المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : " الــزهــاوي "


يوسف آل ابريه
28-01-2010, 02:23 AM
( الــزهــــاوي )
هو " شاعر العراق " جميل صدقي بن محمد فيضي
بن الملا أحمد بابان الزهاوي , شاعر عراقي كردي
الأصل , يعدّ من مشاهير الشعراء في العصر الحديث .
ولد ببغداد عام 1279 ه , وبها نشأ في بيت علم
ووجاهة .
اعتمدت نشأته الثقافية على التعليم الأسري وعلى
الحلقات المسجدية والاطلاع الحر .
سافر كثيراً فتنوّعت تجاربه وانصقلت خبراته .
تعلّم اللغة الفارسية في صغره وقد أجادها حتى ترجم
( رباعيات الخيام ) كما أجاد أيضاً اللغة التركية والكردية
وشيئاً من الفرنسية .
عمل الزهاوي في مجالات الخدمة العامة والتدريس
والسياسة , فشغل مناصب متعددة , فكان أستاذاً
للفلسفة الإسلامية في المدرسة الملكية بالآستانة
وأستاذاً للأدب العربي في دار الفنون بالآستانة , كما
شغل منصب عضو محكمة الاستئناف في بغداد , وعضو
مجلس المعارف ونائباً في مجلس النواب العثماني ,
ونائباً عن بغداد , ورئيساً للجنة تعريب القوانين ببغداد ,
وظلّ عضواً بمجلس الأعيان العراقي حتى وافته منيته
سنة 1354 ه ..
أثرى الزهاوي المكتبة العربية بعدد من الدواوين الشعرية
أهمها :
1 ) ديوان الزهاوي .
2 ) ديوان نزعات الشيطان ( فيه شطحاته الشعرية ) .
3 ) رباعيات الزهاوي .
4 ) رباعيات الخيام ( ترجمها عن الفارسية ) .
5 ) الأوشال , ويحتوي على تلك القصائد التي جاشت
بها نفسه في آخر حياته .
6 ) الثمالة , وهو يضمّ ما نظمه في آخر حياته .
7 ) اللباب .
8 ) الشذرات .
9 ) الكلم المنظوم .
وله من المؤلفات النثرية مجموعة من الكتب , أهمها :
1 ) كتاب الكائنات , وهو ينطوي على كثير من قضايا
الطبيعة والفلسفة .
2 ) الجاذبية وتعليلها , وهي رسالة ذهب فيها مذهباً
خاصاً في نظرية الجذب .
3 ) الدفع العام والظواهر الطبيعية والفلكية .
4 ) المجمل مما أرى , وهي رسالة فيها الكثير من آرائه
في الأمور العلمية .
أما تلقيبه بالزهاوي , فهو لقب لحق بجده الذي هاجر
إلى منطقة " زها " ببلاد فارس وسكنها عدة سنوات
وتزوّج بسيدة زهاوية ..
يعدّ الزهاوي من دعاة الإصلاح والتجديد في العصر الحديث
كما كان عالماً بقدر ما هو أديب , وقد انعكس أثر ذلك
في شعره ..
كان الزهاوي ذا تركيبة عجيبة في شخصيته , فقد قال
مرّة عن نفسه : ( كنت في صباي أسمّى المجنون
لحركاتي غير المألوفة , وفي شبابي الطائش لنزعتي
إلى الطرب , وفي كهولتي الجريء لمقاومتي الاستبداد ,
وفي شيخوختي الزنديق لمجاهرتي بآرائي الفلسفية ) .
إنّ الزهاوي عقلاني واقعي لا يطمئن لغير ما يسمع أو
يبصر , وهو صبور على الشدائد , وأنوف يأبى الذل
والنفاق والمراوغة , كما كان يكره الكبرياء .
اتهم الزهاوي في دينه لأفكاره الجريئة , كما اتهم في
وطنيته , لذا حفل شعره بالشكوى من تلك الاتهامات ,
ميّالاً إلى التشاؤم وسوء الظنّ بالدهر والناس لا سيما
قومه الذين لم ينصفوه مع أنه شديد الغيرة عليهم
ويسعى في سبيل تقدّمهم ورقيهم , والزهاوي علاوة
على أنه شاعر فحل هو أيضاً فيلسوف له من الطاقات
الفكرية والتحليلية ما ليس لغيره , ولذا فقد غلبت نزعة
التفكير العلمي على شعره , وكان أسلوبه كأسلوب
ابن الرومي الشاعر العملاق في تقصّي المعاني والتحليل
والتعليل ..
وتعدّ قصيدته (( شكوى )) من جيّد شعره وأفضله لما
فيها من رؤية نافذة وجزالة في الصياغة , وفيها يقول :
أفـــي كـــــــل يــــــومٍ رحـــــلــــــة وتــــــغـــــــرّب
وســعـــيٌ لإدراك الـــمـــعــــيــــشـــــة مـــتـــعــب
نـــفــوس طـــغـــت فـي غــيــهـــا فــتــســارعــت
إلـى الـــشــرّ أعــمــاهــا الــهـــوى والــتـــعــصــــب
ومــــالـــي ذنـــبٌ عــــنــدهــم غـــيــــر أنـــــنــــي
ذهـــبــــت إلـــى مـــالـــيـــس غــيــري يـــذهـــب
إذا كــــان نـــصـــر الــــعـلــم ذنـــبـــاً مــعــاقـــبـــاً
عــلــيــه فــإنــــي أشـــهـــــد الــــلـــــه مــــذنــــب
هذا والزهاوي مضطرب بين الإيمان والإلحاد إذ كانت له
فترات شك وحيرة رافقته إلى أيامه الأخيرة, وذلك
لأنه ينطلق من مبدأ العقلانية الخاضع لسلطان العقل
فهو لا يؤمن إلا بما يبصر ويسمع ويحس , وهو يقول
ذلك علناً في صراحة وجرأة :
كـــــان إيـــمــــانــــي فـــي شــــبـــابــــي جـــــمّـــــاً
مــــــا بــــــه نــــــــزرةٌ ولا تــــــقـــــصــــــيــــــــــــرُ
غــــــيـــــر أنّ الـــــشــــكـــــــوك هــــــــــــبّـــــــــــت
تـــلاحــيــنـي فــلـم يــســتــقـــرّ مــنـي الـــشــعــور
ثــــــمّ عــــــــاد الإيــــمــــان يــــقــــوى إلــــــى أن
ســــــلّــــــه الـــشـــيـــطــــان الـــرجـــيــــم الــغَـــرور
ثــــــمّ آمـــــنـــــت ثـــــمّ ألــــحـــــدت حــــــتــــــى
قـــــيـــــل هـــــــــــذا مــــــــذبــــــذبٌ مــــــغــــــــرور
وتــــعــــمّــــقـــــت فـــي الـــعــــقـــــائــــــــد حــــتـــى
قـــــيــــــل هــــــــــذا عـــــــلّامـــــــــة نـــــحـــــريــــر
ثــــــمّ إنـــــي فــــي الـــــوقــــت هـــذا لـــخــوفــي
لــــســتُ أدري مـــاذا اعــــتــــقـــــادي الأخــــــيـــر
نعم , لقد رافقت الزهاوي حالة القلق النفسي وهو
في كلّ حال مؤمن بالله تعالى في قرارة نفسه , ولكنه
يريد في إيمانه أن يستند إلى العقل ..

