سلطان اليباب
05-10-2007, 05:44 PM
تسألني إن كنتُ أجدُ متسعاً لحزنٍ آخر هذا العام...
لا يوجد ما يتوخاهُ المنكوبُ على شاطئ الجفافِ ، يبابٌ يستشري حتى تخوم البحر ... كلما اغترفتُ لأشربَ من مائهِ ازددتُ عطشا كموئلٍ من الجمر لهاربٍ من نار.
يصافق حزني العاتي ، تتماوجُ بي أرجوحةِ الفقدِ ... كان الناسُ يحتفلونَ بعيدهم و كنتُ في دوامةِ الشكِ بمجيء عيدٍ دونه! مذ أفل ، أفلتُ معه. بقيتُ شبحاً أعيشُ صورةً باهتةً تآكلتْ و علاها الغبار فالصغيرُ الذي يشاغبُ بعبثهِ في إسقاطاتِ ذكراتي ما زالَ يلعبُ على مدارجِ الفاقة!
للجدار الـ يكادُ ينقض و لا شيء يرممه، للعالم الذي لا يجدُ من يستحثهُ على اقتفاء أثر مسارٍ ما عاد يوصلهُ إلا إلى جهةِ العدم
لي، علّي أجدهُ متكئاً على نمارقَ من سندس أو استبرق
أو أجدني في هاويةٍ من جحيمِ عالم آخر غير هذا الذي تعِجُّ أرواحنا فيه بشغف الحرف و لا الآخرُ الذي تموجُ أنفسنا فيه بثقل أنفاسنا أو شزر نظراتنا...
و تسألني عن الروح!
و الروحُ هنا ساكنة كـ نَفَسِ الوسنان
و تسألني عن الكلمات و معناها!
و كلماتي متخثرة و نازحةٌ إلى الجمود
كنتُ بكاملِ انفعالاتي لكني لم أحسن الرقص على أعوادِ القصبِ و لا سرادق اللحظة
كنتُ بكامل تفاصيلِ حزني السرمد و وجعي المسهد
كنتُ أنا، ربما ، أو بعضاً مني حاضراً بعنفوانٍ مهيض
لم أتدثر بوشاحاتِ الزيف و لم ألبس قبعة الكبر
بين روحي و روحكِ لا يوجدُ إسفينٌ يبددُ القربَ لذا كنتِ الأكثر مقاربةً لي في بوحي المخنوق و المرتادةَ حلقة حدادي.
لن ألبسكِ أفولي فأنتِ لم تخلقي للأفول
لنحتسي كأس الحزن خارج نطاقِ العيد ، لا أجدُ فرحاً أتباهى به غير الوهم الذي يجتاحني الآن ... سأقرعُ نواقيس البهجةِ و أنتخبُ من زجاجاتي أكثرُهم جلالةً و حضوراً، معتقة ٌ كما ينبغي لـ لحظةٍ نتشاركُ فيها وهم السعادة ... هاتي كأسكِ و اضربيه بكأسي و لنتشارك و هم وجودنا.
لو كانتْ اللحظاتُ أشياءَ يمكن استبدالها أو شراؤها لكنتُ قايضتُ سني عمري كلها مقابل اللحظة التي تستقرُّ تماماً وسطَ قلبي!
اللحظة التي تدورُ حكايتي كلها حولها
تسألني عن المادةِ و تبعثر الرملِ في وصاية الريح
و لا حجر يستحيلُ في دورتهِ ماءا...
يبعثُ الماءُ في دورتهِ ندفَ غيم ، يتأججُ خيالهُ في عقلِ الحجرِ و عقلِ المعدن. يتسرَّبُ ذراتٍ في صورةِ المادةِ البكرِ / السائل ، أو في صورةِ المادةِ البخارِ على رفيفِ أجنحةِ المتطايرِ الهواء. يتجمّدُ دمعاً على شفا جفنِ المحزونِ أسىً، يتجمّدُ طافٍ على صفحةِ البحرِ الخاملِ عن مراقصةِ الريح، المتماوجِ بياضاً لا حدَّ لهُ في توصيف أعراضِ الرعشةِ في حقائق المادةِ الجماد. يهطلُ فجاً صيرورةَ النتحِ من ثقوبِ المزنِ المثقلةِ عن حملها، فيضاً لا تجمعهُ أكفُّ الدعاءِ و لا تحتويه الأواني أو حتى السدود. يتدفقُ نبضاً لا ينضبُ و هكذا خلقاً بعد خلق...
