A n g e l
04-10-2007, 09:32 PM
http://www.bossnetwork.net/up/upload/wh_86458937.png
طاغور في سطور وصفه فيها رومان رولان
حين تقترب من طاغور، يناسم نفسك شعور أنك في معبد،
فتتكلم بصوت خفيض، وإن أتيح لك بعد هذا، أن تتملى قسمات وجهه الدقيقة الأبية فإنك واجد خلفها موسيقى خطوطها وطمأنينتها، الأحزان التي هيمن عليها، والنظرات التي لم يداخلها الوهم، والذكاء الجريء, الذي يواجه صراع الحياة في ثبات
طاغور... الأديب
نهل رابندارانات طاغور من ثلاثة منابع ثقافية: بنغالي- هندي- إنجليزي، وكان طبيعياً أن تترك هذه المنابع المختلفة تأثيراتها المتباينة على شخصية الرجل الذي عاش 84 سنة، وكتب الشعر والقصة والمسرح، وعزف الموسيقى، ومال إلى الرسم في سن الخامسة والستين. ولم يتلق طاغور تعليماً تقليدياً، فقد نشأ في أسرة ذات طابع خاص، حرصت على تعليم ابنها على غير القواعد السائدة، ولكنه- على أية حال- كان تعليماً خلاقاً. وبالرغم من أن رابندرانات لم ير جده (دوار كانات) الذي توفي في عام 1846، قبل مولد الحفيد بست عشرة سنة، إلا أننا نجد في سيرة الجد بعض ملامح مسيرة الحفيد.
كان دواركانات من كبار ملاك الأرض، وكان محباً للخير، وعاش جانباً من حياته في بريطانيا، وتوفي بها، والواضح أنه كان شديد الاقتراب من المجتمع الإنجليزي، حتى أنه كان يدعي بالأمير، وإن لم يحصل على اللقب رسمياً، ودخل القصر الملكي وقابل الملكة فكتوريا، كما خالط الفنانين والأدباء الإنجليز في ذلك العصر، وكان قريباً من تشارلز ديكنز.
وعلى العكس من الجد كانت حياة الأب (ديبندرانات). والغريب أنه عاش شبابه سادراً في الغرابة، ثم لم يلبث أن انضم إلى طائفة البراهمة، ووصل فيها إلى مرتبة (المهاريشي)- أي الكاهن العظيم- وانتهى زعيماً لتلك الطائفة.
ولابد أن ذلك المنحى الروحاني للأب قد أثر بعمق في نفس الابن رابندارانات، ففي الحادية عشرة من عمره رافق الابن أباه في رحلة إلى جبال الهمالايا حيث كانت لهما وقفة طويلة في منطقة بغرب البنغال تسمى (شانتينيكتان)- وهي الناحية التي أنشأ فيها الابن فيما بعد عام 1918 مؤسسته التعليمية المعروفة باسم(فيسفابهاراتي) أو (الجامعة الهندية للتعليم العالمي)- وفي تلك الرحلة التأملية بالهمالايا غرس الأب في نفس ابنه المفاهيم البنغالية التقليدية وحرك في نفسه القيم الروحية ونمى فيه نزعة استقلال الذات والاعتماد على النفس، فقد كان يتركه وحيداً في جولات طويلة يجوب فيها مسالك تلك الجبال الخطرة.
وقد درس طاغور لغة قومه (السنسكريتيه) وآدابها ثم الإنجليزية التي تعرف من خلالها على آداب أوربا، وكان في شبابه الأول شديد الانشغال بأمور وطنه الأصلي- البنغال- مهتما بكل ما يتصل بنهضته، كما كان في نفس الوقت مستريباً من الإنجليز.
والواضح أنه كان محقاً في ريبته، فقد وحد الإنجليز الهند والبنغال في مستعمرة ضخمة ألغت الوجود البنغالي، فأصبح طاغور موزعاً بين مشاعره كمواطن بنغالي، وبين ولائه للكيان الكبير الهند. لقد تولد ذلك الصراع الداخلي في زمن كان إقباله فيه على معطيات الحضارة الغربية العلمية والجمالية والفلسفية في تزايد، وقد تزامن ذلك- أيضاً- مع تواجده الفعلي والفاعل داخل أسرته الكبيرة التي كانت تعيش في بيتين كبيرين بالقسم البنغالي من مدينة كالكتا.