للموضوع تتمة

يوسف آل ابريه
28-01-2010, 02:26 AM
وللزهاوي في ( الأثير ) نظرة كونية خاصة , فهو يجعله

بعد الله تعالى في المرتبة ويمنحه شيئاً من صفات

الألوهية , وفي نظريته هذه كثير من الغموض , وكثير

من الاضطراب , يقول :


ولــيــس يــعــظـــم بــعـــد الـــلـــه فــــي نــــظــــري

إلا الأثـــــيـــــر الـــــذي بـــالـــكـــــون يــــتّــــصـــــلُ


فـــكــــلّ شــــيء مــن الأشـــيـــاء مــنــــه أتـــــى

وكـــــــلّ شـــــيء إلــــيــــه ســـــوف يــــنــتـــقـــلُ


وإنّـــــــه هــــــادمٌ فـــــــــيــــــــــه ومــــــنــــهــــــدمٌ

وإنّـــــــه فـــــــاعـــــــــلٌ فـــــيــــه ومـــــنـــــفــــعــلُ


وإنّـــــــه هــــــــو مـــــعــــلـــــولاتُ قـــــــــــدرتــــــه

قــــــديـــــمــــــة ولـــمــــعــــلـــولاتـــــه الــــعـــــلـــلُ


لقد نثر الزهاوي كثيراً من آرائه في شعره , فهو يرى أن

العقائد الموروثة تحوطها القيود والأوهام , الأمر الذي جعله

يشك في أمور كثيرة تتعلق بالعبادات والقضايا الدينية

كالصراط والنشور والحشر والميزان وما إلى ذلك , فهو

يصف الصراط وصفاً غريباً مملوءً بالسخرية , أما موضوع

الخلود والبعث فيقول فيه :


وســــائـــلـــةٍ هـــل بـــعـــد أن يــــعــــبــــث الــبــلــى

بـــأجـــســـادنــــا نــحـــيــــا ونـــــرنــــــو ونــــنــــطـــق


فـــقـــلـــتُ مـــجـــيـــبـــاً إنّنـــي لــــســـتُ واثــــــقــــــاً

بــغـــيـــر الـــــذي حــــــسّــــي لــــــه يــــتـــحــــقّـــق


وهـــيـــهـــــات لا تُـــــرجـــى الـــحــــيـــاة لــــمــــيـــتٍ

إلـــــيــــــه الـــــبــــلـــى فــــي قـــــبـــــره يـــــتـــطـــرق


تــــقـــولــــيــــن يـــفـــنــى الــجـــســم والـــروح خــالــدٌ

فـــهـــل بـــخـــلـــود الــــروح عـــــنـــــدك مـــــوثـــــــــق


وإنّـــــــي عـلـى عــلــمــي ســــعــــادة مـــــيــــتـــتــي

بــــحــــبــــل حــــيــــاتـــي هــــــــــذه مــــــتـــــعــــلّـــق


أما نظرته إلى الطبيعة الإنسانية فهي نظرة تشاؤمية ,

حاله فيها حال أبي العلاء المعري , كما أنه نهج طريق

داروين صديق ( فرفشني ونعنشني ) في نظرية النشوء

والارتقاء , ورأى أنّ الإنسان بقايا من طبيعة الحيوان

المتوحش الذي ارتقى إلى أن اصبح كائناً إنسانياً , يقول:


