المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : بقايا الأثر " سماهر الضامن "


Corazon mia
16-11-2009, 01:28 PM
صحيفة الحياة



امرأة «مأزومة» ... تعيش «مأزقها» الوجودي
الثلاثاء, 03 نوفمبر 2009

http://ksa.daralhayat.com/files/imagecache/medium_thumb/files/rbimages/1257185886554130200.jpg
سماهر الضامن


Related Nodes:
1256752229304888600.JPG (http://ksa.daralhayat.com/ksaarticle/72453)




تذهب كارول بي كريست إلى أن إدراك النساء الحسي المكثف بخبرتهن في العدم، أي إحساسهن بعدم أهميتهن ودونيتهن واضطهادهن، يمنحهن أحياناً إدراكاً وبصيرة في فهم القوى الكبرى للعدم، وهي القوى التي تعمل في عالم الرجال. تقول: «فربما تكون لديهن رؤى ثاقبة ومتعمقة للكيفية التي تعمل بها القوى المدمرة للرجال، ليس في حياتهن الشخصية وحسب، بل أيضاً في العوالم الأكبر للطبيعة والمجتمع. وحتى حينما لا يستطعن أن يوضحنها بالكامل، فإن النساء ربما يشعرن بنوع من الربط بين وقوعهن كضحايا، والتدمير التكنولوجي القاسي للبيئة، واستغلال الفقراء، وقصف القرى في الأراضي الأجنبية» (الصوفية النسوية- 46). الأمر الذي يُلحظ بوضوح في رواية «وجهة البوصلة» لنورة الغامدي، إذ لا توجد فواصل بين الساردة وفضة وبغداد والكويت، وحيث يُنظر لمآسي النساء كجزء من منظومة تبدأ بهن ولا تنتهي بالدمار والحروب التي لم ينتجها سوى أطماع الذكور وجشعهم وتطلعهم الدائم نحو الهيمنة والسيطرة.
إن شخصية البطلة/الساردة في هذه الرواية تمثل نموذجاً فريداًً للمرأة المأزومة التي تعيش مأزقها الوجودي وتمزقها بين وعيها ورغباتها وأحلامها، وبين القيم الاجتماعية التي تفرض عليها، بخاصة في علاقتها بالآخر/الرجل، فهي امرأة متعلمة، مثقفة، واعية، متدفقة، تمتلك ذاكرة مشحونة بالتفاصيل المرهفة، وبتوقٍ للحب والحياة، كما تمتلك حساً عالياً بالأشياء من حولها، وميلاً لاستشعارها ورؤيتها بشكل مغاير (كما يظهر جلياً في محادثاتها الهاتفية مع (علامة) الرجل الحلم أو المشتهى)، لكنها، كغيرها من النساء اللواتي يتشكل لديهن مثل هذا الوعي، تواجه بالواقع الخانق الذي تعجز عن التآلف معه أو تقبله، كما تعجز عن الخروج عليه والثورة ضده. وإن كانت، في الوقت نفسه، تتمرد عليه بطريقتها، وتحاول فرض شروطها الخاصة، تارة من خلال الامتناع عن المعاشرة الجسدية لزوجها، أو من خلال التمرد العلني المتمثل في الهروب من بيت الزوجية. وحتى عندما يجبرها والدها وعمها السبتي على العودة إليه (ذليلة حرب) كما تسمي نفسها، فإنها تجبر الجميع على الرضوخ لشروطها: «وأنا أعتسف رقبته هو.. ورقاب رجال البيت بشروطي التي لم تملها عليّ أمّ أو خالة...
- سأعود لحمود.. لكن شرطي أن يدع لي جزءاً من الدار، ولا أطلب العزلة، ولكن مكان صغير في أول المنزل الكبير، أو أعلاه أو أسفله.. بمدخل خاص، وألا يضايقني أحدكم في حياتي، وألا تطالبوني بما عهدتموه في نسائكم..» (257).
وينطوي هذا المقطع على أكثر من دلالة، فالساردة تتقصد استحضار ذكرى أمها (ذات الأصول التركية) التي هجرت والدها بعدما تزوج بامرأة أخرى، وهو ما لم تكن النساء في محيطها يجدن فيه غضاضة، بل إنهن يعتبرن المرأة التي تهجر زوجها في حال زواجه بأخرى امرأة حمقاء تخلي مكانها للقادمة الجديدة بدل أن تسعى لترسيخ وجودها وتثبيت مكانتها، ولذا تستنكر جميلة أم حمود صنيع والدة الساردة: «ماذا في ذلك؟ الرجال يتزوجون.. الرجال يخونون، والرجال ينامون في فرش غير فرش نسائهم، وينتشون بأصوات غير أصواتهن.. وهذا عمك «السبتي» متزوج بامرأة في عمر أصغر بناته شفاه الله وعافاه من مرضه.. ماذا في ذلك.. قعدت على كبده وكبدها..» (88)، أما الساردة فإنها تؤكد باستحضار الأم والخالة أنها لا تنتمي لهذه الثقافة ولا ترتضيها، كما أنها واعية تماماً باختلافها وتفردها في بيئة لا تسمح بمثل هذا الاختلاف، وهي لا تكتفي بوعيها الشخصي بذلك الاختلاف، بل تعلنه وتجهر به وتسعى لتوكيده: «لا تطالبوني بما عهدتموه في نسائكم»، فهي تعلن للجميع اختلافها ورفضها لما تمثله هؤلاء النساء المستلبات من قيم السلبية والضعف والخضوع والرضوخ.
