المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : غادة الحسن.. بلغات الطير


سماهر الضامن
06-12-2009, 09:17 AM
فيما يبدو تصعيدا قصديا لاستفزاز الفكر والحواس، تشتغل الفنانة غادة الحسن في معرضها الشخصي الأول (هنا منذ الأزل) على قيمة التكرار بمفهومه الدولوزي.. التكرار بما هو إعادة إنتاج، أو نموذج يدفع إلى التفكير، ويؤدي إلى الاختلاف بما هو ابتعاد عن الهوية المفترضة.
عبر ما يزيد على مئة لوحة، اعتمدت غادة لمجموعتها تيمة أساسية هي الرأس، الرأس البشري الخام، وليس الخالص التام المكتمل. وأمام مركزية التيمة التي تمارسها الفنانة، تكمن الصعوبة في خلق انزياحات بصرية وموضوعاتية تؤدي إلى تكرار مبدع بعيد عن المظاهر السطحية والمجردة من أجل بلوغ اختلاف إيجابي وتوكيدي.
هو تحدي الحياة الحديثة بتعبير جيل دولوز، حين تدفعنا إلى عدم التوقف عن استخراج الاختلافات الصغيرة والمنوعات والتعديلات عندما نجد أنفسنا أمام التكرارات الأكثر آلية والأكثر قولبية خارجنا وفينا. وعلى العكس من ذلك، تعيد فينا وخارجنا تكرارات سرية ومتخفية ومخبأة، ينعشها الانتقال الدائم لاختلاف ما، تكرارات عارية وآلية ومقولبة؛ ومهمة الحياة هي جعل كل التكرارات تتعايش في فضاء يتوزع فيه الاختلاف.
لا يحضر الاستثناء هنا، كل لوحة تضمنت تكرارا للعلامة الموحدة، وأعادت صياغة الخطاب التعبيري بذات اللكنة، وذات الإشارات والعناصر والمكونات؛ وبتثبيت عناصر محددة وإزاحة عناصر أخرى من الصورة، حيث نسجت الفنانة في لوحاتها نصا بصريا مفتوحا من التكرار المؤسس على قصدية الاستفزاز.. الرأس الخالية من مقومات الجمال الإنساني حسب المعايير الأكثر ألفة، والخالية من العامل الأساسي للوجود الإنساني ذاته؛ أي اللغة التي يتحقق بها التواصل والتخاطب والتبادل والاحتضان المعنوي.. وهو ما يُتوصل إليه هنا عبر الإلحاح على طمر الآذان والأفواه في اللوحات جميعها، حتى ليبدو فعل الطمر باديا ومقصودا إبرازُه في بعض اللوحات التي عمدت الفنانة فيها إلى إحداث ذلك الفعل بعد إنشاء العنصر المغيب ابتداءً، فثمة أثر لوجود أولي للشفاه أو الفم في عدد كبير من اللوحات، قبل أن يطالها التدخل اللاحق بالطمر الذي تُرك باديا للعيان.
ذاك الضغط البصري هو ما يدفع المتلقي للتخلي عن بداهة الحاجات الاعتيادية، أي الرغبة في رؤية ما هو جميل ومألوف ومريح، واستبدالها بعناصر تأتي لتزعج مجرى التفكير، ثم تكرار تلك العناصر ليحضر بالتكرار ما يرغم الفكر ويكرهه على التوقف وإعادة النظر والتأمل. وهو ما يحرض هنا على قراءة هذا المشهد كخطاب وكمضمون قبل التنبه لدلالاته الشكلية كعمل فني يخاطب حاسة الإبصار بشكل أساسي.
أين إذن يكمن الاختلاف؟؟ كيف يمكن أن ينتزع من التكرار شيئا جديدا؟ وهل تمكنت غادة أن توظف التكرار لتخلق منه الاختلاف؟؟ هنا يأتي دور المخيلة المتأملة في أحوال هذا التكرار، ما بين تقطيع وتوزيع وتبعثر وحضور أو غياب..
كل شيء، كما تقول السيميولوجيا، يوجد داخل النص: فاللوحة هنا هي بؤرة التمثيل وسند منطق الإحالات لهذا النص البصري. وكل شيء يوجد خارجه أيضا؛ فعناصر اللوحة تهاجر نحو أقاليم أخرى بحكم التجاور والإحالة الرمزية والتذكر والتلميح، وبناء على هذا، فإن الضمانة الوحيدة على تماسك وانسجام هذا الكون الذي تؤسسه غادة هي بالضبط هذا الفصل بين المتحقق والضمني، بين المعطى المباشر وبين ما يتسرب – في غفلة عن الصور واللوحات أو بتواطؤ منها – إلى النص البصري ليشكل ذاكرة الخطاب وذاكرة المتلقي، وهو أيضا ما يرسي قاعدة للحوار والتخاطر بينهما.
لا يتم انتقاء العناصر الأساسية أو حتى المحايثة لها بشكل اعتباطي على الأغلب، ولذا فإن لكل حضور دلالته، كما أن لكل غياب دلالة أيضاً. كل شيء داخل النص وخارجه؛ الحضور الطاغي لقصاصات الجرائد والمجلات كخامات أساسية للكولجة في لوحات المجموعة يعادل الحضور الخانق للازمة العصر الحديث: الميديا والإعلام وما يحقنان به الرؤوس من ضجيج وصخب، وأحيانا فزع يفضي للبعثرة والانشطار المتشكل في الوجوه الممزقة والمبعثرة. كذلك الصور الكولاجية الأخرى المنبثة في بعض أجزاء جسد النص: الساعة، الأرقام، الشوارع، رقعة الشطرنج، إحالات على ثقل وطأة الزمن وحركيته ووحشية لعبته وما يخلفه من وجع أزلي يطفو في تعبيرات وإيماءات الوجوه..
أما العنصر الأكثر فرادة في تكرره فهو الطائر الميت.. ولماذا تموت الطيور دوما؟؟
في قلب المشهد/ النص، تنتصب الفزاعة، تتجمع بين يديها وتحت رقع جلبابها جثث الطيور التي تسّاقط حيواتها كالأوراق طازجة يانعة.. المبتدأ مقبرة الطير. وهذا المجسم هو أول ما يستقبل زوار المعرض، لتتوالى الوجوه تباعا في اللوحات إما بعيون مغمضة الأجفان، وإما محدقة في الفراغ بما يشبه في الحالين تماما أعين الطير. ولعل إبراز عنصر الأنف والتركيز عليه إلى جانب العين الفارغة السوداء يعزز دلالة التعالق في كائنات غادة بين الإنسان والطير، فالأنف في الوجه البشري هو الجزء المشابه للمنقار في وجه الطير.