مــــا زال فـــي الــــبــعـــض مــن

أمـــــيــــال الـــوحــــوش بـــقــايـــا


أطـــمـــاعــــه لــيـــس تـــمــــضــي

حـــتــى تـــــجـــــيء الـــمـــنــايــا


فالطبيعة عند الزهاوي مجبولة بالشر , والأرض بسبب ذلك

في ميدان صراع بين الأطماع , وميدان للنفاق والخداع ,

يقول :


وكـــــم غـــــاصـــــبٍ مــــال الــيـــتـــامـــى مـــبـــكّــــر

لأجــــــل صــلاة الــــصــبــــح يــــرجــــو بــــهـــا الأجـــرا


يــــصــــلّــــي جـــهـــــاراً فــــي بــــيــــاض نـــــهــــــاره

ويـــــســـرق مــــــال الــــنــــاس فـــي لــيــلـــه ســـرّا


والزهاوي يرى أنّ الإنسان في هذه الدنيا مسيّر ومصيره

مجهول , يقول في ذلك :


أتــــى غــــيـــر مــــخــــتــــارٍ وفـــــارق مــــضــــطـــــرا

ولـــم يــــك لــــمّــــا عــــاش فــي نـــفـــســـه حــرّا


إنّ التعمّق في آراء الزهاوي تلقي المرء في غياهب الشك

والحيرة وذلك لأنه ينهج طريق العقل المحض , ولكننا نجده

في مواطن أخرى مؤمن شديد الإيمان بالله وإن جرت

على قلمه بعض الهنات المتلبسة بلباس التطرف , يقول :


نـــدمـــت عــلــى مــا كـــنـــت فــــرّطــــت قـــبــل ذا

بـــســوء اعـــتــقــادٍ لــي إلـى الــكــفــر قــــد جـــــرّا


لـــقـــد قـــلـــت قــــولاً بـــــاطــــــلاً بــــــجـــــهـــــالـــــة

حـــنـــانــــك الـــلــــهـــــمّ يـــا خــــالــــقـــــي غـــفــرا


شــــهـــدت بـــــأنّ الــــلـــــه ربّـــــــــــي واحــــــــــــدٌ

تـــــنــــــزّه عــــن عـــــيــــبٍ يــشـــيــن لـــه قــــدرا


ولكنه مع ذلك يأخذ على الله تعالى خلقه لإبليس

ويتمنى أن تكون الكواكب آهلة وعامرة بالناس , فيقول :


أيــجــوز أنّ الأرض تُـــســكـــنُ وحــدهـــا بــيـن الــكــواكــب

وتـــكــون غــيــر الأرض خــالـــيــة كــــأمــــثــــال الـــخــــرائــب

هـــذا لــعـــمـــري إن يــــصـــح فـــإنّــــه لــمـن الــعــجــائــب

إنّ الــحــيــاة تــبــيـن حــيــث تــرى لـهـا وسـطــاً يــنـاسـب

مــا أوحــش الأجـــرام لا تـــمـــشــي بــهــا بـيــض كــواعــب


أما الشعر في نظره فهو تعبير صادق عن الشعور ,

لا تقليد لما قاله السابقون , إنه صورة للشعور يكبر

بالمعنى الذي يطابق الحقيقة , فهو القائل بيته المشهور:


إذا الـــشــعـــر لــــم يـــــهــــززك عـــنـــد ســـمـــاعــــه

فــلــيــس خـــلــيــقـــاً أن يـــــقـــــال لـــــه شـــــعـــــــــرُ


وللزهاوي آراء جريئة في النقد والشعر تلغي أية قاعدة

يتحتّم على الشعراء أن يتّبعوها , ويمنح للشاعر حرية

مطلقة في اختيار أوزانه , ولقد نادى إلى إلغاء القافية

التي تقف حائلاً بين الشاعر وبين التعبير الصادق عن

نفسه وما يشعر به , ولكنّ آراءه هذه لم يستطع أن

يطبقها ولم يخرج على أوزان الخليل , أو يحاول أن يخترع

وزناً جديداً سوى كتابته للشعر المرسل ,

أما الحكام فقد كان لهم نصيب وافر في شعره , فهو

دائماً يهاجمهم ويصفهم بالغاصبين والظالمين ويدعو الشعوب

إلى ثورة فكرية وإجتماعية ضدهم .

للموضوع تتمة

يوسف آل ابريه
28-01-2010, 02:31 AM
أما المرأة فقد كان من أشد الناس اهتماماً بشأنها ,


إذ طالب بتعليمها وإعطائها حقوقها , ويعدّ الزهاوي من


أوائل من دعوا إلى السفور وترك الحجاب , حيث يقول :



عَــــزَوا الـــحـــجـــاب إلـــى الـــكــــتـــــاب


فــلــيــتـــهــم قـــــرأوا الــــكــــتـــــابـــــــــا



إنّ الــــــتــــــعـــــــصّــــــب مـــــــانــــــــــعٌ


أن تـــبـــصـــر الــــعــيـــن الــــصــــوابـــــــــا



زعـــمـــوا أنّ فـي الـسـفـور ســـقــوطـــاً


فـي الـمــهـــاوي وأنّ فـــيــــه خـــــــرابــــا



وإذا مـــا طــــالــبــتـــهـــــم بـــــدلـــيــــــلٍ


يُـــثــبــت الــدعـوى أوســعــوك ســبـــابـــا



كـــذبـــوا فـالـسـفـور عــنـــوان طــــهــــــــر


لــيــس يــلــقــى مــــعـــــرّة وارتـــيــــابـــا



وهو القائل في قصيدته المشهورة :



