق مجازاً على كل شيءٍ بالي.
وبعد أن رسم هذه الصور القاتمة من تعثر الحظ، يقفز قفزة غير مبررة ولا مفهومة. "لن تبلى السرائر يومها". حاولت أن أربط نهاية المقطع ببداية فأعيتني الحيل، ويبقى المعنى في بطن الشاعر. ورغم أن تبلى السرائر تضمين قرآني ثالث "يوم تبلى السرائر" في سطر واحدٍ إلا أنني لم اشعر بهيبته لغموضه. فاليوم في الآية القرآنية معروف وهو يوم القيامة، أما يوم الشاعر والذي بدا بعيداً بقرينة ها المخاطبة، لم يصرح بموعدة ولا كيفية ولم يشرح لماذا لن تبلى السرائر يومها وعلاقة كل هذا بالسنين التي يجرها خلفه ورميم الحظ الذي يركس فيه.
أما "وخطاي موجفةٌ" فيجب أن تكون كذلك. فبعد كل هذه الصور المتلاحقة من اليأس، حقَّ لخطاه أن تكون خائفة، مضطربة، شديد الاضطراب لا تعلم أين تذهب. واستغرب من فاضل وهو من يعشق الألفاظ القرآنية استبداله اللفظ القرآني "واجفة" من الآية الكريمة: "قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ" بما دونه لفظاً ومعنى (موجفة) واللفظ القرآني لا يكسر وزنه!
ويأتي السؤال: "فإلى مَ تأخذني خطاي؟!" منطقياً، سالباً. فالشاعر يتساءل عن وجهة هذه الخطى والتي يتوجس الشاعر من أنها في غير الجادة، ولن توصله إلى ما يريد. والمؤثر في هذه الصورة أن الشاعر لا يملك إرادة هنا، وأن الخطى هنا حاكمة لا يملك أن يرد حكمها ولكنه مرتاب من نتيجة حكمها جداً.
وذكرني بالبيتين الشهيرين:
مشيناها خطىً كتبت علينا *** ومن كُتبتْ عليه خُطىً مشاها.
ومن كُتبتْ منيته بأرضٍ *** فليس يموتُ في أرضٍ سواها
وفي نفسي شيء من "إلى مَ"، أنا أعتقد أنها لا تأتي بمعنى إلى أين التي قصدها الشاعر. تقول العرب إلى مَ ترمي أي ماذا تقصد. وتقول إلى مَ هذا الحزن؟ أي إلى متى هذا الحزن؟ أو لماذا هذا الحزن؟
ربما أعود لأكمل،
سلطان اليباب
30-08-2010, 01:52 PM
ربما أغيّر موجفة إلى واجفة، أعجبني الاقتراح : )
أما (إلى مَ) فهي ليستْ إلى أين، إلى ماذا ... ما هو الشيء القادم الذي ستأخذني إليه.
أعود لموضوع تبلور الجحيم في رأسي، فهو ليس تبلوراً للعنوان إنما تبلوراً لفكرة الجحيم الأرضي أين يكمن أهم: الآخرون، المرأة، أم الأنا و أنا الآن في مرحلة الأنا الآن و هي راسخة في رأسي.
متابع عن قرب ...
محبة / فاضل
قراءة ماتعة أبا الحسن, وأحييكَ على هذه النظرة الثاقبة.
بالنسبة لِ "لبّث" أذكر أني قرأتها منذ زمنٍ بعيد في نهج البلاغة:
"لبّث قليلًا يلحقِ الهيجا حمل"
وأظن أن أمير المؤمنين علي "ع" كان في أحدى خطبه يستشهد بهذا الشطر.
لعلي أبحث وأجد قائله.
عادل دهنيم
30-08-2010, 08:55 PM
فاضل،
إن قصدتَ هذا المعنى، يختفي اللبس. ولكن "إلى أين ستأخذني خطاي" بدت لي أجمل.
ود،
عادل دهنيم
30-08-2010, 09:01 PM
أهلا أبا يوسف،
أشكرك على هذا التشجيع، وصحيح ما ذكرتَ، فقد ذكرها الأمام علي عليه السلام في إحدى رسائله لمعاوية راداً عليه وهي بنفس معنى المثل العربي المذكور:
(ذَكَرْتَ أَنَّهُ لَيْسَ لِي وَلِأَصْحَابِي عِنْدَكَ إِلَّا السَّيْفُ فَلَقَدْ أَضْحَكْتَ!
