رقية مهدي
03-01-2008, 05:31 PM
محمّد الماجد
" الشّاعرُ المتحصنُ بماءِ النَّص "
http://www.arb-up.com/files/arb-up-Dec1/EqQ32377.jpg
حاورته: رقيّة مهدي
الماجدُ، النّصُّ الكوني الذي لا يتوقف، الموسيقى المجردةُ من المدى، المسافرةُ عن الحدودِ، المهاجرةُ عن مدنِ الضجيجِ إلى التفردِ المطلق، الماجدُ الذاكرةُ المثقلةُ بصورٍ لتفاصيل غائرة ضمن مساحاتِ مشاكسةٍ وفوضى شهيّة، الماجدُ الجمالُ الذي يشدُ مواصيله بخفةِ غيمةٍ تقفزُ بجدائلها وتهطلُ حينَ تَغرقُ في كلّ وجوه العابرين وتخرجُ سالمةً إلا مِنْ روحِها.
كيفَ أعرّفُ الماجد..؟
وهل يعرّفُ من هو جديدٌ كالفجر، غريبٌ كالمطر، قديمٌ كالماء، ووحيدٌ كالموت، هل يُعرّفُ حلمٌ مستحيلٌ لشاعرٍ يحتضرُ في صراعِ الوصول إلى الغيب، وهل يُعرّفُ الكون، هل يعرّفُ مَنْ يفتحُ راياته على شغبنا، ويحررُ دمَنا من أقفاله المستبدة، ويغزو بساطتنا إلى خرائط كنوزه، حيثُ يرتفعُ بنا إلى استغراقٍ شاهق، ويطلُّ بالوهج على نوافذ الدهشة والقلق، هل نعرّفُ وردًا ينثرُ الغوايات الأولى التّي تشيّدُ مدنًا لتعلنها قصائدَ تومئُ للسماء بجلالها، وتتلو باسمِ شاعرها بركات شِعْرِهِ.
هنا، وفي حكايا الماجد كلّ شيءٍ يتغير، فيأتي زمنُ الوصلِ، ويتكورُ القمرُ هلالاً، ويرتجفُ الإيقاعُ ملامسًا ملكوتَ العرش، صعودًا إلى أقاصي النبض المار على شهقات البحر، وأوجاع اللذة / المتمرغ بمجازٍ صوفيٍّ يحملُ في ذاته صفة الآلهة مشروطة بالقلق !
هنا ..
افتحوا شرفاتكم ،
ورتلوا عند مزاميره آيات البهاء ،
هاتوا كلكم
وتلاشوا ببعضه ..؛
http://www.arb-up.com/files/arb-up-Dec1/fsD32653.jpg
1- اللغة الشِّعرية الشاهقة التّي قرأتُها في نصوصك، قد يراها البعض تكلفًا..فكيف تقرأ ذاتك في نصك ؟
هذا النص بالنسبة لي يشكل مظهراً من مظاهر تجلي الذات بحمولاتها المختلفة ، وللدقة فإن هذه الذات ليست دائما صلدة وسميكة إلا بقدر ما فيها من ضعف وهشاشة. من هنا جاءت كتابة هذا النص مشروطة ليس للوصف الشكلاني للذات وتمجيد خياراتها ( حيث يمكن للتكلف أن يجد متنفسا له ) وإنما جاءت للإعلاء من شأن فطرتها وسليقتها في التعبير عن أحوالها في الصحة والإعتلال وما يقع بينهما دون أدنى عناية لأي إملاء خارجي. ولكن حتى ضمن هذه الجدلية لا يمكن التسليم بأن الذات وهي في طريقها لأن تمارس أو تعمل لغوياً لا تتعرض لأي عطب أو أي شرط سلبي ضاغط قد يضعفها في بعض المفاصل ولكن دائما يكون ذلك نابعاً من طبيعة الذات من جهة وخاضعاً لمستوى المناعة التي تمتلكه من جهة أخرى. الأكيد ( وهو هنا أكيد خاص بالنص ) أن طبيعة النص في النطق باللغة لرسم العلاقات ونحت وتشكيل عوالمها المتنوعة تزعم بأنها كانت وفيّةً لهذا الشرط.