اســـفـــري فــالــحــجــاب يـــا ابـــنــــة فـــــهـــــرٍ


هــــــو داءٌ فــــــي الاجـــــتــــمــــاع وخــيــــم



كـــــلّ شــــيء إلـــى الــــتــــجـــــدّد مـــــاضٍ


فــلــمـــاذا يــــقـــــرّ هــــــــــذا الــــــقــــديـــــم



اســـــفــــري فـــالـــســفـــور لــلـــنـــاس صــبــح


زاهـــــــر والـــحـــجــــاب لـــــيـــــل بــــهــــيـــم



اســـفـــري فــالـــســـفـــور فــــيـــــه صــــــــلاح


لــلــفـــريــــقــــيـــن ثــــمّ نـــــفـــــع عـــمـــيـــم



زعـــمـــوا أنّ فـــي الـــســفــــور انــــثـــلامـــاً


كــــذبــــوا فـــالـــســفـــور طـــهــــر ســـلـــيـــم



لا يــــقــــي عــــــفّـــــة الـــفــــتــــاة حــــجـــاب


بـــل يــــقـــيـــهــــا تـــثـــقـــيــفـــهــا والــعــلـــوم



وهو القائل أيضاً :



مـــــزّقــــــي يــــا ابـــنــــة الـــعــــراق الــــحــــجــــابــــا


أســــفـــــري فـــالـــحـــيـــاة تــــبــــغــــي انــــقــــلابــا



مـــــزّقــــيـــــه واحـــــــرقـــــــيـــــــه بــــــــــلا ريـــــــث


فــــقــــد كـــــــــان حــــــــــارســــــــاً كــــــــذّابــــــــــــا



إنّ الزهاوي يرفع صوته عالياً لسفور المرأة وترك حجابها


ولكنه لم يسمح لزوجته أن تسفر وأن تجعل من قصائده


في تحرير المرأة مثالاً حيّاً سائراً بين الناس .


صحيح قد لا يشترط فيمن يدعو إلى أمر أن يطبقه حين


لا يسعف الزمان في ذلك , ولو قبلت امرأة الزهاوي أن


تسفر وخرجت وحدها إلى الدنيا لتاهت في الشوارع أو


لقيت عنتاً أو لحقها من يعيّرها أو يرميها باحجارٍ تثخنها


جراحاً ..


وليت الزهاوي اليوم يقوم من قبره ويلقي نظرة حول ما


هو ماثل اليوم ليرى أن دعوته للسفور تعدّ شرفاً أمام


هذا التفسخ الصارخ والصريح ..


نعود لنقول :


لقد حُبي الزهاوي بامرأة كان يعدّها أربح ورقة كسبها في


عمره , وكان بينهما مودة كبيرة , ومع ذلك فقد أحبّ فتاة


أسبانية اسمها " راحيل " لكنه لم يتزوّج بها لاختلاف


الدين , ووفاء أيضاً لزوجته الوفية , تلك الزوجة التي كانت


تمشط له شعره وتلبسه ملابسه بيدها , وتظلله في


بيتها بالراحة التامة , وقد حرص الزهاوي الذي دعا نساء


العراق كما ذكرنا إلى السفور إلى حجابها , فأطاعته ..


أما الموسيقى , فكان الزهاوي محباً لها , فلم تفته


حفلة واحدة من الحفلات التي أقامها يوسف وهبي


وفاطمة رشدي ومحمد عبد الوهاب وأم كلثوم وغيرهم


من المصريين حين يؤمون بغداد مهما بلغت تكلفتها ,


وحدث أن زاروا بغداد مرّة , فلما تجهّزوا للغناء باغتهم


الزهاوي , فاعتلى خشبة البمسرح في حفل أم كلثوم ,


ووقف ينشد :



الــــفــــنّ روحٌ أنــــيــــقٌ غـــــيــــر مــــشــــؤوم


وأنــــــتِ بـــــلــــبــــلــــة يــــــا أم كـــــلـــــثــــوم



لا تــفـــزع الـكــاعـــب الـحـسـنــاء مـن كـلــمـي


فإنّ نـــصـــل ســـهــامـــي غــــيـــر مــســمــوم



ثمّ قبّل أمّ كلثوم في جبينها أمام النظّارة كما قبّل


فاطمة رشدي .


فطلعت صحف الصباح منكرة عليه ذلك , مدعية أنه يريد


من وراء صنعه الشهرة ..


والزهاوي أيضاً هاجم في شعره التعددية الزوجية , يقول:



يــــــأتــــــي الـــــــزواج بــــــــأربـــــــــعٍ


ويــــخـــال مــــا يــــــأتـــيــــــه رشـــــــدا



ويــــرى هـــنـــاك طـــلاق ســلــمــى


واجــــبـــــاً لـــــيـــحـــــوز ســـعــــــدى



إنّـــــي لأعـــــجــــب كــيــف يـــلــقــى


الــــــعـــــيـــش ذو الأزواج رغــــــــــــدا



بـــل كـــــيــــف يــــجـــمــــع واحـــــــدٌ


فـــي مـــــنــــزلٍ ضـــــــدّاً وضـــــــــدّا


للموضوع تتمة

يوسف آل ابريه
28-01-2010, 02:33 AM
الزهاوي شاعر فحل وذو مقام رفيع , وكانت مادته غزيرة

وشعره صورة لشعوره , جعل العلم والفلسفة موضوعاً

للشعر , وطرح أفكار كثيرة , بعضها قوبل بالاستحسان ,

وبعضها بالرفض , وكان بعيداً في شعره عن الزخرفة ,

ميّالاً إلى السهولة والرقة .

