المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الحمامةُ تأتي لَتُشْعِل فيك قلق الحياة


حليمه نصرالله
04-01-2010, 01:13 PM
إلى / علي عبدالله ، كانت هذه القراءة
شكرًا لِتحريضك ولِكرم الصفقةِ الـ كانت معقودة :butt:

http://www.fotat.ws/wp-content/uploads/2009/09/103866.gif




الحمامةُ تأتي لَتُشْعِل فيك قلق الحياة ..


الحمامةُ تمشي وأنت تخشى الفضيحة يا "جونثان" !


الحمامةُ تراك وَ لا تأبه ، وَ أنت تراها و تختبئ في قبرك !


جونثان الذي جاء في رواية "الحمامة" للكاتبِ " باتريك زوسكند" ، هو مثال الخذلان الاجتماعي إذا يُخذل بفقد والديه طفلاً ، ثم أخته ، وهروب زوجته بعد أن وضعت طفلاً بعد زواجهم بِأربعةِ أشهر ، جونثان الذي لم يحاول قط أن يتخذ قرارًا يخصه، إلا بعد أن طُعِن في أقصى القلب ليهرب إلى باريس بعد توصل إلى يقينٍ من : " أن الناس لا يُوثق بهم ، وأن على المرء إذا أراد الهدوء و السلامة أن يبتعد عنهم "
إثر هذا اليقين الذي حمله معهُ إلى باريس ، وقع جونثان في الحب ! وقع أسيرًا لا يستطيع الفكاك من عشقِ غرفتهِ رقم 24 في الطابق السادس من عمارةٍ في شارع دو لا بلانش ، طولها ثلاثة أمتار وأربعين سنتمترًا وعرضها مترين وعشرين سنتمترًا وارتفاعها مترين ونصف المتر ، كانت هذه المواصفات بالنسبة لجونثان باذخة وَ أنيقة ، إذ تحميه من شرّ الاختلاط بالطرفِ الآخر من العالم و تُوفر لهُ بِجدرانها الأربعة الطمأنينة والرّاحة.وَ كانت أقصى أُمنياته أن يشتري هذه الغرفة/الطمأنينة ويشرب نخب تقاعدهِ فيها.
إلا أن حادثة الحمامة ، التي لم تكن في الحسبان ، قد هدمت كل ما بناه جونثان قبل الخمسين من عمره!
الحمامة التي قابلتهُ صباحًا وهو يستعد للخروج من الغرفة - بعد أن أصاخ السمع واطمأن أن لا أحد في الخارج - ليستخدم الحمام المُشترك قبل استيقاظ الآخرين ، فهو لا يقوى على تحمل المجاملات : " لقد حدث له مثل هذا ذات مرة ، صيف 1959 قبل 25 عامًا ومازال بدنه يقشر كلما تذكّره. ذلك الخوف المتبادل من مرأى الآخر ، الخوف المتبادل من خسارة المجهولية أثناء فعل يتطلب أعلى درجات المجهولية ، ذلك التراجع والتقدم من جديد ، تلك المجاملات المتبادلة الطارئة : تفضل أنت ، أنت أولاً ، لا ، لا والله بعدك يا سيدي الكريم ، أنا لست مستعجلاً ،لا، أنت أولاً ، أنا مصر على هذا ، وذلك كلّه في البيجاما"
حين هم بالخروج ، وجدها جالسة أمام بابه " بقائمتيها الحمراوين من ذوات المخالب، بأرياشها الرصاصية الزلقة على بلاط الممر الأحمر حمرة دم الثور ، تلك الحمامة أدارت رأسها وبحلقت في جونثان بعينها اليسرى ...ص 13"
وهنا أستطيع أن أقول بأن زوسكيند كان رائعًا في تحويل الحمامة من رمزٍ للسلام ، إلى وصفٍ بشعٍ ومخيف ، إلى رمزٍ يستفز الآخرين كما استفز جونثان الذي هرع عائدًا إلى غرفةِ نومه، لكن هذه المرة ثمّة حدث أفزع طمأنينته و باتت الصومعة/الغرفة، المكان الآمن ، مصدر الفوضى والقلق ، حيث خطر له بأنه سيموت بالجلطةِ الدماغية الآن لِرعب المشهد ، الحمامة التي زلزلت كل حياة جونثان ، حتى قرر أن يحمل حقيبة سفرِهِ ويستأجر غرفة في فندقٍ آخر ، بعيدًا عن هذه الحمامة.
خرج بصعوبةٍ بالغة من العمارة حتى يبلغ عملَهُ كحارسٍ في البنك ، هنا انفضت الأشياء عن ترتيبها و خرجت شريعة الفوضى لتحاصر جونثان المفزوع بسببِ حمامة؛ استعرض حياته كاملة مشهدًا مشهدا وهو واقفٌ يحرس البنك ، يبحثُ عن نقطة تتسمر فيها عينيه ليبقى صامدًا أمام صخب الأفكارِ التي تطرقُ رأسه ، الموت الذي ربما يغافلهُ الآن ويأتي ، المرض ، والتشرد .
كان جونثان قد توصل في حياتهِ سابقًا :"إلى عرفان أن جوهر الحرية الإنسانية يكمن في امتلاك مرحاض مشترك وأنه يتمتع بهذه الحرية الجوهرية"
بعد أن كان يحسد ذلك المشرد الذي يحصل على قوت يومه بدون أي تعب ، حتى رآه ذات مرةٍ و هو-المشرد- يُعري عجزه ويتغوط أمام الناس ، المنظر الذي أفزع جونثان وأرعبه ، فكيف يمكنُ لشخصٍ أن يفعل أكثر الأشياء خصوصية في الأماكن العمومية !!
؛
تكتملُ الرواية ب 79 صفحة من القطع المتوسط
مارس فيها زوسكيند بخفةٍ رهيبة كل أنواع القلق و التساؤلات حول الحياة والطمأنينة والرضا
إذ عرض حالة المُشرد الذي يتغوط وينام ويأكل في زاويةٍ من الشارع راضيًا ومطمئنًا ، وجونثان الذي يُحكم إغلاق البابِ خلفهِ في صومعته مطمئنًا أيضا !
و ما الفرق في الطمأنينة بين من يتغوط في الشارع عاريًا وَ من يتكشفُ طريق الحمام إن كان خاليًا ؟
واختبر الطمأنينة بحمامة ! الحمامة التي تجعلك تكتشف أن عمرك كلهُ كان واقفًا على قشة وها قد سقط !
متى يجب أن تكون مطمئنًا وراضيا ؟ ومتى تستطيع التأكد من أن حياتك تسري بشكل جيد ؟
كما قلّب استخدام الرموز حين استخدم رمز الحمامة هنا ، كرمزٍ للفزع والقلق ، بدل أن يستخدم البومة أو الغراب مثلاً