بَعْدَ اسْتِعْبَارٍ، مَتَى أَلْفَيْتَ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ عَنِ الْأَعْدَاءِ نَاكِلِينَ، وَبِالسَّيْفِ مُخَوَّفِينَ، فَلَبِّثْ قَلِيلًا يَلْحَقِ الْهَيْجَا حَمَلْ. فَسَيَطْلُبُكَ مَنْ تَطْلُبُ، وَيَقْرُبُ مِنْكَ مَا تَسْتَبْعِدُ، وَأَنَا مُرْقِلٌ نَحْوَكَ فِي جَحْفَلٍ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ، شَدِيدٍ زِحَامُهُمْ، سَاطِعٍ قَتَامُهُمْ، مُتَسَرْبِلِينَ سَرَابِيلَ الْمَوْتِ، أَحَبُّ اللِّقَاءِ إِلَيْهِمْ لِقَاءُ رَبِّهِمْ، وَقَدْ صَحِبَتْهُمْ ذُرِّيَّةٌ بَدْرِيَّةٌ، وَسُيُوفٌ هَاشِمِيَّةٌ، قَدْ عَرَفْتَ مَوَاقِعَ نِصَالِهَا فِي أَخِيكَ وَخَالِكَ وَجَدِّكَ وَأَهْلِكَ، وَما هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ.)
أشكرك على هذه اللفتة الجميلة.
ود،
عادل دهنيم
31-08-2010, 02:36 AM
(3)
سأجرُّ خلفي الآهَ والحزنَ المسجَّى في المدى
ما عاد يكفيني مداي
جفَّتْ عروقي في جحيمِ الويلِ أذبلني الظما
ويَبَسْتُ كُلِّي في ظماي
السبب الرئيس الذي جعلني أفصل هذه القطعة من النص عما قبلها رغم الوحدة العضوية المتصلة بينهما هو تغير الحالة النفيسة للشاعر في ما بينهما. في المقطع السابق الشاعر يرسم صورة ويوضح واقع قائم. هو هناك يجر سنينه خلفه بينما يركس في رميم حظه المتعثر. وخطاه مضطربة ولا يدري إلى ماذا ستأخذه هذه الخطى المتعثرة. صورة سالبة لا فعل ولا خيار للشاعر فيها.
أما في هذا المقطع ففيه فعل وقرار اتخذه الشاعر ليكسر السلبية التي اتشحت بها القطعة السابقة، وصيغة السرد ذهبت للمستقبل القريب "سأجر"، وإن كان هذا القرار هو ردة فعل للفعل السابق "أجرها"، وهو باب المشاكسة البلاغية.
سأجرُّ خلفي الآهَ والحزنَ المسجَّى في المدى
الشاعر سيجر الآه والحزن معاً. أوليس الآه هي نتاج الحزن، ووجود الآه يقتضي وجود الحزن، فلماذا أورد الشاعر الحزن بعد الآه. والمقتضى أن يكون الحزن أولاً ثم الآه. وأميل لأن ذكر الآه فقط كفيل برسم الصورة المبتغاه وما الحزن إلا ثأثيث جميل في الصورة. والحزن هذا مسجى في المدى، والتسجية هي تغطية الميت. والسؤال الذي يطرح نفسه إن كان الحزن مسجى فلماذا يجره الشاعر خلفه مشكلاً ثقلاً زائداً فوق ثقل السنين. أليس الأجدر بالشاعر بما أن الحزن ميت ومغطى أن يعجل بدفنه. وهل صحيح أن الحزن مسجى وهو حيُّ متدفق بالحياة في القصيدة بأسرها. أشعر أن صورة الشاعر هنا يشوبها الاضطراب وعدم المصداقية.
وهذا الحزن مسجى في المدى، والمدى الغاية. ويقال على مدى البصر، أي على قدر مدِّ البصر، وتطلق مجازاً على الأفق البعيد الذي لا يصله الإنسان. وأظن الشاعر استخدمه مجازاً لرؤاه وإن هذه الرؤى لم تعد كافية له وهو بحاجة لرؤى أعمق وأكثر نضجاً.
جفَّتْ عروقي في جحيمِ الويلِ أذبلني الظما.
العروق هنا كناية عن الأمل والحياة والتألق والنضارة، وهذه العروق قد جفت، ليدلنا الشاعر أنه فقد الأمل وبدأت حياته بالخفوت والذبول. والجحيم نعرفه، والويل حلول الشرِّ، والويل الحُزْن والهَلاك والمشقَّة من العَذاب، والويل وادٍ في جهنم. وباعتقادي أن الشاعر عنى هذه المعاني جميعها. والنتيجة الحتمية أن ذبل من الظمأ، وهو كناية عدم تحقيق أمانيه وأحلامه التي وقف الدهر لها بالمرصاد. فبتحقيق الأماني ينتعش الأمل ويحيا الأنسان، وتدور عجلة الحياة. ومن لا تتحقق أمانيه يفقد الأمل شيئاً فشيئاً حتى يصبح ميتاً بين الأحياء.
والنتيجة الحتمية لكلِّ هذا أن يَبَس كُلِّه (روحاً وجسداً) في هذا الظمأ.
ربما لا أعود قريباً!
سلطان اليباب
31-08-2010, 07:54 AM
ننتظر و نأمل أن تكون قريبة على الرغم من المشقة الكتابية ...
شكرا الله سعيك يا أبا الحسن : )
عادل دهنيم
04-09-2010, 02:30 AM
تقبل الله طاعاتكم وأعدنا الله لمثل هذه الليالي وأنتم بألف خير وعافية. بدأت رغبة الكتابة تخفتُ شيئاً فشيئاً، وبدأ الكسل يتسرب لدماغي الذي بدأ يركن للقراءة السالبة فقط. سأحاول أن أستفيد من الوهج المتبقي بداخلي لأكمل ثرثرتي عن القصيدة.