أما شخصيته الغريبة فهي من النمط الذي يتابعه الناس

ويعجبون له أو يقفون منه موقفاً متطرفاً سلباً أو إيجاباً ,

ولعلّ ملازمة الأمراض له منذ نشأته الأولى سبب في

تولّد هذه الشخصية الغريبة فقد كان يشكو من ضعفٍ

في أعصابه وأُصيب وهو شاب بداء مزمن في عموده

الفقري , وفي الخامسة والخمسين من عمره تعرّضت

ساقه اليمنى لمرض فبدأ يترنّح في سيره ويعرج , وربما

كان يشكو من عوارض نفسية فهو : " ضائع ومضطهد

في بلاده حتى أنه كان يتوهّم في بعض الأحيان أنّ

حياته معرضة للخطر " , كما ابتلي بالسير في النوم

وتذكر زوجته السيدة زكية خان بأنها كانت تشدّ وثاقه

بجنب السرير لأنه اعتاد المشي أثناء النوم , وفي أحد

الأيام نسيت ذلك واستغرقت في نوم عميق , لكنها

استيقظت مذعورة منتصف الليل فلم تجده , وظلّت تبحث

عنه في أنحاء الدار حتى عثرت عليه متسلّقاً جدار

السطح غارقاً في نوم عميق .

وكان الزهاوي يتنقّل في شوارع بغداد على صهوة حمار

أبيض ويمشي في ركابه خادم لا يتغيّر , ويحمل أحياناً

مظلّة ينشرها على رأسه في الصحو والمطر وهو يشق

طريقه العجيب , وكان يتردد على مقهى يقع في شارع

الرشيد ببغداد مازال قائماً حتى اليوم يحمل اسمه

ويزوره أشتات من الناس فإن أطروا شعره شربوا أقداح

الشاي مجاناً , وما أكثر الخصومات التي أثارها وأدارها

من موقعه في ذلك المقهى ..

ولعل من أشهر المعارك التي خاضها هي معركته مع

الشاعر معروف الرصافي الذي قال عن الزهاوي أشياء

كثيرة للنيل منه , فمما قاله الرصافي عنه :

( لا نجد صفة من صفات الفلسفة عند الزهاوي ولا نعرف

ما فلسفته التي أرهقنا بذكرها ) .

وقد كان للرصافي في تلك المعركة أنصاراً أقوى من أنصار

الزهاوي ..

ولا يفوتنا أن نذكر ما قاله الزهازي في حق الرصافي

مغتنماً الفرصة ليردّ الصاع صاعين للرصافي الذي نال

منه , وذلك عندما سألوه عن رأيه في الشاعر المصري

أحمد شوقي , فأجابهم قائلاً بلهجته العراقية :

(( هذا شنو أحمد شوقي , ولا شي ! تلميذي معروف

الرصافي ينظم شعراً أحسن منه )) .

ولعل من أبرز المتصدّين للزهاوي وقتها " محمود أحمد "

الذي راح يكشف سرقات الزهاوي حسبما يقول ,

ومن ذلك قول الزهاوي :


الــــحــــبّ بــــالــــشــــك يــــــحـــــيــــــا


وبــــــالـــــيـــــقـــــيـــــــن يــــــــمــــــــــوت


قال محمود أحمد بأنه مأخوذ من قول غوستاف لوبون :

" عجباً للحبّ يخاف الريب , والشك ينميه , واليقين يميته"

وكذلك قول الزهاوي :


ســــاكـــــتٌ أنـــــــت والأعــــــادي تـــــقـــــول

ومــــضــــرّ بــــــك الـــــســــكــــوت الـــطــويــل


مأخوذ من قول الشريف الرضي رحمه الله :


راحــــــل أنــــــــت والـــلـــيــــالــــــي نــــــــزول

ومــــضـــــرّ بـــــك الـــــبـــــقــــــاء الـــطـــويـــل


وقول الزهاوي :


ولـــولا دفــع ربّ الـنـاس ** بـعـض الـنـاس بـالـبـعـض

لـــدالــت دولـــة الإنـــسـا ** ن أو زالت عـــن الأرض


مقتبس من قول الله عز وجل : " ولولا دفع الله الناس

بعضهم ببعض لفسدت الأرض "

وقول الزهاوي :


لــو كــان يــسـعـى مــنــبــرٌ ** لـســعـى إلــيــك الــمـنـبـر

مأخوذ من قول البحتري :


ولـــو أنّ مــــشـــتــــاقـــــاً تــــكــــلّــــف فــــوق مـــــا

فـــي وســــعــــه لـــســـعـــى إلــــيــــك الــمـــنـــبـــر


وأخيراً ...

( تـــــوبــــــة الــــزهــــــاوي )


ماذا بقي من ألوان الخطايا يا زهاوي ؟

خمر وكفر ومروق وخيانة ومحاربة لدين الله وتشريع جديد ..