ولأنها تدرك صعوبة تقبل المحيطين بها لهذا الأمر، فإنها لا تحاول استثارتهم أو إغضابهم بالصدام العنيف معهم، بل على العكس تماماً، فإنها تبسط مطالبها وتخاطبهم بلغة يفهمونها ويستجيبون لها، ويساعدها وعيها وذكاؤها على معرفة نقاط الضعف لدى غريميها فتنفذ إليهما منها:
«أرجوك أبي... أرجوك عمي...
أذكر جيداً أنني انحنيت وقبلت قدم حمود فانتفض السبتي: «كرمك الله يا بنت أخي ما تستاهلين وابشري بعزك وما كانت روسنا لو أهنا بنتنا في بيتنا» (257).
وبعكس موقف الساردة السلمي والذي يبدو في ظاهره مداهناً، فإن (فضة) تتطرف في المواجهة وتدفع بها لأقاصيها، وتتخذ طريق الاستفزاز لتعري قامعها وتكشف سوءاته. فهي تجهر أمام (عم جبر) بعلاقتها الحميمة بثامر حتى بعد زواجها، مما يغضبه لدرجة أن يصفعها، فتهاجمه بحنق: «أتدري... لم تصفعني؟ لأنك أنت قليل أدب، وعمتي جميلة قليلة أدب... والسبتي... وثامر والعالم كله... كله قليل أدب.
- كرر الصفعة على وجهها فتعلقتُ بكتفيه...
- عم «جبر» لا تضرب «فضة».
- ألا تسمعين؟ إنها امرأة متزوجة.
- «طز».
كممت فمها صارخة ... «فضة» عيب...
- أنت «سوسة» فلا تلمسيني... ولن أصمت فالعالم كله قليل أدب، وأنا واحدة من هذا العالم، ولن أحيد عن الطريق... قلة الأدب حياة كاملة»(98).
تعرضت (فضة) لأبشع أنواع القمع والأذى، إذ فرض عليها السبتي الزواج بحمود ليبقيها ويبقي جسدها رهناً لديه فلا يمسه (كما فعل هو بعمتها بركة)، وبذلك يمحو آخر آثار السلالة السوداء من نسب العائلة العريق. ثم استغلها حمود أسوأ استغلال على صعيد الجسد، فكان يستخدمها لإشباع رغباته بطرق شاذة، وهي تعلم أن لا أحد سينكر عليه ذلك، لكن الجميع يتظاهرون بأنهم حريصون على الفضيلة والأخلاق فيستنكرون عليها أن تحب من تريد وتمنحه ما تريد، بينما لم يستنكروا ما فعله السبتي وابنه بها ولم يحاول أحد ردعهما، ولذا تحتقن نفسها بالحقد والمشاعر العدائية تجاه الآخرين والعالم كله، هي امرأة تشعر أن خياراتها في الحياة محدودة، وأن ليس لديها ما تخسره، ولذا تجاهر الجميع بسوءاتهم وتستخف بكل قوانينهم ومقدساتهم بلا خوف أو تحفظ.
يظل الرجال على امتداد النص هم مصدر الأذى والقمع، وقد أمعنت الكاتبة في توجيه جميع الشخصيات الذكورية التي شكلتها بهذا الاتجاه، فالسبتي الكبير، وحمود، وثامر، ووالد البطلة، وعبود السبتي، كلهم يجمعهم نموذج التسلط والهيمنة، وباستثناء (عم جبر) الذي يشكل ذاكرة فلسطين، وذاكرة الطبقات المسحوقة من أفراد المجتمع، فإن الرجال يندر أن يشذ منهم أحد عن تلك الصورة. أما الرجل المراد/المشتهى، والذي ظل هاجساً لدى الساردة فإنه يظل حلماً من الصعب أن يتحقق ويوجد: «فالرجل الذي أبحث عنه، والذي لم أجده في الرجل المثقف الذي لا يعوض... الرجل المطارد من كل النساء في بلدتنا... «ثامر».
ولم أجده مع الرجل الذي أنا وهو من بيئة واحدة ومن بيت واحد... «حمود».
لذلك فقدت الأمل... لأنني لم أجده... ولن... وأفضل شيء أن تبقى في عزلتك... وتؤمن بأن مزرعتك... عزلتك أجمل مكان في العالم...» (163). وحتى عندما انفتحت كوة الأمل، ووُجد ذلك الرجل (علامة) فإنه ظل أشبه ما يكون بحلم؛ مجرد صوت، وفكرة تمر عبر أسلاك الهاتف ولا تتحقق كواقع ملموس. وعلى رغم أن السرد كله كان موجهاً إما لعلامة أو لفضة (بضمير المخاطب) فإن كلاً منهما يظل مجرد روح أو طيف أو فكرة تؤمن بها الساردة وتحلم بتحققها، ونهاية الرواية تعزز تلك الدلالة إذ جاءت الكلمة الأخيرة فيها لفضة التي تنطق من عالمها العلوي هامسة في أذن الساردة: «أين علامة؟»