وقد تميز طاغور بين أشقائه وابناء عمومته باستقلالية الرأي والشجاعة في اتخاذ المواقف الحاسمة في الأوقات الحرجة، وقد ظهر ذلك- فيما بعد- في كثير من كتاباته، وفي حياته العامة. ومن أمثلة ذلك موقفه الواضح والمحدد من بعض مظاهر الوثنية في الطقوس الخاصة بطائفة البراهمة التي كان يرتدي وشاحها المقدس وينشد تراتيلها.
وقد منح طاغور جائزة نوبل للآداب في عام 1913 (متجاوزاً الروائي العظيم ليوتولستوي الذي كان في قائمة المرشحين للجائزة). وكان قد نشر- في الفترة من 1908 إلى 1912م أهم أعماله باللغة البنغالية وهي:
جيتانجالي، أو (القربان الشعري)، وروايته الشهيرة (جورا) ومسرحية واحدة هي (كتب البريد) بالإضافة إلى صفحات من مذكراته.
وكانت البنغال تموج بالاضطرابات، فلما ظهرت روايته (جورا) توترت العلاقة بينه وبين بني وطنه- متمثلين في دعاة التحرر والهندوس- إذ كانت الرواية تفضح التعصب الهندوسي من خلال قصة حب بين فتى نشأ هندوسياً مخلصاً وفتاة من طائفة البراهمة، وقد لقيت الرواية استياء بالغاً من مواطنيه فنصحه خلصاؤه بالابتعاد في رحلة إلى إنجلترا في عام 1909م. ولم تكن تلك أول مرة يزور فيها بلاد الإنجليز غير أنها كانت زيارة ناجحة إذ كان قد أصاب بعض الشهرة في الأوساط الأدبية الإنجليزية من خلال بعض أشعاره المترجمة إلى اللغة الإنجليزية. وقد استمر اتصال طاغور بحركة الأدب في إنجلترا حتى بعد أن انتهت تلك الرحلة وعاد إلى وطنه فأصبح يحظى بمكانة متميزة في الحياة الأدبية الإنجليزية وذلك ما شجعه على معاودة التفكير في الارتحال بأسرته في عام 1912م حيث تعرف في لندن على الشاعر الإنجليزي و. ب. ييتس؛ ونال إعجاب الشاعر إزرا باوند وبعض الناشرين الإنجليز. وكان طاغور خلال الرحلة البحرية الطويلة قد قام بترجمة بعض قصائد من ديوانه (جيتانجالي) إلى الإنجليزية، نشرتها دار ماكميلان الشهيرة.
الوحيد الذي لم يرحب بوجود طاغور في لندن هو الفيلسوف الإنجليزي برتراند راسل؛ وقد رد طاغور على ذلك التجاهل بأن علق على إحدى محاضرات راسل بأنها منبتة الصلة بالأمور الهامة في الحياة، خالية من البصيرة.
وعلى أية حال فقد كان الترحيب به- في مجمله- والدعم كافيين لدفعه إلى تصدر قائمة المرشحين للحصول على جائزة نوبل، فنالها في العام التالي لوصوله إلى إنجلترا، وقد كان عام 1913م نقطة تحول في حياة طاغور، فقد لقيت قصائده (جيتانجالي) ترحيبا من القراء والنقاد وصار نجماً يسعى إلى محاضراته جمهور المثقفين الإنجليز؛ وفي نوفمبر من نفس العام- بعد إعلان الجائزة- صار شخصية عالمية
لنتأمل هذا المقطع المأخوذ من ديوان "جيتنجال"
إن لم تتكلم؛ فسأتحمل، في الحق، صمتك، وسأملأبه قلبي.
سأنتظر ساكنا، في الليلة المتلامحة النجوم، ورأسي حانمطرق.
سيقبل الفجر، بلا ريب، وستنقشع الظلمة
وسيسيل صوتك في رعشات مذهبة تتسرب عبر السماء
حينذاك ستتسق كلماتك في أغنياتك زهورا في جميع منعطفات غاباتي
طاغور... الانسان
ولد في السادس من ماي (مايو) سنة 1861 بمدينة كلكوتا، وسماه أبوه رابندار أي الشمس تيمنا بأنه سيجوب العالم وسيهتدي الناس بنوره الوضاء، ولما يطفئ الفتى شمعته السابعة حتى تجرع حنظل الفراق المر، فقد توفيت أمه الحنون التي قال فيها:
"سأنظم بدموع آلامي عقودا من الدرر أزين بها عنقك
يا أمي.