(4)
يا للهوى سلطانهُ أمضى، فقدِّمْ قيدَ أنملةٍ حصانَكَ، وانتظرْ
حمِّلْ حواشي الصمتِ، والآمالَ، والذكرى، وعطرَ الشوقِ، والآهاتِ، واصرخْ
انتظرْ مقدارَ نافلةٍ يؤديها صداي
أعترف أن هذا المقطع، خلط أوراقي. واستغربتُ من الشاعر ذكر الهوى وهو ليس في صدده. القصيدة بمجملها تطرح قضيةً أعمق من الغرام، أنها قضية وجود الشاعر، وهي قضية مصيرية جداً. غير أنه وبلا مقدمات يتساءل تساؤلاً تعجبيَّاً قد أُشبع طرقاً في الشِّعر، يا للهوى سلطانه أمضى! ولا يكمل، ولا يوضح هذا الهوى سلطانه أمضى من أي شيء. وأظنه يرمي بعدم إتمام صيغة المفاضلة من أنه أمضى من كلَّ شيءٍ. قياساً بـ "الله أكبر" أي أكبر من كلِّ كبير.
فأنْ هذا ما يرمي إليه الشاعر، فأميل لأنه قد سفَّه هواجسه وتساؤلاته الكبرى التي طرحها في مقدمة القصيدة. فهذا الغرام أكثر قوة منها مجتمعة. فكل هذا الحزن والآه والألم، لا يحدثون في النفس أثراً كما يحدثه هذا الهوى. وهذا مستغرب!
ويرتب على هذه التعجب " يا للهوى سلطانه أمضى" فقدمْ، والفاء هنا سببيه، أي أن سبب طلب أن تقدمْ أن الهوى أمضى. والمخاطب مجهولٌ ومفتوحٌ على كل الاحتمالات. غير أني أميل لأن المخاطب هو ذات الشاعر، إذ لا مؤثراً هنا يستطيع أن يغير المعادلات جميعا إلا الشاعر نفسه.
فقدِّمْ قيدَ أنملةٍ حصانَكَ، وانتظرْ! قيد أنملة كناية عن صغر وضئالة ومقدار المسافة المتطلبة. والأنملة هي طرف الأصبع الذي فيه الظفر بدأً من المفصل الأخير. والحصان كناية عن رغبة الشاعر الجامحة بأخذ زمام المبادرة وتغيير المعادلة. ويكفي الشاعر أن يمسك بزمام مبادرة التغيير ليرجح كفة الميزان لصالحه. فهو يأمر بعد أن يقدم قيد أنملة حصانه أن ينتظر. لأن هذا الانتظار والذي قدره الشاعر بمقدار الوقت الذي يؤدي صداه نافلةً كفيل لبلوغ غايته. وهذا التقدير للوقت جميل جداً.
ولا ينسى الشاعر أن يستفيد من وقت الانتظار، فيأمره بأن يحمل حواشي الصمت، أن يحمل الآمال، أن يحمل الذكرى، أن يحمل عطر الشوق، أن يحمل الآهات، ولا ينسى أن يطلب منه أن يصرخ، لأن لن يتحمل أن يأخذ كل هذه الأمور مرة واحدة فلا بد أن يصرخ ملء جوارحه.
ذكر الشاعر خمسة أفعال أمر، فقدِّمْ، وانتظرْ، حمِّلْ، واصرخْ، انتظرْ مرة أخرى. ولكن أين جواب الشرط. هل أغفله الشاعر عمداً، أم سقط سهواً؟ لان المقطع من غير جواب الشرط بدا لي ناقصاً يعرج!
أرجو أن أعود!
سلطان اليباب
04-09-2010, 08:20 AM
متابعٌ لا زلت .. أكمل قبل أن يحتوشك الكسل من كل ناحية و مكان
فقط أقول قد يكون : {وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى} و بغض النظر عمّا قد يكون أرجو ألا تغيب طويلا.
مع خالص المحبة و التقدير
عبدالله آل دعبل
06-09-2010, 12:50 AM
أبا الحسن أَوَأصابكم الكسل ؟؟
ننتظرُ أن تُتِمَّ ما بدأته ..
وسأُكرّرُها هاهُنا كثيراً (( ادعُ لنا صاحبك )) كي يُقدّمَ ما لديه , ففي النّهاية نحنُ من سيستفيد / الجميع ;nbalh;
سأُعلّق على شيءٍ كنت كتبتُهُ في متصفّح ( الجحيمُ أنااااي ) القصيدة :
أنت أتيت بما هو الصّحيح عن كلمةِ ( لا أُبالي ) أنّها لا أُبالِ .. بحكم الـ " لا " وموضعها النّحويّ في القصيدة أو الجملة ..
قلتُ وقتها أنّ هذه الـ لا أُبالي , قد يكونُ لها مواضعٌ كثيرة ..