لستِ من الحجر ... " و خلقنا من الماء كل شيء حي"
و لا دعاء يتجمعُ في أكفٍ نشرتها و لمَّا تجفُ أبدا و تلكِ التي علقتها مدلاةً في خابية قلبكِ " ماذا وجد من فقدك وما الذي فقد من وجدكَ"، كانت حرزاً فقدتهُ في دربِ التفتتِ ذراتٍ و بقايا. فما عدتُ نابضاً إذ أن رياحَ الفقد تبددني غباراً و تنحتُ في مادتي الحجرِ نقوشاً و طلاسمَ للشياطين!
شهقاتي المحكمة كلها طائشة، وزنتها بميزانِ الحزنِ فلم ترجحَ مكيالَ دمعٍ من عيني تلكَ المتزنرةِ بحيزومِ الصبر. احتجتُ في أنحاء الفاقةِ ليديه المتجرشةِ تؤبنُ فقدي لمفاتيحِ البسمةِ على مشارفِ سنينِ الفزعِ الأولى. احتجتُ لحجرهِ الشاسع الحنان أتمرغُ في طينه و أشمُ رائحة البحرِ في عرائه ... يا للشقاء كيفَ يتبدى كائناً يستلهمُ طبائعَ الشكلِ الأمثلِ لحجر النار في عنفوانِ لهيبها، سطوة الحريقِ على فراخٍ لا تطيرُ إلا ناحية فنائها!
لا أصابع يمكنها رسمُ ملامحَ الحزنِ الأعتى في الذكرى الثلاثين للفقد ... أمدٌ لا يحسنُ تصريف أحوالِ الغياب و لا عجنه و تشكيله وهماً ينسفهُ النسيان. سأبقى مطحوناً برحى الحزنِ حتى أثوبَ إلى الواقع . لا يوجدُ لدي ما أباهلُ بهِ اللحظاتِ لاعتذارٍ يليق عن وهم وجودي
الأفولُ بدأ مذ انداحَ الحزنُ كثيباً بحجمِ المدى و توارت مفرداتِ صلاتِكَ خلفَ حجاباتها الخانقة . مذ كبسَ الغبارُ على الأفقِ في يومٍ لطالما لعنته ، لطالما وددتُ أن أنشبَ فيه أظافري حتى أراهُ مُزَقاً ... لا أحجبةَ تشفي اللوعةَ في صدري و لا براعم فرحٍ قد تنبتَ وسط رمادٍ ينزوي في قاعٍ غوي ، لا أظنني أشفى منهُ حتى ألقاه
يوجدُ شرخٌ يصدِّعني و لستُ أجدُ ما يرأبه ...
كلُّ عامٍ يستفيقُ ليتسع
لا أجدُ من الحروفِ ما يليقُ بحزنٍ يتغلغلُ ثلاثين عاماً و لا يجف !
ما كنتُ لأكتبَ كلماتٍ تتكلس فيها الحروف جافة عن معاني العلوم المختزنة فيها ، و لذا كان حتمياً أن يستبدُ بي الوجدُ مع انحاءاتِ الحروفِ و في تدونِ سيلِ انفعالاتي على دفةِ اعتلاجاتها . اتقرَّى كينونةَ الملامحِ في صورٍ وشِمتْ في جدرانِ ذاكرتي ، فمن يقشر معي حدقةَ المعلومِ المرئي لاستبيان حقائقِ اللامعلومِ الخفي؟!
لا مجالَ لانتهازِ حتميةِ وقوعِ المحتالِ عنهُ باستلابهِ حقيقةً في سيرورة العبثِ ببلورةِ القدرِ المؤجلِ حدوثه . الحزنُ كنايةً عن عدمِ الرضا بطبائعِ الحدثِ لكنهُ ليسَ تبرماً من حكمِ القلمِ في سطورِ اللوحِ أو في اقتفاءِ الضالعِ من نتوءاتِ عروجه إلى حيّز اللاوجودِ دونَ فكرةِ فقدهِ أو غيابه .