وكلما تكررت الوجوه أعادت صياغة ذات الرسالة: هنا كائن متخلط من عجينة الإنسان وعجينة الطير، حتى تسربت تلك الرسالة عمدا أو عفوا في اللوحة الوحيدة التي أعملت فيها الفنانة تقنية الكتابة بخط اليد، فوقّعت بين وجهين متقابلين بوضعية التحاور عبارة غادة السمان: "كنت أحدثك بلغات الطير".. وإذن فإن الوجوه حين فقدت بصرها لم تفقد بصيرتها (باعتبار أن لعين الطير في الرؤية إمكانات تتجاوز قدرة عين الإنسان)، وحين فقدت صوتها لم تفقد تماما لغتها، حيث حضرت الإيماءات والإشارات والنظرات التي استعارت خواص الطير وسماته..
لقد تخلقت هذه الوجوه في رحم الدروازة؛ الاشتغال الفني السابق لغادة في مرحلة البحث والتشكل، والدروازة (التي حضرت آثارها في هذه المجموعة من خلال بعض العناصر والخطوط والألوان) ملتحمة بذاكرة الفنانة المشحونة بأخيلة قريتها الساحلية التي كان، وما يزال، يتجاور فيها الإنسان والطير، ويتقاسمان رزقهما وعيشهما في البحر.. هنالك لم يكن ثمة اختلاف بين أصوات البشر وعيون الطير.. وإذ نصل إلى سؤال: إلى أي حد نتشابه؟ فإن هذا يعيدنا إلى نقطة: إلى أي حد نختلف؟
كما الناس يتكررون ويختلفون؛ الكائن في البداية اختلاف، ولكن الوجود هو نفسه تكرار وإعادة بدء. وسواء أكنا بشرا أم طيرا أم كائنات بين هذا وذاك، فإن لنا فرادتنا مهما تكررت أوجاعنا وحيواتنا ومماتنا وعودنا الأزلي... فرادة تشبه أن تجتمع في وجه ما، كل عناصر النص قبل أن تعيد تكرار نفسها بتمثلات لا نهائية في بقية الوجوه...

سلطان اليباب
06-12-2009, 07:49 PM
جميل سماهر ... قراءة متأنقة

هذه كانت قراءتي للمعرض، بعيون اللحظة ...