ما ذا لو كانت بمعنى " ليسَ / لستُ أُبالي ؟؟
بالطّبع لمْ يُرد فاضل ذلك ... :an:
عادل دهنيم
06-09-2010, 05:35 AM
(5)
سيكونُ أقرحُ للعيونِ إذا تفرَّى الحلم من عيني وأرَّقني مليَّاً ما تشظَّى من كراي
سيكونُ أنكأ للشجونِ إذا استفقتُ على فحيحِ الليلِ، قعقعةِ الهواءِ، صهيلِ أوردتي اليبابِ، صرير أضلاعي
وأدلَجَ كلُّ هذا في حشاي
محَّصتُ جوفي عَلَّني أجدِ الحكايةَ...لم أجدْ إلا أساي
عاد الشاعر هنا لأصل القصيدة بعيداً عن الهوى الذي جاء كسحابة صيف.
بعض المفردات تخطف النظر لها، ويرنُّ جرسها في الأذن. تَفَرَّى واحدة من هذه الألفاظ. والشَّاعر عادة ما يكون حريصاً أن يقتنص هذه الألفاظ ويستخدمها بفعالية لشدِّ انتباه القارئ وصنع دهشته. وتَفَرَّى هنا تعني الانسلاخ والانشقاق. وكأن حلم الشاعر هو بمثابة جزءٍ من أصل العين وإن هذا الحلم تفرَّى من العين، فتخيل حجم الألم الذي ينتج من هكذا انسلاخ، وقد قالت العرب "لا همَّ كهمِّ الدَّيْنِ، ولا وجعَ كوجعِ العين". أعتقد أن الشاعر موفق جداً في اختيار هذه الصورة، فضياع الحلم مؤلمٌ جداً، وفوق التصور.
وبالتبعية فأن الكرى سيغادر هذه العين، وشبه الشاعر الأوقات القليل التي تنعم بها هذه العين بالشظايا المتفرقة والعجيب أن هذه اللحظات القليلة من النوم هي التي تؤرقه طويلاً وتسلبه النوم. اللعب على المتناقضات جميلٌ جداً.
سيكونُ أنكأ للشجونِ إذا استفقتُ على فحيحِ الليلِ، قعقعةِ الهواءِ، صهيلِ أوردتي اليبابِ، صرير أضلاعي.
هنا تكرار جميل لنفس صيغة الخطاب وسجع بديع بين "سيكونُ أقرحُ للعيونِ" و " سيكونُ أنكأ للشجونِ" وربما الهدف من هذه التكرار هو التأكيد على ذات الألم. هنا شجون الشاعر تزاد ألماً عندما يفيق الشاعر من نومه الذي يؤرقه أصلاً على فحيح الليل، وقعقة الهواء، وصهيل أوردته اليباب، وصرير أضلاعه، وكلها أصوات تعتبر مخيفة ونشاز، لا تتناسق مع بعضها بأي حال من الأحوال. وكلها صور جميلة باستخدام المضاف والمضاف إليه.
الجميل هو محاولة الشاعر الجادة للحفاظ على الوحدة الموضوعية للقصيدة، فالصهيل يرجعنا لـ "فقدِّمْ قيدَ أنملةٍ حصانَكَ"، وأورتي اليباب إشارة واضحة لـ "جفَّتْ عروقي في جحيمِ الويلِ"، وفحيح الليل تكملة صورة "والنَّهارُ يَلفُّ ما أسداهُ من ألمٍ ويمضي"
"وأدلَجَ كلُّ هذا في حشاي"
الفعل "أدلَجَ" لم أفهمه. أولاً لأنه فعل ماضي من غير فاعل ظاهر في القصيدة ورغم محاولاتي لمعرفة الفاعل إلا أنني لم أفلح.
ثانياً هذا الفعل له معنيان لا صلة بينهما. معنى عربي أصيل وهو المسير في الليل. أَدْلَجَ القومُ إِذا ساروا الليلَ كله، فهم مُدْلِجُونَ. ومعنى معرب مأخوذ المصطلح الانكليزي Ideology، وأقرب معنى لهذه المصطلح الضخم في ذهني الآن هو التنظير. فيقال هذا الأمر مُؤَدْلج أي منظَّر له، والأدولوجيا التي بنيت عليها هذه الفلسفة هي أيدولوجيا مادية أي مرتكازاتها التي ارتكزت عليها، وأدْلَجَ الأمر أي أحالة لأيدولوجيا معينة. فايهما يقصد الشاعر؟ أعتقد أن فاضل هو من يستطيع أن يجيب على هكذا تساؤل. لأن كل المعنيين لم يوصلاني لشيء مفهوم!
"محَّصتُ جوفي عَلَّني أجدِ الحكايةَ...لم أجدْ إلا أساي"
كما أسلفتُ، الشاعر يجيد ربط القصيدة ببعضها، فالحكاية هنا هي ذاتها في "لكَ أن تعيدَ حكايتي عصفورةً منتوفةً" وهذه الحكاية هي ذاتها الأسى الذي يعيشه الشاعر والذي أشبعه حديثاً على مدى القصيدة.