خدّاعةٌ هي الكلماتُ إن لم تلامسَ سطحَ مشاعرنا لتتغلغلَ فيها كدراً كانتْ أو صفوا . مائلٌ إلى الحزنِ في احتدامِ فتيلِ الأزمةِ و اشتعالاها ذبالةَ ذاكرةٍ تحترقُ ، تستنفدُ صورَ اللحظةِ ، يتأججُ خيالُ اللونِ فيها فيختزلهُ انسرابهُ مني إلى إثمدٍ مطحونٍ أكحل به جفناي في حرقةٍ لا يهدأ أوراها .
لا أجدُ في العمرِ متسعاً للنحيبِ حتى لو تضاعفَ عدد السنين ، لن يسدَّ الحزنُ كوَّةَ غيابهِ ، و لن تردمَ الفجوةَ التي خلَّفَ غفلةٌ أو مخاتلةٌ مفتعلة!
الحروفُ زاخرةٌ بالمعنى و أكادُ أفقدُ معناي أمامها
تقفين - الآن - هنا تماماً في وسطَ الذاكرة ، الذاكرةُ المهترئةُ إلا من بضعِ صورٍ تحرِّضُ على اقترافِ إثمِ الكتابةِ . جسرٌ معلقٌ ، برزخٌ أمدٌ لا موئلاً لخطوٍ يتدوزنُ على إيقاعِ الماضي ... نشيجٌ يختصرُ الشوقَ لذلك الـ راح أبداً و الـ راح شيرجعه؟!
تبتلُ الحروفَ هنا بما يسِّحُ حزناً ، أعجنها ، أشكلها ، تجففها أنفاسي ... هشةً تبدو و قابلةً للكسر كـ أناي تماما!
لا أجدني في حضوري أستلهم إلا خرائب الكلمات!
لا زلتُ في عامٍ مليء بخيباتٍ لا تنْحلُ عن أجواءَ تدعو للرضا و لا للبهجة ... سـ أظلُ أبتهلُ لعامٍ تنفكُ فيه عرى الخيبات ... و ربما لا انفكاك أرجوه من براثنها المخترقةِ لوجودي. سأرسل قوارب الأمل تجاه مواعيدٍ مؤجلةٍ لا تقاربُها ساعةُ أمل... و سـ أنتظر ما تفضي به الأرقام من بهجة أو خيبة تفقسُ من عش الأماني. ها أنذا أستحضر ذاكرةً محملةً بالوهم لكني لم أستحضر الألم و لم أدعيه، فهو يسكنني و ينفخ في صدري فقاقيع ألمٍ بأحجامٍ مختلفةٍ في كلِّ ذكرى له!
حزينٌ هذا العام كثيراً، و كثيراً هذه لا يمكنني تخمين ما يمكن أن تحتمله. بين مفرداتي ملحٌ كثيرٌ إثر جفافِ ما يسحُ من قرار البصر. لا أعرفُ أحداً يبكي فقيداً لم يعش معهُ سوى أيامٍ يتذكر منها لحظةً واحدةً مطنبةً في البعد... أنا أكادُ لا أعرفني على مداراتِ الـ ثلاثين سنةَ الـ تمخر عبابَ الوجع.
كلما يستحضرهُ الآخرون أيقونةً تنكأ ما يخبوءُ في القلبِ، زنّاراً يهصرُ الأمنياتِ بالرضا حدَّ التهتكِ من عيشِ يومٍ ذي بهجة.
هنا يعشعشُ الفزع و يفرّخ صغاره. أدجنُ ما تصطادهُ شبكةُ التعاسةِ كل ذاتِ ذكرى، استحدثُ ذراتِ السديمِ من فراغِ عقلي لئلا تتشكل معالمهُ الحنونةَ و تستفز قرائحَ حروفي على الانتظام عقداً فريداً من الشعورِ بفقدٍ لا يمكنُ التخلصُ منه.