وحزني سيبقى لي وحدي..
لقد انطفأ المصباح الذي كان ينير ظلماتي.."
وخفت النور شيئا فشيئا إلى أن لف حياته ظلام تام محفوف بالحزن والألم فلم يجد بدا من الرحيل نحو عالم الطبيعة عله يخفف عنه وطأة عذابات الرحيل المباغت ولهذا نجده يقول في مذكراته: "لقد حرمني القدر أمي وأنا بعد فتى صغير، فأصبحت وحيدا، ألوذ بنافذتي وأتأمل في الطبيعة وأرتسم في مخيلتي ما يترقرق في الكون من صور شتى. لقد كانت الطبيعة رفيقي الذي وجدته إلى جواري دائما". فأجمل بهذا الرفيق الرائع الذي شرع أمامه بوابات التفكير في عظمة الكون والسمو بالروح نحو الأعالي الفيحاء بشعر غزير ينساب في خوالج النفس مؤججا الإحساس بقيمة الحياة وحب الخير والسلام والحرية التي اعتبرها كل مناه حينما قال:
"ثقيلة هي قيودي، ولكن قلبي يتألم إذا حاول كسرها
الحرية كل مناي ومع ذلك أشعر بخجل حين أصبو إليها".
وأراد المهاراج دافدرانات طاغور لابنه أن يدرس القانون، فأرسله إلى كلية برايتون بانجلترا غير أن صاحبنا خيب أمل والده ولم يكمل هذه الدراسة لأنه لم يجد فيها ما يرضي نفسه التواقة للفن والأدب، غير أنه استفاد جدا من مقامه في انجلترا باطلاعه على روائع شكسبير وملتون ووليم بليك.. وأعلام آخرين تركوا بصمات واضحة في صفحات الأدب العالمي، فعاد إلى بلاده ليقدم للناس ديوانه الشعري الأول "أغاني المساء" الذي قوبل بالتشجيع لما يكتنزه من ثراء شاعري. وعندما هل ربيعه الثاني بعد العشرين اختارت له أسرته زوجة هيفاء تسر الناظرين، فخاض معها في أعماق الحب الذي دعا إلى الإيمان القوي به في ديوانه "بستاني الحب".
"لا يا صاح
آمن بالحب ولو كان ينبوع ألم
لا توصد دونه قلبك.
لا يا صاح، كلامك مبهم، لا أفهمه"
وشاءت الأقدار أن يسرق منه الموت أحاسيس الفرح وتغرقه في كأس طافحة بالأحزان، فقد ماتت زوجته وهي بعد في ميعة الصبا، ولحق بها ابنه وابنته وأبوه في فترات متتابعة متقاربة"
، لينسل بعدئذ الحزن إلى أشعاره فيلبس مسوحا مزركشة بألوان الأسى النابع من حدة الفراق ولوعته، لكن إيمانه الذي لا يساوره الشك بالأمل سيمكنه من المضي قدما في فضاءات الكلمة الساحرة والموسيقى التي تشنف الأسماع وتسافر بالروح بدون استئذان لأن الفنان بالنسبة إليه هو "الذي يطلق في نفوسنا جمال الروح، ويشع فيها إدراك الحقائق"
وقبل أن يحتضر في آخر شهر يوليو من عام 1914 كتب طاغور آخر قصيدة له أي قبل ثمانية أيام من وفاته:
"أزفت ساعة الرحيل.. إني أسافر فارغ اليدين
طافح القلب بالأمل.. الطير يحلق في الفضاء لا ليذهب في
تحليقه إلى الخلاء.. بل ليرجع إلى أرضه العظمى"
وغابت شمسه النيرة في الثامن من غشت من نفس العام دون أن تغيب أشعتها الذهبية التي مازالت لحد الآن تجسد كل القيم النبيلة!!
منقول من:
كتاب روائع طاغور في الشعر و المسرح
طاغور، جميل جبر، سلسلة إقرأ، دار المعارف
كتاب فرنسي مترجم للعربية بعنوان: طاغور
هذه سيرة طاغور المختصرة. ما تعمقت فيها عن جوانبه الإنسانية و مواقفه مع القضايا الاجتماعية لأن الكلام فيها يطووول.
أنصحكم "لو ما كنتوا قاريينها"بقراءة الكتب المذكورة فوق لأنها بالفعل تجسد لنا طاغور بكل جوانبه حتى أنك تشعر إنك عشت معاه!!