يمكن بعد العيد أعود،
ود،
عادل دهنيم
06-09-2010, 05:44 AM
أبا الحسن أَوَأصابكم الكسل ؟؟
ننتظرُ أن تُتِمَّ ما بدأته ..
وسأُكرّرُها هاهُنا كثيراً (( ادعُ لنا صاحبك )) كي يُقدّمَ ما لديه , ففي النّهاية نحنُ من سيستفيد / الجميع ;nbalh;
سأُعلّق على شيءٍ كنت كتبتُهُ في متصفّح ( الجحيمُ أنااااي ) القصيدة :
أنت أتيت بما هو الصّحيح عن كلمةِ ( لا أُبالي ) أنّها لا أُبالِ .. بحكم الـ " لا " وموضعها النّحويّ في القصيدة أو الجملة ..
قلتُ وقتها أنّ هذه الـ لا أُبالي , قد يكونُ لها مواضعٌ كثيرة ..
ما ذا لو كانت بمعنى " ليسَ / لستُ أُبالي ؟؟
بالطّبع لمْ يُرد فاضل ذلك ... :an:
أهلاً بك عبدالله مرة أخرى،
صاحبي يسمع ويرى، وهو هنا يقرأ، كلَّّ كلمة أكتبها ويبدو أنَّه لم يعجبه أيضا، فآثر السكوت. ليتني أستطيع أن أجبر أي أحد على الكتابة، لأجبرتُ نفسي!
وأعتقد أن فاضل قال "لا تبالي" وليس لا أبالي. بصيغة المخاطب المذكر. وهي صيغة نهي لا نفي.
ود،
سلطان اليباب
06-09-2010, 08:01 AM
جميل يا أبا الحسن، لا زلتُ أتابع و يروقني جداً البحث فيما وراء المعنى و لكني لا أفصح كثيراً عن المعاني (أدلج بالمعنى الفصيح عموماً)
بمناسبة "لا" قيل لي سابقاً إن لها مخارج كثيرة لكني لا أفقه في النحو أي شيء فلذا لا أجادل كثيراً حولها و فضَّلت المخرج الأول الذي أراه بما أنه لا يودي بالوزن إلى الهلاك.
و أيضاً بانتظار الـ يتبع إن جاء بعد العيد.
عبدالله آل دعبل
07-09-2010, 12:52 AM
أهلاً بك عبدالله مرة أخرى،
صاحبي يسمع ويرى، وهو هنا يقرأ، كلَّّ كلمة أكتبها ويبدو أنَّه لم يعجبه أيضا، فآثر السكوت. ليتني أستطيع أن أجبر أي أحد على الكتابة، لأجبرتُ نفسي!
وأعتقد أن فاضل قال "لا تبالي" وليس لا أبالي. بصيغة المخاطب المذكر. وهي صيغة نهي لا نفي.
ود،
أبا الحسن بالنّسبة لطلبي الحثيث لصاحبك أن يأتي ويقول ورقته , فهي كي نستفيدَ أكثر .. ولإن جاءت مشاركتي الأولى فظّةً واستفزازيّةً ولا تليق فلقد تعمّدتُ ذلك لكي أستثيرهُ لا لكي أُقلّلَ من شأنهِ أبداً .. , كنت قد قلت فيما معناهُ هنا (( أنّ هؤلاء وآراءهم بلاءٌ على الشّعر )) , لكن وكما أسلفت وكما قال فاضل فهو رأيه الذي نحترمه ونطمحُ لأن نراه , ومنذ البداية منتُ أحسّ أنّ صاحبكم يسمعُ ويرى وهو هنا ..
أيضاً فيما يخص (( لا تبالي )) التي حوّلتها بنصفِ ذاكرتي إلى لا أُبالي .. فهذا لأنّها جاءت معي في نصٍّ قديم فاختلطت الأوراق في بقايايَ
في الاخير أتذكّرُ الآن كلمةً قالها أبو صادق في متصفّح المواويل لأبي حسام ما معناها :
بديتوا تكبسوا المواويل أنت وأبو جواد وأحنا المستفيدين ;co;
ننتظرالمزيد من جمالكم
الأكل دوماً
;.;
عادل دهنيم
09-09-2010, 10:17 PM
(6)
يا عزَّ أنْ أدري بشكوى الروحِ إن حَشَكَتْ عراجين الظنونِ بها
والشَّكُ ينضجهُ هواي
يا عزَّ ألاَّ حولَ لي فأجولُ هذي الأرضَ لا ألوي على أملٍ
أُمنِّي النَّفس ... أنهكني مناي
أظن أن الشاعر يقصد بصيغة النداء "يا عزَّ": يَعُزُّ عليَّ"، يقال: عَزَّ عليَّ، يَعِزُّ أَن أَراك بحالٍ سيئةٍ، أَي يَشتَّدُّ وَيَشُقُّ عليَّ. غير أن هذه الصيغة، صيغة المنادى التي استخدمها فاضل، لم أسمعها من ذي قبل، وأذني رفضتها رغم محولاتي تكرارها مراتٍ ومرات. وعلى فاضل أن يبين أصولها اللغوية لنا كي نستفيد كما استفاد.