Corazon mia
16-11-2009, 01:38 PM
نصوص أنثوية للذاكرة


سماهر الضامن

أدى شيوع نظريات النقد النسوي، ومصطلح الكتابة النسوية عوضاً عن الكتابة النسائية، إلى ظهور العديد من النصوص والدراسات الداعية إلى تبني خطاب جديد يشتغل على مناهضة العنصرية الجنسوية، في الوقت الذي لا ينكر فيه خصوصية التجربة الأنثوية في الكتابة والأدب والثقافة عموماً. وبعد أن كانت شريحة واسعة من الكاتبات يرفضن تصنيف أدبهن تحت مظلة الأدب النسائي نظراً لما راج بين النقاد من محاولات للانتقاص من هذا الأدب بدأت المرأة، وقد وصلت إلى درجة عالية من الوعي بذاتها الأنثوية والاعتزاز باختلافها، بدأت تكرّس الحضور الأنثوي في النص. ولم يعد يقلقها كثيراً ما يروجه النقد التقليدي عن الدائرة الضيقة التي يحصر فيها الأدب النسوي مجاله. فغدت النصوص الروائية مجالاً خصباً لثورة الذاكرة الأنثوية ونزيفها، إذ استجابت العديد من الكاتبات لمقولات النقد النسوي الساعي إلى ترسيخ ثقافة التمايز والاختلاف. لم تعد المرأة بحاجة لأن تسترجل أو تتخلى عن أنوثتها لتصبح كاتبة جيدة، وليست بحاجة للحديث عن تجارب لم تعايشها ليكون أدبها مهماً، وليس المحك هو معالجة القضايا الكبرى والخطرة من وجهة نظر الرجال.. فمنذ عصور طويلة والرجال وحدهم يقررون ماهية الكتابة الجيدة، مع أن ما هو جيد من وجهة نظرهم قد لا يكون كذلك من وجهة نظر النساء، وقد حان الوقت ليكون للمرأة رأي في ماهية الكتابة الجيدة.