قالوا : ثم تجاوز مرحلة الشك إلى اليقين , وصار يقول

في قصيدته " ندامة ورجوع إلى الإيمان " :


أنــــا فــــيـــمــــا أبـــــديــــــتــــــه مــــــن مــــــقـــــالٍ

مـــــخــــطـــــىءٌ لــيــس لــــي أقـــــــل اســـتـــنــاد


شَـــــهِـــــد الـــلـــه والــمـــلائــــكـــــــة الأبـــــــــــــرارُ

أنّــــــي ركــــــــبــــــتُ غـــــــــيـــــــــر الــــــســـــداد


إنّــنــــي قــــد نــــدمــــــت غــــفــــرانــــك الـــلـــهــمّ

مــــن ســـــــوء مـــــــذهـــــبـــــي واعـــــتــــقــــادي


إنّــــنـــــي وقــــــد زرعـــــتُ إثـــــــمـــــاً فــــويـــلــي

ثـــــــمّ ويـــــلـــي إن حـــــان يـــــــوم الـــحـــصـــاد


ســـوف أبــــكــــي مـــــلء الـــعـــيــــون عـــلــى مـــا

قــــلــــتُ حــــتـــى يــــبـــــلَ دمـــعـــي نِـــجــــادي


ثم ماذا يا زهاوي ؟

إلـــيـــك بـــداجــــي الــلــيــل فــي الــبــحــر إن طـــغــــى

إلـــيــك إذا مـــــــــــا ريـــــــــــع قــــــلـــــبـــــيَ أفــــــــــــزعُ


قـــرأت اســمــك الــمــحــمـــود فـي الـلـيـل والــضــحــى

إذ الــشـمــس تــســتــخــفــي , إذ الــشـمــس تــطــلــع


فــحـــقّـــقــــت أنّ الــــكـــــون بـــــالــــلـــــه قـــــــائــــمٌ

وأيـــــقــــنــــتُ أنّ الـــــلـــــــه لــــلـــــكـــــون مـــبــــــدع


فإذا كان صدق في توبته فأمره إلى الله تعالى " يغفر

لمن يشاء ويعذّب من يشاء " وقد اعترف بخطاياه ,

والاعتراف بالخطأ فضيلة , وأمارة صدق ..


للموضوع تتمة

يوسف آل ابريه
28-01-2010, 02:35 AM
( ثــــورة فــي الــجــحــيــم )
ألّــف الزهاوي مــطــوّلة ـ ملحمة ـ وقد وفّق فيها أيما
توفيق , وقد أثارت هذه الملحمة المتشدّدين وكانت لها
الأصداء البعيدة في عالم الفكر والأدب , فكان لها من
هلل وكبر , وكان لها من أنكر وتنكّر , وهي على كل
حال رائعة من روائع الفن , وملحمة يقف فيها الزهاوي
إلى جانب دانتي وفكتور هيكو مبارياً ومنافساً .
وتقع هذه الملحمة في ( 435 ) بيتاً من الشعر نظمها
على وزن واحد " بحر الخفيف " وقافية واحدة , وقد تأثر
فيها برسالة الغفران لأبي العلاء المعري , كما تأثر بروحه
وأسلوبه في العقلانية الساخرة .
خلاصة الملحمة أنّ الشاعر يموت ويدفن فيأتيه ملاكا
الحساب منكر ونكير ويوجهان إليه مجموعة من الأسئلة
تتناول إيمانه بالله ودينه وحقيقة إسلامه , وطائفة من
العبادات والفرائض الدينية , كما تناولت إيمانه بالبعث
والنشور والصراط والجنة والنار , فكان جوابه مزيجاً من
حيرة يتخللها بعض الإيمان , وكان كلامه مبعثاً للشك
في أمور كثيرة , وتحريضاً للأخذ بلباب الدين دون القشور
والتمسك بما يرتضيه العقل , ويلحّ الملكان في الأسئلة
فينتفض في وجههما انتفاضة استنكار واستغراب :
أســـكـــوتٌ عــــن كـــــلّ مــــا هـــــو حـــــــقٌ
وســـــــــــؤال عــــــن كـــــــــلّ مــــا هـــــو زور
ولكنهما لا يرتدّان عما انتدبا له فيسألان عن يأجوج ومأجوج
والسد وعن هاروت وماروت , ويخلصان إلى الاقناع بأنه
كافر زنديق , وأنه يستحق العذاب , وبعدما أوسعاه جلداً ,
نقلاه إلى الجنة ليرى نعيمها ليذوب حسرات لفقدانها
فرأى من الطيّبات ما أبدع في وصفه , ومن المتع ما
بعث الحسرة في نفسه . ثم انحدروا به إلى الهاوية
فرأى النار مأوى المحبين وعباقرة الفن والشعر والجمال
ورأى فيها كبار المفكرين والمبدعين , فيما أنه لم يجد
في الجنة أحداً من ذوي التفكير والوعي والإبداع .
رأى في الجحيم سقراط وأفلاطون وأرسطو ودارون والكندي
وابن رشد وابن سينا والمتنبي والمعري وغيرهم وغيرهم
من كل عظيم وكبير , وكلهم جَلد على نارها وكلهم صبور
إنه ظلم يحمل هذا الجمع على الثورة , فيخترع أحد
علمائهم آلة تطفىء السعير , ويخترع آخر شيئاً يبيد
الناس دفعة واحدة , ويخترع ثالث شيئاً يُخفي الإنسان
فلا يُرى , وينهض خطيب الثورة فيندّد بالطغيان , ويدعو
إلى العصيان , فيزحف أهل الجحيم وعلى رأسهم المعري
وتقوم حرب ضروس مع زبانية الجحيم , تنتهي بانتصار
أهل الجحيم ودخولهم الجنة وهناك يطردوا أهلها ليحلّوا
مكانهم , ويقيمون مهرجاناً يحتفلون فيه بهذا الانتصار
العظيم , وتنتهي الملحمة بأن يفيق الشاعر من نومه
ومن حلمه الطويل :
وتـــنــــبّــــهـــــتُ مــــن مــــنــــامـــــي صـــــبــــاحــــــاً
وإذا الــــشــــمـــــس فــــي الــــســــمــــاء تُـــنــــيـــرُ
وإذا الأمــــــــــــــر لــــــــيــــــس فــــي الــــحــــــقّ إلا
حُــــــلـــــمــــــــاً قــــــد أثــــــــــــــاره الــــجـــرجــــيــــر
موضوع الملحمة : مستقى من الكتب الدينية لأوصاف
الجنة والنار , ومن رسالة الغفران للمعري , ثم من
الكوميديا الإلهية لدانتي , وأخيراً من الحالة الاجتماعية
التي كان فيها الشرق والتي كانت تدعو إلى ثورة تطيح
بالطغاة والظالمين ..
والقصيدة حافلة بالمتعة تتدافع فيها الأحداث والمفاجآت
تدافع الأمواج على سطح اليم , فلا تباطؤ ولا ثِقل ,
بل حلقات متواصلة في سلسلة الأجزاء , تزيدها طرافة
الموضوع وطرافة المشاهد تشويقاً وتاثيراً , وتزيدها روح
الشاعر وبراعة وصفه للأشخاص والأحوال فاعلية في
النفوس والعقول , حتى إذا انعقدت العقدة وتأزم الموقف
واشتعلت نيران الثورة , وشبّت الحرب بين الفريقين ,
بلغ الأثر كل مبلغ , ووقف القارىء مشدوهاً ينظر ويرى
ويسمع ويراقب وينفعل , وقد تصدعه النهاية ويروعه الحل
أو قد لا يروقه انتصار من انتصر , والشاعر في كل ذلك
لا تضعف قافيته , ولا يفتر شعره , ولا يضطرب له فكر ,
ولا تتضاءل له رُؤى .
أما الحوار فقد بلغ الشاعر فيه ذروة الفنّ في حواره
الشعري الذي يدور بينه وبين الملاكين , إنه السؤال
والجواب , والتدقيق , والإيضاح , والإدلاء بالرأي الجريء
في غير إلتواء , وفي سهولة وسلاسة وتلقائية :
قـــال : مــــن أنـــــت ؟ وهــــو يــــنــــظـــــر شــــزراً
قــــلـــــتُ : شـــــيـــــخٌ فـــــي لـــــحـــــده مــــقـــبــور
قــــال : مـــاذا أتــــيــــتَ إذ كـــــــــنــــــت حــــــيّـــــــاً
قـــــلـــــتُ : كــــــــلّ الــــــذي أتــــيــــــتُ حـــقــــيـــــر
قـــــال : مــــا ديــــنـــــك الـــذي أنـــــــت فــــي الـــــــــ
ـــدنــــــيــــــا عــــــلـــيــــه وأنــــــت شــــيـــخٌ كـــبـــيــر ؟
قـــــلــــتُ : كـــــان الإســــلام ديـــــــنــــــــيَ فـــيـــهــا
وهــــــو ديـــــــــنٌ بــــــالإحـــــــتــــــرام جــــــديــــــــــــر
ألا ترى براعة فائقة في هذا الأسلوب الحواري , الذي
خضع فيه الوزن الشعري " الخفيف " لبساطة اللغة ,
وخضعت فيه القافية لقانون الطبيعة البسيطة , وخضعت
فيه العبارة واللفظة لنظام الانسياب الرقيق الذي يخلو
من كل تعقيد وكل غموض ؟