أظنني لا أبالغُ لو حزنتُ ثلاثين سنةً أخرى، أو هكذا ينبغي لي...
لا يوجد ما يتوخاهُ المنكوبُ على شاطئ الجفافِ ، يبابٌ يستشري حتى تخوم البحر ... كلما اغترفتُ لأشربَ من مائهِ ازددتُ عطشا كموئلٍ من الجمر لهاربٍ من نار.
يصافق حزني العاتي ، تتماوجُ بي أرجوحةِ الفقدِ ... كان الناسُ يحتفلونَ بعيدهم و كنتُ في دوامةِ الشكِ بمجيء عيدٍ دونه! مذ أفل ، أفلتُ معه. بقيتُ شبحاً أعيشُ صورةً باهتةً تآكلتْ و علاها الغبار فالصغيرُ الذي يشاغبُ بعبثهِ في إسقاطاتِ ذكراتي ما زالَ يلعبُ على مدارجِ الفاقة!
للجدار الـ يكادُ ينقض و لا شيء يرممه، للعالم الذي لا يجدُ من يستحثهُ على اقتفاء أثر مسارٍ ما عاد يوصلهُ إلا إلى جهةِ العدم
لي، علّي أجدهُ متكئاً على نمارقَ من سندس أو استبرق
أو أجدني في هاويةٍ من جحيمِ عالم آخر غير هذا الذي تعِجُّ أرواحنا فيه بشغف الحرف و لا الآخرُ الذي تموجُ أنفسنا فيه بثقل أنفاسنا أو شزر نظراتنا...
و تسألني عن الروح!
و الروحُ هنا ساكنة كـ نَفَسِ الوسنان
و تسألني عن الكلمات و معناها!
و كلماتي متخثرة و نازحةٌ إلى الجمود
كنتُ بكاملِ انفعالاتي لكني لم أحسن الرقص على أعوادِ القصبِ و لا سرادق اللحظة
كنتُ بكامل تفاصيلِ حزني السرمد و وجعي المسهد
كنتُ أنا، ربما ، أو بعضاً مني حاضراً بعنفوانٍ مهيض
لم أتدثر بوشاحاتِ الزيف و لم ألبس قبعة الكبر
بين روحي و روحكِ لا يوجدُ إسفينٌ يبددُ القربَ لذا كنتِ الأكثر مقاربةً لي في بوحي المخنوق و المرتادةَ حلقة حدادي.
لن ألبسكِ أفولي فأنتِ لم تخلقي للأفول
لنحتسي كأس الحزن خارج نطاقِ العيد ، لا أجدُ فرحاً أتباهى به غير الوهم الذي يجتاحني الآن ... سأقرعُ نواقيس البهجةِ و أنتخبُ من زجاجاتي أكثرُهم جلالةً و حضوراً، معتقة ٌ كما ينبغي لـ لحظةٍ نتشاركُ فيها وهم السعادة ... هاتي كأسكِ و اضربيه بكأسي و لنتشارك و هم وجودنا.
لو كانتْ اللحظاتُ أشياءَ يمكن استبدالها أو شراؤها لكنتُ قايضتُ سني عمري كلها مقابل اللحظة التي تستقرُّ تماماً وسطَ قلبي!
اللحظة التي تدورُ حكايتي كلها حولها
تسألني عن المادةِ و تبعثر الرملِ في وصاية الريح
و لا حجر يستحيلُ في دورتهِ ماءا...
يبعثُ الماءُ في دورتهِ ندفَ غيم ، يتأججُ خيالهُ في عقلِ الحجرِ و عقلِ المعدن. يتسرَّبُ ذراتٍ في صورةِ المادةِ البكرِ / السائل ، أو في صورةِ المادةِ البخارِ على رفيفِ أجنحةِ المتطايرِ الهواء. يتجمّدُ دمعاً على شفا جفنِ المحزونِ أسىً، يتجمّدُ طافٍ على صفحةِ البحرِ الخاملِ عن مراقصةِ الريح، المتماوجِ بياضاً لا حدَّ لهُ في توصيف أعراضِ الرعشةِ في حقائق المادةِ الجماد. يهطلُ فجاً صيرورةَ النتحِ من ثقوبِ المزنِ المثقلةِ عن حملها، فيضاً لا تجمعهُ أكفُّ الدعاءِ و لا تحتويه الأواني أو حتى السدود. يتدفقُ نبضاً لا ينضبُ و هكذا خلقاً بعد خلق...