2- كنتُ أجِدُ في رموز مسندك كائناتٍ لغوية تبعثها لتوضيح حقيقةٍ تستوطن جهة الاستعارة للموجودات الممكنة .. فإلى أي مدى يحضر الرمز في شعرك، وهل تراه المحور الرئيس الذي يخلق شخصية الماجد الشعرية، ولغته؟
إجمالا ، إذا اخترتُ النظر لهذا النص ككولاج بصري تحضر فيه الفانتازيا بمستوى معين فصدمة التلقي عادة ما ستكون جمالية مجردة عن أي مرجعية واقعية حيث يبدو للمتلقي وللوهلة الأولى أن لا جدوى من إحالة النص أو الصوره إلى مماثل يحاكيه في الواقع. هنا بالضبط – وإذا أردنا – يفقد الرمز كل صلاته العائلية وحمولاته التاريخية لصالح حضوره كصوت مجرد ، أعني كموسيقى ، رصيده الوحيد هو الثراء الذي تنطوي عليه مادته السمعية. ومع ذلك وكما ذكرت في حوار سابق فإن هذا الكلام وفيما يخص هذا النص ليس دقيقاً في المطلق لسببين : أولاً لأن النص ولو في ومضات قصيرة يطل على القاريء إطلالة تكاد تكون مباشرة ، وثانياً لأنه يمكن للمتلقي وفي بعض المفاصل إستعادة دلالة الرمز لمحاولة الحصول على أجوبة أو التثبت من تخمينات معينه ( لمن يصر على ذلك ).
بشكل عام ، حضور الرمز بمستوياته المتعددة وما دمنا نتحدث عن كولاج بصري يمكن النظر إليه فقط كعنصر من العناصر المشكِّلة للتكوين لا أكثر.الحضور الطاغي في النص ربما لا يكون للأدوات المنتجة للمشهد (الصورة) وإنما للمشهد ذاته. لسبب بسيط وهو أن المشهد وبعد إنجازه تكون الأدوات قد ذابت في نسيجه وكفّت عن أن تعمل بمفردها. والحضور – استطراداً – هنا أيضاً يكون للغة وقدرتها على خلق عالمها الخاص الموازي والمفارق في آن للسائد بما يتطلب ذلك من جهد في حشد الأزمنة والأمكنة والمخلوقات ... الخ ، كل ذلك على خشبة واحدة تعج بالحركة.
3- اعتقد أن صورك الشعرية الباذخة تشعل شهوة البصر بمصفوفةٍ جماليةٍ سريعة الحركة ضمن استجواب يطولُ تأمله في معظم مراحل النص .. فهل تهدف وراء كتاباتك استنفاذ طاقة المتلقي بإيقاع الرؤية الفاتن، وتضخيم ذاكرة البحث باستفزاز وحضور السؤال لديه ؟
هذا السؤال يتعلق بما الذي يريده المتلقي من النص ؟. وهو متشعب لأن هناك مستويات لعملية التلقي. في المقابل نجد أن هذا النص قد حسم خياراته لصالح من يسميهم الجرجاني بـ "أهل التخييل والإيهام" ودائماً ضمن إطار المفارقة والإختلاف مع المُتَصور والقديم والسائد. الذي ربما يكون كله ادعاء لم ينجزه النص بعد. ولكن تظل مآلات السؤال هي المآلات : إلى أي حد يمكن لمثل هذه المفارقة أن تستنفذ طاقة ما أو تحرض أو تستفز ؟ هذا حقيقة ما لا أملك الإجابة الشافية عليه لأنني ما زلت مغموساً في متاهة الحبكة اللغوية ومحكوما بإملااءتها. بسلطة اللغة التي كثيرا ما تمسك بمصائر وحيوات النص ، تأخذها للمكان الذي تريد ، ولم يكن مطروحا في أي من مراحل الكتابة الوقوف بوجهها أو حتى التخفيف من غلواءها.