طاغور في سطور وصفه فيها رومان رولان
حين تقترب من طاغور، يناسم نفسك شعور أنك في معبد،
فتتكلم بصوت خفيض، وإن أتيح لك بعد هذا، أن تتملى قسمات وجهه الدقيقة الأبية فإنك واجد خلفها موسيقى خطوطها وطمأنينتها، الأحزان التي هيمن عليها، والنظرات التي لم يداخلها الوهم، والذكاء الجريء, الذي يواجه صراع الحياة في ثبات
طاغور... الأديب
نهل رابندارانات طاغور من ثلاثة منابع ثقافية: بنغالي- هندي- إنجليزي، وكان طبيعياً أن تترك هذه المنابع المختلفة تأثيراتها المتباينة على شخصية الرجل الذي عاش 84 سنة، وكتب الشعر والقصة والمسرح، وعزف الموسيقى، ومال إلى الرسم في سن الخامسة والستين. ولم يتلق طاغور تعليماً تقليدياً، فقد نشأ في أسرة ذات طابع خاص، حرصت على تعليم ابنها على غير القواعد السائدة، ولكنه- على أية حال- كان تعليماً خلاقاً. وبالرغم من أن رابندرانات لم ير جده (دوار كانات) الذي توفي في عام 1846، قبل مولد الحفيد بست عشرة سنة، إلا أننا نجد في سيرة الجد بعض ملامح مسيرة الحفيد.
كان دواركانات من كبار ملاك الأرض، وكان محباً للخير، وعاش جانباً من حياته في بريطانيا، وتوفي بها، والواضح أنه كان شديد الاقتراب من المجتمع الإنجليزي، حتى أنه كان يدعي بالأمير، وإن لم يحصل على اللقب رسمياً، ودخل القصر الملكي وقابل الملكة فكتوريا، كما خالط الفنانين والأدباء الإنجليز في ذلك العصر، وكان قريباً من تشارلز ديكنز.
وعلى العكس من الجد كانت حياة الأب (ديبندرانات). والغريب أنه عاش شبابه سادراً في الغرابة، ثم لم يلبث أن انضم إلى طائفة البراهمة، ووصل فيها إلى مرتبة (المهاريشي)- أي الكاهن العظيم- وانتهى زعيماً لتلك الطائفة.
ولابد أن ذلك المنحى الروحاني للأب قد أثر بعمق في نفس الابن رابندارانات، ففي الحادية عشرة من عمره رافق الابن أباه في رحلة إلى جبال الهمالايا حيث كانت لهما وقفة طويلة في منطقة بغرب البنغال تسمى (شانتينيكتان)- وهي الناحية التي أنشأ فيها الابن فيما بعد عام 1918 مؤسسته التعليمية المعروفة باسم(فيسفابهاراتي) أو (الجامعة الهندية للتعليم العالمي)- وفي تلك الرحلة التأملية بالهمالايا غرس الأب في نفس ابنه المفاهيم البنغالية التقليدية وحرك في نفسه القيم الروحية ونمى فيه نزعة استقلال الذات والاعتماد على النفس، فقد كان يتركه وحيداً في جولات طويلة يجوب فيها مسالك تلك الجبال الخطرة.
وقد درس طاغور لغة قومه (السنسكريتيه) وآدابها ثم الإنجليزية التي تعرف من خلالها على آداب أوربا، وكان في شبابه الأول شديد الانشغال بأمور وطنه الأصلي- البنغال- مهتما بكل ما يتصل بنهضته، كما كان في نفس الوقت مستريباً من الإنجليز.
والواضح أنه كان محقاً في ريبته، فقد وحد الإنجليز الهند والبنغال في مستعمرة ضخمة ألغت الوجود البنغالي، فأصبح طاغور موزعاً بين مشاعره كمواطن بنغالي، وبين ولائه للكيان الكبير الهند. لقد تولد ذلك الصراع الداخلي في زمن كان إقباله فيه على معطيات الحضارة الغربية العلمية والجمالية والفلسفية في تزايد، وقد تزامن ذلك- أيضاً- مع تواجده الفعلي والفاعل داخل أسرته الكبيرة التي كانت تعيش في بيتين كبيرين بالقسم البنغالي من مدينة كالكتا.