لستِ من الحجر ... " و خلقنا من الماء كل شيء حي"
و لا دعاء يتجمعُ في أكفٍ نشرتها و لمَّا تجفُ أبدا و تلكِ التي علقتها مدلاةً في خابية قلبكِ " ماذا وجد من فقدك وما الذي فقد من وجدكَ"، كانت حرزاً فقدتهُ في دربِ التفتتِ ذراتٍ و بقايا. فما عدتُ نابضاً إذ أن رياحَ الفقد تبددني غباراً و تنحتُ في مادتي الحجرِ نقوشاً و طلاسمَ للشياطين!
شهقاتي المحكمة كلها طائشة، وزنتها بميزانِ الحزنِ فلم ترجحَ مكيالَ دمعٍ من عيني تلكَ المتزنرةِ بحيزومِ الصبر. احتجتُ في أنحاء الفاقةِ ليديه المتجرشةِ تؤبنُ فقدي لمفاتيحِ البسمةِ على مشارفِ سنينِ الفزعِ الأولى. احتجتُ لحجرهِ الشاسع الحنان أتمرغُ في طينه و أشمُ رائحة البحرِ في عرائه ... يا للشقاء كيفَ يتبدى كائناً يستلهمُ طبائعَ الشكلِ الأمثلِ لحجر النار في عنفوانِ لهيبها، سطوة الحريقِ على فراخٍ لا تطيرُ إلا ناحية فنائها!
لا أصابع يمكنها رسمُ ملامحَ الحزنِ الأعتى في الذكرى الثلاثين للفقد ... أمدٌ لا يحسنُ تصريف أحوالِ الغياب و لا عجنه و تشكيله وهماً ينسفهُ النسيان. سأبقى مطحوناً برحى الحزنِ حتى أثوبَ إلى الواقع . لا يوجدُ لدي ما أباهلُ بهِ اللحظاتِ لاعتذارٍ يليق عن وهم وجودي
الأفولُ بدأ مذ انداحَ الحزنُ كثيباً بحجمِ المدى و توارت مفرداتِ صلاتِكَ خلفَ حجاباتها الخانقة . مذ كبسَ الغبارُ على الأفقِ في يومٍ لطالما لعنته ، لطالما وددتُ أن أنشبَ فيه أظافري حتى أراهُ مُزَقاً ... لا أحجبةَ تشفي اللوعةَ في صدري و لا براعم فرحٍ قد تنبتَ وسط رمادٍ ينزوي في قاعٍ غوي ، لا أظنني أشفى منهُ حتى ألقاه
يوجدُ شرخٌ يصدِّعني و لستُ أجدُ ما يرأبه ...
كلُّ عامٍ يستفيقُ ليتسع
لا أجدُ من الحروفِ ما يليقُ بحزنٍ يتغلغلُ ثلاثين عاماً و لا يجف !
ما كنتُ لأكتبَ كلماتٍ تتكلس فيها الحروف جافة عن معاني العلوم المختزنة فيها ، و لذا كان حتمياً أن يستبدُ بي الوجدُ مع انحاءاتِ الحروفِ و في تدونِ سيلِ انفعالاتي على دفةِ اعتلاجاتها . اتقرَّى كينونةَ الملامحِ في صورٍ وشِمتْ في جدرانِ ذاكرتي ، فمن يقشر معي حدقةَ المعلومِ المرئي لاستبيان حقائقِ اللامعلومِ الخفي؟!
لا مجالَ لانتهازِ حتميةِ وقوعِ المحتالِ عنهُ باستلابهِ حقيقةً في سيرورة العبثِ ببلورةِ القدرِ المؤجلِ حدوثه . الحزنُ كنايةً عن عدمِ الرضا بطبائعِ الحدثِ لكنهُ ليسَ تبرماً من حكمِ القلمِ في سطورِ اللوحِ أو في اقتفاءِ الضالعِ من نتوءاتِ عروجه إلى حيّز اللاوجودِ دونَ فكرةِ فقدهِ أو غيابه .