للموضوع تتمة

يوسف آل ابريه
28-01-2010, 02:37 AM
أما الوصف , فالزهاوي وصّاف ماهر , فقد وصف في

ملحمته الملاكين منكراً ونكيراً , ووصف الجنة والنار ,

ووصف المعركة الرهيبة التي دارت بين أهل النار وملائكة

الجنة , وكان في جميع هذه الأوصاف ثريّ الصورة ,

يقتنصها الخيال من الكتب ومن أفواه الناس ويضفي عليها

من مخيلته , ومن بلاغته وسلاسة تعبيره رونقاً خاصاً ,

وطرافة خاصة , حتى إذا بلغ المشاهد الحربية أو الخطابية

التحريضية انتفضت لهجته انتفاضة حيوية , وانقضّ شعره

انقضاض هياجٍ وطعان , وراحت الألفاظ تُقاتل وتُصادم ,

وظلّت السلاسة والسهولة والعذوبة التعبيرية والدقة الوصفية

في كل ذلك مصدر المتعة الفنية التي تملأ نفس القارىء,

قال يصف ملاكي الحساب :


لـــهـــمــــا وجــــهـــــان أبْـــــتَــــنَــــــتْ فـــيـــهــــمــــــا

الـــــشّــــرّةُ عـــــشـــــاً , كـــــلاهـــمـــا قِـــمـــطـــريـــر


ولــــكـــــلّ أنــــــــــفٌ غـــــــلــــــيـــــــظٌ طــــــــويـــــــلٌ

هــــــو كــــــالـــــقَــــــرْن بـــالـــنّـــطـــاح جـــــديــــــــــر


وبــــــأيــــــــديـــــــهــــــمـــــا أفــــــــــــاعٍ غِــــــــــــــلاظٌ

تـــــــتــــــلـــــــوّى مـــــحــــفـــــوفــــــــةً وتـــــــــــــــدور


وإلـــــى الـــــعـــــيـــــون تُـــــرســــــــــل نـــــــــــــــاراً

شــــرّهـــا مـــن ومــــيــــضـــهــــا مُــــســتـــطـــيــــر


كــــنــــتُ فــــي رقـــــــدةٍ بـــــقــــبـــري إلـــــــى أن

أيـــــقــــظــــانـــــــي مـــنـــهــــا وعــــاد الـــشــعـــور


إنه وصف ترهيبي فيه من سذاجة الملاحم وتضخيم الخيال

ما يزجّك في جوّ أسطوري أخّاذ .