وأنا – في الوقت الراهن – سأحملها على المعنى الذي ذكرتُ كي أكمل. يقول الشاعر: أنه يعزُّ عليه أن يدري بشكوى الروح إن حشكتْ عراجين الظنون بها. سأضطر أن أشرح الفعل حشك وهو فعل له وقع جميل في الأذن:
الحشَكُ: شدة الدِّرَّةِ في الضَّرْع، وقيل: سرعة تجمُّع اللبن فيه.
وحَشَكَت الناقةُ في ضرعها لبناً تَحْشكه حَشْكاً وحُشُوكاً، وهي حَشُوك: جمعته؛
وحَشَكت النخلةُ، وهي حاشِك: كَثُرَ حملها.
وحَشَكَ القومُ حَشْكاً: حَشَدُوا وتَجَمَّعُوا؛
وحَشَكَتْ الريح تَحْشِكُ حَشكاً أَي ضعفت واختلفت مَهَابُّها.
ورياح حَواشِك: مختلفات المَهابِّ.
وبالمرة:
العُرْجُونُ: عِذْقُ النخلة، إذا يَبِسَ واعْوَجَّ، وجمعه عراجين. ومنه الآية الكريمة "وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ"
وللعرجون معاني أُخر لا أظن الشاعر قصدها.
من السياق أميل لأن الشاعر قَصَدَ بحشكتْ أي تَجَمَّعَتْ واحتشدتْ. يقول الشاعر: أنه يعزُّ عليه أن يعلم بشكوى الروح إن احتشدتْ عليها عراجين الظنون.
نقاط جميلة يجدر الإشارة لها.
1. الشاعر وروحه هنا ذاتان منفصلتان انفصالاً وجدانياً. فالشاعر لا يعلم ما يعتلج في روحه من ألمٍ وظنون. وعندما علم ذلك عزَّ عليه الحالة التي وصلت إليه روحه.
2. الروح هنا معرفة بأل التعريف وليست مضافة لياء الملكية "روحي" ليعزز حجم الانفصال الوجداني بينه وبين روحه. والقيمة الفنية لهذا الانفصال تأتي من استخدام الشاعر "نظرة الطرف الثالث" third party point of view وعادة ما تستخدم هذه التقنية لتقييم الذات وإعطاء نظرة محايدة للأمور.
3. إضافة العراجين للظنون، أعطى صورة مخيفة لهذه الظنون، فقد تعتقتْ هذه الظنون في روحه حتى صارت معوجة يابسة صلبة. والظنون عادة إذا ما طال أمدها في النفس استشرت كزرعٍ أخرجَ شطْأهُ فآزرهُ، فَاسْتَغْلَظَ، فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ، وظهر لأصوله فروع ولفروعه أوراق. غير أن الصورة مغايرة هنا تماماً. وقد يطول بنا المقام إن أردنا أن نفهم لماذا ظنون الشاعر هنا يغيرها الزمن بخلاف الظنون الطبيعية في نفس أي أحد؟
4. استخدام لفظتي "حشكت عراجين" أعطى للمقطع جمالاً صوتياً مغايراً، استخدمه الشاعر بحرفية لتوجيه الانتباه للمعني الذي يريد.
"والشك ينضجه هواي"
ما الفارق بين الشكِّ والظنِّ؟
لماذا ذكر الشاعر في الفقرة الأولى الظنون، وفي الفقرة الثانية ذكر الشك؟
لغوياً كما في لسان العرب، الظنُّ: شك ويقين، إلاَّ أَنه ليس بيقينِ عِيانٍ، إنما هو يقينُ تَدَبُّرٍ، فأَما يقين العِيَانِ فلا يقال فيه إلاَّ علم. وفي التنزيل العزيز: إني ظَنَنْتُ أَني مُلاقٍ حِسَابيه؛ أَي علمت، وكذلك قوله عزَّ وجل: وظَنُّوا أَنهم قد كُذِّبُوا؛ أَي علموا، يعني الرسل، أَنَّ قومهم قد كذبوهم فلا يصدقونهم.
أما الشكُّ: فهو نقيض اليقين،
نخلص لأن هذا الشكُّ الذي ذكره الشاعر هنا ليس يعني به الظنون التي أصبحت عراجين لقدمها في المقطع السابق. وقد أفرده وعرفه ليعطيه دلالةً شموليةً وقوةً وجبروتاً في نفسه. وأميل لأنه يقصد الشك بما هو خلاف اليقين، اليقين في كلِّ شيء وفي أي شيء. ولا يقصد به شكٌّ معين في شيءٍ معين.
وهذا الشكُّ ينضجه هواه. وإن كان يقصد الشاعر بالهوى هنا الغرام أو بمعناه المطلق وهو رغبات النفس الأمارة بالسوء كما في قوله تعالى: "أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ"، فهو صورة بلاغية معكوسة بديعة.