خدّاعةٌ هي الكلماتُ إن لم تلامسَ سطحَ مشاعرنا لتتغلغلَ فيها كدراً كانتْ أو صفوا . مائلٌ إلى الحزنِ في احتدامِ فتيلِ الأزمةِ و اشتعالاها ذبالةَ ذاكرةٍ تحترقُ ، تستنفدُ صورَ اللحظةِ ، يتأججُ خيالُ اللونِ فيها فيختزلهُ انسرابهُ مني إلى إثمدٍ مطحونٍ أكحل به جفناي في حرقةٍ لا يهدأ أوراها .
لا أجدُ في العمرِ متسعاً للنحيبِ حتى لو تضاعفَ عدد السنين ، لن يسدَّ الحزنُ كوَّةَ غيابهِ ، و لن تردمَ الفجوةَ التي خلَّفَ غفلةٌ أو مخاتلةٌ مفتعلة!
الحروفُ زاخرةٌ بالمعنى و أكادُ أفقدُ معناي أمامها
تقفين - الآن - هنا تماماً في وسطَ الذاكرة ، الذاكرةُ المهترئةُ إلا من بضعِ صورٍ تحرِّضُ على اقترافِ إثمِ الكتابةِ . جسرٌ معلقٌ ، برزخٌ أمدٌ لا موئلاً لخطوٍ يتدوزنُ على إيقاعِ الماضي ... نشيجٌ يختصرُ الشوقَ لذلك الـ راح أبداً و الـ راح شيرجعه؟!
تبتلُ الحروفَ هنا بما يسِّحُ حزناً ، أعجنها ، أشكلها ، تجففها أنفاسي ... هشةً تبدو و قابلةً للكسر كـ أناي تماما!
لا أجدني في حضوري أستلهم إلا خرائب الكلمات!
لا زلتُ في عامٍ مليء بخيباتٍ لا تنْحلُ عن أجواءَ تدعو للرضا و لا للبهجة ... سـ أظلُ أبتهلُ لعامٍ تنفكُ فيه عرى الخيبات ... و ربما لا انفكاك أرجوه من براثنها المخترقةِ لوجودي. سأرسل قوارب الأمل تجاه مواعيدٍ مؤجلةٍ لا تقاربُها ساعةُ أمل... و سـ أنتظر ما تفضي به الأرقام من بهجة أو خيبة تفقسُ من عش الأماني. ها أنذا أستحضر ذاكرةً محملةً بالوهم لكني لم أستحضر الألم و لم أدعيه، فهو يسكنني و ينفخ في صدري فقاقيع ألمٍ بأحجامٍ مختلفةٍ في كلِّ ذكرى له!
حزينٌ هذا العام كثيراً، و كثيراً هذه لا يمكنني تخمين ما يمكن أن تحتمله. بين مفرداتي ملحٌ كثيرٌ إثر جفافِ ما يسحُ من قرار البصر. لا أعرفُ أحداً يبكي فقيداً لم يعش معهُ سوى أيامٍ يتذكر منها لحظةً واحدةً مطنبةً في البعد... أنا أكادُ لا أعرفني على مداراتِ الـ ثلاثين سنةَ الـ تمخر عبابَ الوجع.
كلما يستحضرهُ الآخرون أيقونةً تنكأ ما يخبوءُ في القلبِ، زنّاراً يهصرُ الأمنياتِ بالرضا حدَّ التهتكِ من عيشِ يومٍ ذي بهجة.
هنا يعشعشُ الفزع و يفرّخ صغاره. أدجنُ ما تصطادهُ شبكةُ التعاسةِ كل ذاتِ ذكرى، استحدثُ ذراتِ السديمِ من فراغِ عقلي لئلا تتشكل معالمهُ الحنونةَ و تستفز قرائحَ حروفي على الانتظام عقداً فريداً من الشعورِ بفقدٍ لا يمكنُ التخلصُ منه.
أظنني لا أبالغُ لو حزنتُ ثلاثين سنةً أخرى، أو هكذا ينبغي لي...