وقد تميز طاغور بين أشقائه وابناء عمومته باستقلالية الرأي والشجاعة في اتخاذ المواقف الحاسمة في الأوقات الحرجة، وقد ظهر ذلك- فيما بعد- في كثير من كتاباته، وفي حياته العامة. ومن أمثلة ذلك موقفه الواضح والمحدد من بعض مظاهر الوثنية في الطقوس الخاصة بطائفة البراهمة التي كان يرتدي وشاحها المقدس وينشد تراتيلها.
وقد منح طاغور جائزة نوبل للآداب في عام 1913 (متجاوزاً الروائي العظيم ليوتولستوي الذي كان في قائمة المرشحين للجائزة). وكان قد نشر- في الفترة من 1908 إلى 1912م أهم أعماله باللغة البنغالية وهي:
جيتانجالي، أو (القربان الشعري)، وروايته الشهيرة (جورا) ومسرحية واحدة هي (كتب البريد) بالإضافة إلى صفحات من مذكراته.
وكانت البنغال تموج بالاضطرابات، فلما ظهرت روايته (جورا) توترت العلاقة بينه وبين بني وطنه- متمثلين في دعاة التحرر والهندوس- إذ كانت الرواية تفضح التعصب الهندوسي من خلال قصة حب بين فتى نشأ هندوسياً مخلصاً وفتاة من طائفة البراهمة، وقد لقيت الرواية استياء بالغاً من مواطنيه فنصحه خلصاؤه بالابتعاد في رحلة إلى إنجلترا في عام 1909م. ولم تكن تلك أول مرة يزور فيها بلاد الإنجليز غير أنها كانت زيارة ناجحة إذ كان قد أصاب بعض الشهرة في الأوساط الأدبية الإنجليزية من خلال بعض أشعاره المترجمة إلى اللغة الإنجليزية. وقد استمر اتصال طاغور بحركة الأدب في إنجلترا حتى بعد أن انتهت تلك الرحلة وعاد إلى وطنه فأصبح يحظى بمكانة متميزة في الحياة الأدبية الإنجليزية وذلك ما شجعه على معاودة التفكير في الارتحال بأسرته في عام 1912م حيث تعرف في لندن على الشاعر الإنجليزي و. ب. ييتس؛ ونال إعجاب الشاعر إزرا باوند وبعض الناشرين الإنجليز. وكان طاغور خلال الرحلة البحرية الطويلة قد قام بترجمة بعض قصائد من ديوانه (جيتانجالي) إلى الإنجليزية، نشرتها دار ماكميلان الشهيرة.
الوحيد الذي لم يرحب بوجود طاغور في لندن هو الفيلسوف الإنجليزي برتراند راسل؛ وقد رد طاغور على ذلك التجاهل بأن علق على إحدى محاضرات راسل بأنها منبتة الصلة بالأمور الهامة في الحياة، خالية من البصيرة.
وعلى أية حال فقد كان الترحيب به- في مجمله- والدعم كافيين لدفعه إلى تصدر قائمة المرشحين للحصول على جائزة نوبل، فنالها في العام التالي لوصوله إلى إنجلترا، وقد كان عام 1913م نقطة تحول في حياة طاغور، فقد لقيت قصائده (جيتانجالي) ترحيبا من القراء والنقاد وصار نجماً يسعى إلى محاضراته جمهور المثقفين الإنجليز؛ وفي نوفمبر من نفس العام- بعد إعلان الجائزة- صار شخصية عالمية
لنتأمل هذا المقطع المأخوذ من ديوان "جيتنجال"
إن لم تتكلم؛ فسأتحمل، في الحق، صمتك، وسأملأبه قلبي.
سأنتظر ساكنا، في الليلة المتلامحة النجوم، ورأسي حانمطرق.
سيقبل الفجر، بلا ريب، وستنقشع الظلمة
وسيسيل صوتك في رعشات مذهبة تتسرب عبر السماء
حينذاك ستتسق كلماتك في أغنياتك زهورا في جميع منعطفات غاباتي
طاغور... الانسان
ولد في السادس من ماي (مايو) سنة 1861 بمدينة كلكوتا، وسماه أبوه رابندار أي الشمس تيمنا بأنه سيجوب العالم وسيهتدي الناس بنوره الوضاء، ولما يطفئ الفتى شمعته السابعة حتى تجرع حنظل الفراق المر، فقد توفيت أمه الحنون التي قال فيها:
"سأنظم بدموع آلامي عقودا من الدرر أزين بها عنقك
يا أمي.