فهذا الشك كما فاكهة نضرة تنضج، وأن ما يقوم بإنضاجها هو الهوى. غير أن الشاعر قام بعكس الصورة لما يناقضها، فالشيء أذا نضح حان أوان قطفه والاستمتاع به. إلا أن الشكُّ عندما ينضج يبلغ أمده في القلب ويفريه فري السباع لفرائسها.
والصور البلاغية المعكوسة جميلة جداً ومدهشة جداً. ومن أبدعها قوله تعالى:"فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ"
فصورة الفرار صورة مفزعة ومخيفة وعادة ما يفر الإنسان من شيء لا إلا شيء. وتقول العرب التجأ إلى مكان أمن، لا فرَّ إلى مكانٍ أمن. غير أن الصورة المعكوسة هنا أعطت معنى بلاغياً جميلاً. وتصوروا أن رجلاً ما يفرُّ من مفترس يريد أن يفترسه. وبهذا الخوف، وهذا الفزع، وهذه السرعة، وهذه الرغبة في النجاة، يريدنا الله أن نتوب إليه.
" يا عزَّ ألاَّ حولَ لي فأجولُ هذي الأرضَ لا ألوي على أملٍ"
تكرار لصيغة النداء السابقة وهنا يعزُّ عليه أن لا حول له في كل هذا الضياع، وتغلغل الشك، واحتشاد عراجين الظنون، وفقدان الأمل. فلا يوجد أمامه خيار غير أن يجول الأرض غير أن هذا الاغتراب الاختياري لا للبحث عن أمل.
فهو سيجول الأرض لا يلوي على أمل. قالت العرب أَلْوَى الرجلُ برأْسِه ولَوَى رَأْسه: أَمالَ وأَعْرضَ، ومنه قوله تعالى:"فَلاَ تَتَّبِعُواْ الْهَوَى أَن تَعْدِلُواْ وَإِن تَلْوُواْ أَوْ تُعْرِضُواْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا"، ومنه قوله تعالى: "وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُؤُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ"
وقال الشاعر:
يا سيدي يا رسول الله خذ بيدي *** مالي سواك ولا ألوي على أحدِ
و"لا ألوي على أملٍ" كتركيبة لغوية مطروقة من قبل، غير أنني هنا أرى أنها في غير مكانها. فما فائدة أن يغترب الشاعر عن وطنه ويجول الأرض لمجرد التجوال والتشرد فقط. أعتقد أن هذا عبثية أثقلت النص. لكنه ينهي بجملة جميلة جداً، أُمنِّي النَّفس، أنهكني مناي. فالأماني وعدم التوصل لتحقيقها هي ثيمة القصيدة الخفية.
والجميل أن الشاعر جاء بالفعل أمني مضارعاً موحياً بالاستمرار، أي أنه مازال يمني نفسه بالأماني، فما الجدوى إذن من أن يمني نفسه وهو لا يلوي على أملٍ أن تتحقق هذه الأماني هنا عبثية النص!. والفعل أنهك جاء به بالماضي ليدل على قدم الإنهاك ويتماهي مع ما قاله في مقطع سابق هذه السنين أجرها... واللعب على أزمنة الأفعال جميل هنا.
سوف أعود،
سلطان اليباب
10-09-2010, 09:53 AM
أهلا يا أبا الحسن
اسمتمتعتُ كثيراً بالإضافة الأخيرة و لا أخفيك أني قلتُ في نفسي أنها أفضل من القصيدة ذاتها، ما فعلته في "يا عزَّ" أني حذفت المنادى أي أنها هكذا: يا *** عزَّ...
أنتظر العودة
سنابسي الهوى
10-09-2010, 07:28 PM
أبو الحسن أغبطك على هذا النفس الممتد فالتحليل والتفكيك لأعضاء النص لجزيئات وربطها من جديد برؤاك وتحليلاتك الجميلة يحسب لك كمهارةٍ دأبتَ على تنميتها وإعطاءها الوقت الكافي من البحث والتمحيص بالرجوع لمصادر اللغة وجذور المفردات التي تدعم بها شواهدك وانطباعاتك أو أنك تبدد بعض الشكوك والملابسات لتتيقن من صحة مايخالجك من التباسٍ ما
والتساؤلات تولد أفكاراً جديدة بحاشية النص
رغم عدم صلة القرابة فيما بين الطرفين
لك جزيل الشكر
عادل دهنيم
11-09-2010, 05:45 PM
(7)
- قُلْ ما الجحيمُ؟
- أظنهُ خذلانُ قافيتي
- وأظنهُ، شيطانُ أمنيتي
- وأظنهُ الذوبانُ في أنغامِ ناي
- وأظنهُ الإنسانُ لو خارتْ خلايا الحبِّ فيه،
- أظنهُ حتماً أناي!
اختتم الشاعر قصيدته بحوار مفتوح مع الآخر. والأخر هنا كما رجحتُ من قبل أن هو نفسه الشاعر. فالشاعر يسأل نفسه ما هو الجحيم؟ وهو لا يسأل عن تعريف الجحيم، بقدر ما يسأل عما يخلق هذا الجحيم!