يجدر هنا التمييز بين مفهوم كتابة النساء، وبين مفهوم الكتابة النسوية. فالأول يعني ما تكتبه المرأة من وجهة نظرها عن المرأة أو عن الرجل أو عن أي موضوع آخر. أما الثاني فيعني الكتابة من وجهة نظر نسوية ملتزمة بقضايا المرأة، سواء كانت هذه الكتابة من إبداع امرأة، وهذا هو الغالب لأسباب مفهومة ومبررة، أو من إبداع رجل. وينبغي التأكيد على اختلاف هذين المفهومين فـالنسوية هي بالأساس، اصطفاف مصالح كثيرة مترابطة تعتمد على مقدمتين: الأولى هي أن التفاوت في الجنس هو أساس اللامساواة البنيوية بين النساء والرجال، والتي تعاني النساء بسببها من الظلم الاجتماعي المنهجي. والثانية أن هذه اللامساواة بين الجنسين ليست نتيجة حتمية للاختلاف البيولوجي، وإنما هي من صنع الشروط الثقافية لذلك الاختلاف. وهذا المفهوم يزود النسوية ببرنامجها المزدوج: فهم الآليات الاجتماعية والسيكولوجية التي تشكل وتؤبد اللامساواة، وبالتالي، السعي لمقاومة وتغيير تلك الآليات. ولا يخفى أن هذه التجربة ليست مشتركة بين جميع النساء، فقد يتبناها البعض منهن من دون الآخر.

غدت مفاهيم النقد النسوي اليوم ذات أثر كوني، وساعدت تقنيات الاتصال والاعلام على نشرها وتكريسها. والمرأة في المجتمع المحلي بطبيعة الحال، ليست بمعزل عن الحراك العالمي من جهة، وحراك المجتمع المحلي من جهة أخرى.

روائية اليوم في مشهدنا المحلي، هي ابنة التحولات والمفارقات الكبرى، هي امرأة تعايش اجتماع أشد أشكال المحافظة التقليدية مع أسرع، بل وأشرس أنماط التغيير والتحديث المادي، التي أعقبت الطفرة النفطية في السبعينات، وما تبعها من تحولات سياسية واقتصادية وثورات معلوماتية وفضاءات مفتوحة وعالم أصبح قرية كونية تتلاحق فيها التطورات وتتسارع الأحداث. وقد قذفت تلك التغيرات بإنسان هذه المنطقة في قلب عجلة التحديث المتسارعة، فانقلبت أنماط الحياة والمعيشة من دون أن تتمكن الأنساق الفكرية والثقافية من اللحاق بها، حتى بدا المجتمع وكأنه «يعيش الحاضر بعقل أعد للماضي» . وفي مواجهة هذه الهجمة التي كان من الصعب أن يستوعبها المجتمع (كونه مستهلكاً لا منتجاً لكل منظومات التحديث سواء أكانت فكرية أم تقنية) بدأ الخطاب السائد، كما يحدث في أي مجتمع يشعر بتهديد هويته، يتشبث بتراثه وماضيه. وهو تشبث يزداد شراسة عندما يتعلق الأمر بشأن من شؤون المرأة المرتبطة بالعرض والشرف والمحرمات التي لا حصر لها. ولذا يتشدد المجتمع في حراستها، وإحاطتها بسياج منيع من الحراسة والوصاية، بحيث يراد لها الثبات عند مرحلة تاريخية معينة بينما يتغير كل ما في الحياة من حولها.

وكنتيجة حتمية لتنامي وعي الكاتبة في مجتمعنا المحلي بذاتها الأنثوية، ووعيها بالنفي الذي طالما مارسته الثقافة ضد ذاكرتها وأنوثتها، بدأت تبرز العديد من الكتابات التي تحمل حساسية مختلفة، بحيث تعمل المرأة من خلالها على إعادة الاعتبار للذات الأنثوية المستلبة، والتشديد على إدانة ممارسات القمع التي تمارسها الـسلطـة الأبوية ضد المرأة ووعيها وذاكرتها.
الحياة - 06/11/07//