"ربما يكتبُ علي من وعيه الحاضر و من خلال قراءات متعمقة حول الانفعالية و الجمالية ... لكني أكتبُ من خلال الصور الراسخة في ذهني و أستمدُ منها الانفعالات الآنية أو اللاحقة. الآن بعد أن رجعتُ و بدأتُ أسترجعُ تفاصيل الصور أحس كثيراً بالوجع فيها، هناك رأيتُ الإنسان منذُ تكورهِ خلايا تستمدُ تفاصيلها من خلال موروثاتها و المحيط بها و هكذا كانت الوجوه مليئة بالتفاصيل الممحية لتترك التعبير من خلال محجر العين الذي غالباً ما كان خاوي الوفاض إلا من شقين لا يمكن الرؤية من خلالهما. بعض المحاجر التي تفتحتْ لم تبنأ عن أكثر من عالمٍ آخر أعمى كأن الصور تقول لهمٌ عيونٌ لا يبصرون بها ...
وجوهٌ ممزقة، صراخٌ ينبتُ على أطراف الصور، وجعٌ يستشري في الملامح المتلاشية للشفاه الباهتة. الكثيرُ مما لم تبحُ به غادة بالتفاصيل المبطنة أو المنثورة أو حتى التي حاولتْ شبكها بخيوطٍ لم تصل الأشلاء ببعضها كان مكتوباً في الذبول حتى في اختيار اللون الذي دار حول الطين و لم يخرج منه. كأنه الإنسان منذ الأزل يقف بدون ملامحه متسائلاً عن كيفية البوح و كيفية التواصل مع الآخر ... أجدُ السؤالَ ناشزاً كأن كل لوحة تحمل ألف سؤال عن البقاء و الإجابة في الكفوف الممتدة و العصافير الميتة و بقايا الأوصال المبعثرة خلف الحروف و بين الأرقام... و بعضها نشأ فقط من حروف أياً ما تكون و كيفما تعني!

التركيز خائرٌ الآن، لكني تركتُ الوجع و الصراخ في أفواهٍ لا شفاه لها .. هكذا نكونُ دائماً و منذُ الأزل

هذه فسحة لا متناهية من التأمل خارج نطاق المألوف في بحثنا عن لغة التواصل المفقودة."

سماهر الضامن
07-12-2009, 12:37 PM
وقراءتك الخاطفة لماحة فاضل..

:butt:

Corazon mia
07-12-2009, 11:31 PM
عميقة

لكنّي لا أغرق ..

غادة
08-12-2009, 06:58 AM
سماهر:
قبل يومين تحديدا، كنتً أجري بعض التعديلات التنسيقية على الملف عندما وجدتني استغرق في قراءته وكأنها الأولى، ومع آخر كلمة هتفتً مجددا بنفس الجملة التي صدرت مني في المرة الأولى أيضا،
تتذكريها مو؟ :)


افتح صفحة سنابس في ذات اليوم لأجد القراءة أمامي..

ابتسمتً فقط.



فاضل، علي عبدالله
:054: :054:


يوم غد بإذن الله، سوف تعرض جزء من التجربة على صالة "اتيليه جدة"
أطالع الغد بالكثير من الترقب، التشوق، القلق ربما أيضا


دعواتكم يا رفاق

سماهر الضامن
08-12-2009, 03:41 PM
عميقة

لكنّي لا أغرق ..

قليل من البلل أحيانا خير من الغرق يا عزيزي..
قرأتك في معرض غادة وكانت رؤيتك عفوية وشفافة..


أهلا بك..
وأشكر دعوتك المبطنة للعودة بــ (بقايا الأثر) ..

:butt:

سماهر الضامن
08-12-2009, 03:49 PM
سماهر:
قبل يومين تحديدا، كنتً أجري بعض التعديلات التنسيقية على الملف عندما وجدتني استغرق في قراءته وكأنها الأولى، ومع آخر كلمة هتفتً مجددا بنفس الجملة التي صدرت مني في المرة الأولى أيضا،
تتذكريها مو؟ :)


افتح صفحة سنابس في ذات اليوم لأجد القراءة أمامي..

ابتسمتً فقط.



فاضل، علي عبدالله
:054: :054:


يوم غد بإذن الله، سوف تعرض جزء من التجربة على صالة "اتيليه جدة"
أطالع الغد بالكثير من الترقب، التشوق، القلق ربما أيضا


دعواتكم يا رفاق

وهل تذكرين رفيقتي التي أخرجتها لوحاتك من عتمتها؟؟
لعلها واجهت في تلك الوجوه روحها المهشمة.. فتحررت منها..
خرجنا من المعرض وكانت تسير بخفة،، للحظة كانت تطير إلى جانبي، وتتحدث بلغات لا أفهمها..


ستحظين بكثير من التوفيق يا صديقتي البيضاء..

محبة بكل اللغات ..

:wf::wf:

غادة
22-12-2009, 11:31 PM
.




http://ksa.daralhayat.com/ksaarticle/88987





.