وحزني سيبقى لي وحدي..
لقد انطفأ المصباح الذي كان ينير ظلماتي.."
وخفت النور شيئا فشيئا إلى أن لف حياته ظلام تام محفوف بالحزن والألم فلم يجد بدا من الرحيل نحو عالم الطبيعة عله يخفف عنه وطأة عذابات الرحيل المباغت ولهذا نجده يقول في مذكراته: "لقد حرمني القدر أمي وأنا بعد فتى صغير، فأصبحت وحيدا، ألوذ بنافذتي وأتأمل في الطبيعة وأرتسم في مخيلتي ما يترقرق في الكون من صور شتى. لقد كانت الطبيعة رفيقي الذي وجدته إلى جواري دائما". فأجمل بهذا الرفيق الرائع الذي شرع أمامه بوابات التفكير في عظمة الكون والسمو بالروح نحو الأعالي الفيحاء بشعر غزير ينساب في خوالج النفس مؤججا الإحساس بقيمة الحياة وحب الخير والسلام والحرية التي اعتبرها كل مناه حينما قال:
"ثقيلة هي قيودي، ولكن قلبي يتألم إذا حاول كسرها
الحرية كل مناي ومع ذلك أشعر بخجل حين أصبو إليها".
وأراد المهاراج دافدرانات طاغور لابنه أن يدرس القانون، فأرسله إلى كلية برايتون بانجلترا غير أن صاحبنا خيب أمل والده ولم يكمل هذه الدراسة لأنه لم يجد فيها ما يرضي نفسه التواقة للفن والأدب، غير أنه استفاد جدا من مقامه في انجلترا باطلاعه على روائع شكسبير وملتون ووليم بليك.. وأعلام آخرين تركوا بصمات واضحة في صفحات الأدب العالمي، فعاد إلى بلاده ليقدم للناس ديوانه الشعري الأول "أغاني المساء" الذي قوبل بالتشجيع لما يكتنزه من ثراء شاعري. وعندما هل ربيعه الثاني بعد العشرين اختارت له أسرته زوجة هيفاء تسر الناظرين، فخاض معها في أعماق الحب الذي دعا إلى الإيمان القوي به في ديوانه "بستاني الحب".
"لا يا صاح
آمن بالحب ولو كان ينبوع ألم
لا توصد دونه قلبك.
لا يا صاح، كلامك مبهم، لا أفهمه"
وشاءت الأقدار أن يسرق منه الموت أحاسيس الفرح وتغرقه في كأس طافحة بالأحزان، فقد ماتت زوجته وهي بعد في ميعة الصبا، ولحق بها ابنه وابنته وأبوه في فترات متتابعة متقاربة"
، لينسل بعدئذ الحزن إلى أشعاره فيلبس مسوحا مزركشة بألوان الأسى النابع من حدة الفراق ولوعته، لكن إيمانه الذي لا يساوره الشك بالأمل سيمكنه من المضي قدما في فضاءات الكلمة الساحرة والموسيقى التي تشنف الأسماع وتسافر بالروح بدون استئذان لأن الفنان بالنسبة إليه هو "الذي يطلق في نفوسنا جمال الروح، ويشع فيها إدراك الحقائق"
وقبل أن يحتضر في آخر شهر يوليو من عام 1914 كتب طاغور آخر قصيدة له أي قبل ثمانية أيام من وفاته:
"أزفت ساعة الرحيل.. إني أسافر فارغ اليدين
طافح القلب بالأمل.. الطير يحلق في الفضاء لا ليذهب في
تحليقه إلى الخلاء.. بل ليرجع إلى أرضه العظمى"
وغابت شمسه النيرة في الثامن من غشت من نفس العام دون أن تغيب أشعتها الذهبية التي مازالت لحد الآن تجسد كل القيم النبيلة!!
منقول من:
كتاب روائع طاغور في الشعر و المسرح
طاغور، جميل جبر، سلسلة إقرأ، دار المعارف
كتاب فرنسي مترجم للعربية بعنوان: طاغور
هذه سيرة طاغور المختصرة. ما تعمقت فيها عن جوانبه الإنسانية و مواقفه مع القضايا الاجتماعية لأن الكلام فيها يطووول.
أنصحكم "لو ما كنتوا قاريينها"بقراءة الكتب المذكورة فوق لأنها بالفعل تجسد لنا طاغور بكل جوانبه حتى أنك تشعر إنك عشت معاه!!