Corazon mia
16-11-2009, 01:42 PM
الرواية... هامش الأنثى لمواجهة الوأد

سماهر الضامن

من بين سائر الأجناس الأدبية، تأهلت الرواية كخيار أمثل بالنسبة إلى المرأة للتعبير عن تجاربها ورؤاها، وللنهوض بالتغيير على مستوى المرجعيات الثقافية والاجتماعية، وللخروج من أسر الأحادية الذكورية إلى أفق التعدد والاختلاف، وذلك لما يتيحه الجنس الروائي من استخدام فخاخ السرد وتقنيات الكتابة الروائية لإعادة صياغة العالم، وإعادة تنظيم علاقات القوى المتحكمة في توزيع التراتبيات الاجتماعية من وجهة نظر أنثوية. لا سيما في ظل تمتع الإبداع الأدبي باستقلال نسبي عن علاقات إنتاج المجتمع التقليدي الذي يتولد عنه، ومن منظور «قدرة الجنس الروائي على مواجهة تخلف المجتمع التقليدي وجموده، وما يقوم به من مناوشة نواهي هذا المجتمع وتحدي تقاليده القمعية بمراوغات السرد وحيل التمثيل الكنائي التي هي سلاح بلاغة المقموعين في تقليم براثن العنف في المجتمعات التسلطية». ومما يساعد على نهوض الجنس الروائي بهذه المهمة أن الكتابة الروائية في مجتمعنا المحلي، كما في كثير من المجتمعات التقليدية ما زالت تعتبر وسيلة للتسلية لا يحفل بها أحد ولا يؤخذ ما فيها مأخذ الجد. وتلك هي مفارقة الرواية، كما يقول ألبيريس، فهي لا تعدو من جهة أن تكون مجرد تلبية لمطلب أدبي هو غاية في البساطة: مجرد قصة، سرد، حكاية خيالية، بيد أنها في الوقت نفسه تقدم للمتلقي تلك الجاذبية التي تجعله يستسلم من دون وعي منه لهذا السحر، ما يجعله «يتبنى دور مصاص الدماء الذي يجعل من قراءة الروايات متعة سادية».
تذهب جوليا كريستيفا إلى أن النص ليس مجرد لغة تواصلية، وإنما هو جزء من سيرورة الحركة المادية والتاريخية. فهو لا يكتفي بتصوير الواقع أو الدلالة عليه، بل يشارك في تحويل وتحريك هذا الواقع، وذلك عبر لعبة مزدوجة تتم في مادة اللسان وفي التاريخ الاجتماعي.
والنص القادر على القيام بتلك الوظيفة ليس بطبيعة الحال النص الذي يكتفي بوصف ذاته أو بالاستغراق في استيهاماته الذاتية، بل هو الذي يقوم بمساءلة اللسان وتغييره وانتزاعه من لا وعيه ومن آلية اشتغاله اليومي والمألوف. وبذا يكون مقلقاً ومزعجاً ومحرضاً على التفكير والتأمل، بحيث يتمكن من تغيير طبيعة النسق السيميائي المتحكم في التبادل الاجتماعي، وتنظيم القوى الحية للسيرورة الاجتماعية داخل المحافل الخطابية، من خلال التشكيك في قوانين الخطابات القائمة، وتقديم أرضية صالحة لإسماع أصوات خطابات أخرى جديدة. غير أن النص لا يتشكل كسيرورة في اللحظات الأولى من لحظات تمفصله، أو في بدايات ظهوره، فالأثر المكتوب «يترسب ترسب العنصر الكيماوي: فيكون في البداية شفافاً وبريئاً ومحايداً، ثم تظهر ديمومته البسيطة كل ماضيه المؤجل، وتبرز كل «شفراته» التي تتكثف بالتدريج».
إن اللغة تحمل المتلقين على رؤية الواقع في شكل علامات لغوية فارغة يملؤها كل متخاطِب بما يعرفه من تجربته المعيشية الخاصة. فالأفراد لا يتخاطبون لمجرد التواصل، بل لتبادل التجارب المنتخبة والمنتقاة، وذلك بحثاً عن معنى العالم ورغبة في فهمه. وهكذا تزداد وظيفة كتاب السرد طرافة وخطورة؛ فليست وظيفة الكاتب أو الكاتبة إدراك العالم كما اعتاد الناس إدراكه، بل حمل المتلقي على إدراك العالم من زاوية نظر مختلفة لاكتشاف ما فيه من ثراء وتنوع. وحينئذ لا تغدو وظيفة السرد أو غيره من أشكال التعبير هي تغيير العالم، وإنما هي تغيير طرائقنا في إدراك العالم.