ومن قوله يصف الجنة وفي وصفه لها متعة تَعْلق بكل

لفظة من الألفاظ وبكل عبارة من العبارات :


ثــــمّ طــــــارا بــــي فـــي الـــفــضـــاء إلـــى الـــجـــنّــــة

حــــتــــى يُــــــغــــــرى بـــــــلــــــومــــــي الــــــضــــمــــيـــر


وأســــــرّا فــــــــــي أذن رضـــــــــــوان شــــــــيـــــــئـــــــــاً

فـــــــأبــــــــاح الــــــــــجـــــــوازَ وهــــــــــوَ عــــــســـــيـــــــر


لــــمَــــسَــــتْ إذ دخــــلــــتــــهـــــا الـــــوجـــــــــه مــــنّــي

نـــــفـــــحــــــةٌ فـــــــــاح عـــــــطــــــرهـــــــا والـــــعـــبــــيـــر


جـــــــنّــــــــةٌ عـــــــــرضــــــــهـــــــا الــــســــمـــــوات والأرض

بـــــهـــــا مـــــن شـــــتّـــى الـــــنــــعــــيــــم الـــكــثـــيـــر


فــــطــــعـــــامٌ لـــــلآكـــــــــلــــــــــيـــــــــن لــــــذيـــــــــــــــــذٌ

وشــــــــــــــرابٌ لــــلـــــشــــــاربـــــيـــــــــن طــــــــهــــــــــــور


وجــــمــــيــــع الـــــحـــــصـــــبـــــاء دُرٌّ ويــــــــــــاقـــــــــــوتٌ

ومــــــــــــاسٌ شــــــــعــــــــاعــــــــــــه مُـــــــســــتـــــطــــيـــر


وعـــلــى أرضــــهـــــا زرابــــــــيّ قـــــــــــد بُـــــــثّـــــــــــتْ

حــــــــســـــــانــــــــــاً كـــــــــأنّــــــهــــــــنّ زهـــــــــــــــــــور


ويروعك وصف المعركة الدقيق الذي أفرغ فيه الشاعر شتى

طاقاته التصويرية , ومما قال :


وتــلاقـى فــوق الـجــحــيــم الــفــريــقــان ,هـذا نـارٌ وهـذا نــور

فـــصـدامٌ كــمــا تَــصــادم أجــبـــالٌ رواسٍ ومـــثــلــهــن بـحـور

يــتــرامــون بـالـصـواعــق صــفـيـن , فـيـشـتــدّ الـقـتـال والتدمير

حـاربـوا بـالريـاح هُـوجـاً , وبالإعصـار فـي نـاره تـذوب الـصـخـور

حـاربـوا بالبروق تُومض , وبالرعد فـيـغـلي من صوته التّـامور

حـاربـوا بالبحار تُلقى على الجيش بِـحـولٍ ومــاؤهـا مـسـعـور

حـاربـوا بالــجبال تُــقــذف بــالأيدي تـبـاعـاً كـأنّـهـنّ قُـــشـــور

بالبراكين ثــائراتٍ جَــرتْ مـن حــمــمٍ فـيـــها أبــحــرٌ ونــهـــور

وقد اهتـــزّ عـرشُ ربّـــــك مـن بـعـد سكونٍ والــدائرات تدور

ولــقــد كــادت السمــوات تـــهــوي ولقد كادت النجوم تغـــور

كانت الحرب في الـبـداء سـجـالاً , ما لصبحِ النصر المبين سفور

ثــمّ للــنـــــاظـــريــن بان جليّـاً , أنّ جيش الملائك المدحور


وهكذا كان الزهاوي من أبرع الوصّافين كما كان وصّافاً قديراً

في سائر شعره ..

وللأمانة نقول : بأنّ ملحمته " ثورة في الجحيم " قد

فسرت تفسيرين , الأول أنه يقصد بثورة أهل الجحيم

ثورة البائسين على الأغنياء , وانتصارهم عليهم , والآخر

أنه يصوّر تصويراً خيالياً ثورة في السماء , ولقد صرح

الشاعر بهذا التفسير حين سأله الملك فيصل الأول عن

مراده في هذه القصيدة , فقال الزهاوي :

" وماذا تخشى من شاعر بلغ من السنين عتياً ,

وحاربته الأيام وتكاثرت حوله الأعداء , فانفعل انفعال

الشعراء , شاعر عجز عن اضرام الثورة في الأرض ,

فأضرمها في السماء "



تحياتي

محمد
27-08-2011, 09:06 AM
لا حُرمنا يا أبا أحمد..
كنت أبحث في النت عن الزهاوي, فكان موضوعك من ضمن ما اقترحه عليّ قوقل.
استمتعت وأفدت منه كثيرًا, فطريقة عرض الموضوع مشوقة جدًا والأسلوب جذاب, فالتهمتُهُ دفعة واحدة.
شكرًا جزيلاً لك.

سلطان اليباب
27-08-2011, 08:37 PM
جميل و بديع .. قرأته مرةً أخرى