ربمايقول زوسكيند هنا أنه لا يوجد دعامة تستند إليها في الحياة إن حدث طارئٌ ما ، أو ربما يقول أن الحياة تتحرك بأيدينا وأن لنا القدرة في فتحِ شباكِ الفوضى على أنفسِنا و إغلاقه ، كما يعرض نظرية العلاقات الاجتماعية و العزلة ، أيُّهما سيكون أرحم ، لو كان جونثان شخصًا اجتماعيًا هل ستفزعه الحمامة كما أفزعتهُ و هو مُنطوي ؟





حليمة نصرالله


http://gfx2.hotmail.com/mail/w4/pr01/ltr/emoticons/rose.gif

سلطان اليباب
18-01-2010, 12:13 PM
لا أدري إن كانت لدي حساسية من اسم باتريك هذا فقد سقطت رواية العطر في يدي و لم أقرأها و أيضاً نفس الحالة انتابتني مع رواية الحمامة...

القراءة جميلة يا حليمة

و الحياة هكذا لا تكتشف إلا بصدمة، قد تأتي من مخلوقات ربما بحجم النملة.

تحية لقلبك الأبيض

زهر
23-01-2010, 09:35 PM
أمْلك ذات اليقين وحافة الهرب .. لأني لمْ أنفذ السقوط بَعد فِي دائرة الرحيل / الهرب - لا أزال على الحافة -.

هذا الـ باتريك .. يُشبه حيرتي ، وضعفي ، ورغبة الهرب هذه .
يا الله يا حليمة ..
أثرتي فيّ حرفه ، سأبحثُ عنه وأقرأه .

شُكرًا ، :wf:

Corazon mia
29-01-2010, 12:40 AM
أظن بأننا بحاجة لصفقات أخرى أيّتها الغارقة ُ في " طفيح " القلم ..

قراءتك جميلة جدا