فيجيب نفسه من أنه يظن الجحيم هو خذلان قافيته. والقافية هنا مجاز عن الشعر وليس القافية بذاتها. فالشاعر استعاض عن الكل بالجزء وهو باب جميل من المجاز كما في قوله تعالى:"فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلا تَحْزَنَ" فذكر العين وهو الجزء وقصد بها الجسم والروح معناً.
وخذلان الشعر بالنسبة الشاعر الذي يعتدُّ بشعره، شيء مؤلم جداً. وأميل أنه يقصد بالخذلان هو فترة انقطاع الإلهام عنه، وحقَّ أن تسمى هذه الفترة بالجحيم!
ويظنُّ أيضاً أن الجحيم هو شيطان أمنيته. وهو معنى دقيق جداً مقتبس من قوله تعالى:"وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلاَّ إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ"
وبعيداً عن كل المدارات الحوارية بين الشيعة والسنة في تفسير وتأويل الآية الكريمة، فأماني الأنبياء تتركز في إعلاء كلمة لا إله إلا الله ونشر الحق والفضيلة بين بني البشر وما يلقي الشيطان في هذه الأماني هو محاولاته الدؤبة لعدم تحقيق هذه الأماني العليا.
وبالقياس، فشيطان أمنية الشاعر، هو كلُّ ما يَمنعه من تحقيق أمانيه ويحول بينه وبينها، مما يرجعنا لثيمة القصيدة وهو الأماني الضائعة للشاعر. وهذا بالحق حجيمٌ مُسْتَعِرٌ!
ويضيف الشَّاعر وأظنهُ الذوبانُ في أنغامِ ناي، وهو واضح جداً. غير أنني أعتقد أن قافية الناي هي ما جعل فاضل يقحمه في القصيدة. فبالله عليك يا فاضل أين الجحيم في الذوبان في أنغام الناي! برأيي فاضل غير موفق في هذه الصورة.
"وأظنهُ الإنسانُ لو خارتْ خلايا الحبِّ فيه"،
ويقصد بهذه الصورة الجميلة جداً أن الإنسان عندما يفقد قدرته على الحب، والحبُّ هنا بمعناه المطلق للمفردة، وليس الحب بمعناه الخاص، هو بالحقِّ جحيم صالية.
وقد أجابني من أثق في حكمته عندما سألته "لماذا ينتحر الإنسان، أي إنسان؟! فقال عندما لا يجد الإنسان ما يحبه في هذا الوجود، حتى نفسه، يبدأ في التفكير في الانتحار، وعندما يفكر المرء في الانتحار، يتكفل الشيطان بالباقي!
ويختم الشاعر بالمفاجئة المترقبة والتي انتظرناها طويلاً، من أن الجحيم هو أناه. وأميل لأن الشاعر عنى بالجحيم كل ما ذكره أعلاه، وخصَّ الجحيم واختتم به لأنه قمة الجحيم والباقي هي مراحل لهذا الجحيم.
ولا أنسى أن أشيد بتقنية الحوار في الشعر وبالأخص المونولوج، حوار النفس مع صاحبها. وقد أجاد فاضل هذه التقنية هنا رغم قصر مقطوعة الحوار.
قلتُ في مسار تبريراتي للغوص في هذا النص، أنني أردتُ ذلك من أجل نفسي، وأنا سعيد جداً لأني بذلتُ هذا الجهد. أرجو أن أكون بهذا الجهد قد حَبَّبتُ النص لصديقي وآخرين من دونه لا تعلمونهم الله يعلمهم. نعم فاتتني جماليات كثيراً في النص لجهلي بها. وهذه الصفحة تظل مفتوحةً لمن أراد أن يضيف ويناقض ويعارض ويفند ويبدي رأيه بكلِّ أريحية.
وختاماً قل لا أقول لكم عندي خزائن الأدب، ولا اعلم النقد، ولا أقول لكم إني شاعر. إن اتبع إلا ما توحي اليَّ ذائقني، فإن أصابت فلها وإن أخطأت فعليها.
ود،
سلطان اليباب
11-09-2010, 08:00 PM
جميل جداً يا أبا الحسن
و بالطبع أنت اصطدت شيئاً أنا غير مقتنع بحبكته، و هو "الذوبانُ في ألحان ناي" ... الخيال في الصورة التي أريدُ لم يتأتى بشكله الصحيح و الناي لم يكن من أجل القافية فقط إنما لأني مقتنع أن في صوت الناي شيء يجعل الروح تذوي وتذوي و لو قيل إن صوت الناي هو الأنين لما زايدت.
لكني لا أنكر أني غير مقتنع بالتركيبة هنا و قد تجاوزت عنها رغماً عني، لكني سأرجع لها بتعديل مناسب للشيء الذي أريدُ لاحقاً أو سأعيدها لما كانت عليه قبل أن أغيرها... بالمناسبة كانت الجملة هي"و أظنه الأشجانُ في أنغام ناي"
هنا أتقدم بالشكر الجزيل على هذا المجهود الجميل تجاه النص.
تقبَّل تحياتي
vBulletin® v3.8.4, Copyright ©2000-2012, TranZ by Almuhajir