ومن هذا المنطلق تصبح وظيفة السرد تأسيسية أو تكوينية، فالمعنى موجود ولكنه متناثر ومشتت في بعدي الزمان والمكان. والسرد هو ذاكرة المعنى لأنه تجميع لمزق الحياة المتناثرة وخيوطها المتفرقة بغية نسجها في خطاب يمنحها التماسك والانسجام والمعقولية.
وحيث كانت الطريقة الوحيدة المتاحة لإدراك العالم هي التفكير فيه من وجهة النظر الذكورية، لأنها الرؤية الغالبة والوحيدة، فقد شكل إسهام المرأة إضافة نوعية للخطاب الإبداعي والواقعي، وأتاح دخول خطاب مختلف ورؤية جديدة في تصور العالم حين أضاف تجربة المرأة ورؤاها وعلاقتها بالعالم، بعدما كانت الثقافة القديمة حجبت تجربتها وعتمت على رؤاها وقيمها، وألحت على الفصل بين مجالها «الخاص» ومجال الرجل «العام».
كانت الموجة النسوية الثانية أطلقت في بداية السبعينات شعار «الشخصي هو السياسي»، وكان هذا الشعار بمثابة احتجاج على الفصل بين المجالين الخاص والعام. وعليه فإن روايات النساء، كما يرى النقد النسوي، تعيد التفكير في المسلمات المرجعية التي تشكل مفهوم وحدود الخاص والعام، وذلك عبر دمجهما ليشكلا في النهاية منطقة جديدة أو قديمة، ولكن يتم التفكير فيها من وجهة نظر مختلفة. وهذا التضفير بين الخاص والعام يكشف عن ثغرات وشقوق في الصورة المتجانسة التي كرستها الرؤية الذكورية، ويمكن من النظر في الهوامش التي تحوي دلالات نصية مسكوت عنها. وهكذا يمكن لرواية المرأة أن تقلق الأمن والاستقرار المعرفي الثابت الذي كرسه الخطاب الأبوي ذو النزعة الأحادية. فالسرد يحمل عالماً شمولياً مكثفاً، وتراكم خبراته لا بد أن يخلخل ثبات الخطاب الذكوري المهيمن، ما يعني في النهاية تغيير علاقات القوى، والوصول بها إلى شكل مغاير لشكلها الأول.
لقد أتاحت الرواية للمرأة هامشاً عريضاً لمواجهة التعتيم والتهميش والإقصاء. ولإضافة رؤيتها وتجربتها وخبراتها في المشهدين الإبداعي والواقعي، فالرواية تمتاز بقدرتها على تقديم التجارب الإنسانية غير المعهودة، والخارجة عن الأنموذج والمثال، لأن تاريخ الرواية إنما هو «دفع متصل لمقاومة طمس الإنسان». وإذا كان التاريخ ظل حكراً على سير الملوك والعظماء فإن الرواية تأتي لتكتب «تلك الحكايات التي يتعالى عنها التاريخ». فهي التاريخ المنسي الذي خطه الإنسان المقهور، وابتكار الإنسان الذي لا مجد له، واختراع المقهورين للخلود في مملكة الخيال؛ فالتاريخ يكتبه المنتصر. ولا خيار لمن لم ينتصر بعد «إلا أن يحتمي بالسرد حتى يدون الحكاية كي لا تُنسى».
وتشير العديد من شهادات الروائيات اللواتي استطعن تحدي القيود من خلال الكتابة إلى أن الكتابة تمثل بالنسبة إليهن فعل وجود وحرية ومقاومة. وعبرت الروائية رضوى عاشور عن ذلك بقولها: «أكتب لأنني أشعر بالخوف من الموت الذي يتربص. وما أعنيه هنا ليس الموت في نهاية المطاف فحسب، ولكنني أعني أيضاً، الموت بأقنعته العديدة الموجودة في الأركان والزوايا، في البيت والشارع والمدرسة، أعني الوأد واغتيال الإمكانية. أنا امرأة عربية ومواطن من العالم الثالث وتراثي في الحالتين تراث الموؤودة».




* ناقدة سعودية.
الحياة 23/10/2007م

زهدي
16-11-2009, 03:43 PM
علي عبد الله : جميل ما تقوم به . من " أرشفة " لمقالات الناقدة : سماهر .

أتدري قبل " ما أدري كم يوم " كأني لمحت إنّ ثمة كتاب يحوي دراسات عن الرواية ، وفيه دراسة لـ سماهر . لكني للأسف لا أذكر حتى اسم الكتاب ولا حتى أين قرأت عن هذا العمل ..


قاتل الله النسيان يا صديقي .. أشيدُ بجهدك هذا . أكمل .. أكمل أيها الرجل الطيب .