4- كتبتُ بعد قراءتك : نلتمس انفلات – الماجد - القاتل في سبر أغوار البلاغة، وعصفه للاختزال التعبيري بالاتساع المعنوي ..
• فهل تجد شيئًا من الصحة في محاولة اكتشاف لعبتك اللغوية الشاسعة التي مارستها في نصٍّ شعريٍّ طويلٍ ومفتـوح ؟
• وما تأويل وجودك في جوٍّ تسيطر عليه متاهات اللغة مما يضطر المتلقي للتنقيب عن فِكرك مرورًا بالإحالات المختلفة التي قذفتها في متن النص ؟
• ولماذا كان الانطلاق المفتوح هو الخيار في كتابة مسندك، هل لتناسبه مع نَفَسِكَ الشِّعري، أم رغبة في خلق رؤية مجردة من الحدود.. أم ماذا ؟
سأنطلق من النقطة الأخيرة حيث الرؤية المجردة من الحدود كما أطلقتِ عليها ، وسأتفق بأنها تناسب نفسي الشعري وإلى حد بعيد ولكن ينبغي النظر لهذه الرؤية نظرة تنطلق من منظار أوسع للحياة وما تحمله من تعقيدات بما في ذلك تعقيداتها السياسية والدينية والإجتماعية التي درجت على إنتاجنا ككائنات معزولة وغير راشدة. إن ممارسة الحرية في مثل هذه المناخات تعد ضرباً من الهتك أو الجنون. وفي منطق رد الفعل فحين تغلق الفضاءات والمنافذ لن يترك أحد الماء يجري من تحته دون أن يشعر بل سيحتال على الجدار بفتح كوىً للتمرد والرفض حيث (لا شبابيك إلا التي تضاجع الريح). ومن هنا تصبح الورقة أو البياض الشعري هو الحلبة الوحيدة التي من الممكن غسلها وتجديدها بماء الشعر والحرية معاً. هكذا نغتسل ونتطهر نحن أيضاً من الداخل ، ولا بد من تقديم تقدمات كثيرة في هذا السبيل. لذلك يمكن إرجاع هذه الرؤية المجردة من الحدود والأشكال في الكتابة إلى جذرها الأعمق ، أعني علاقة الذات وموقفها من الحياة الذي ربما يكون كسر القيد أبسط تعبير عنه.
أما فيما يخص اللعبة اللغوية ، فمن الممكن النظر إليها كعمليه فيزيائية (طبيعية) كون اللغة في نهاية المطاف كائن حي ومتجدد. ماذا سيحدث مثلا عندما تتجمع المفردات وفهارس المخلوقات/الموضوعات والمعاجم لتسيل في وادٍ محفوف بتضاريس صعبة ؟ ، سيمتليء بها بالتأكيد ولكن عندما تضيق آنيته عن فم السيل سيجد السيل طريقه إلى المنحدر ، ساعتها لا يمكن توقع جهة السيل ولا التحكم في درجة انهماره. ماء اللغة أيضاً يملك هذه الصفة ، ففي لحظة معينة يقرر أن يصبح سيد نفسه ويأخذ بزمام المبادرة. وبهذا لا يكون قد حمل فقط أخلاطه من العناصر معه ، بل قلَّبها وطمس بعضها وعمّى البعض الآخر ثم استخدم كل هذا الركام في جرف ما يقف في طريقه على المنحدر. هنا يجد البعض صعوبة في التأمل لأنهم يجهدون أنفسهم في البحث عن العناصر بينما المتعة كل المتعة في مشاهدة سيل اللغة المتدفق ، في الوقوف في الجهة المقابلة ومراقبة هذا الشريط من الموزاييك ملتفاً على خاصرة الجبل.
5- التراكم المعرفي والثقافي والتاريخي الذي تستحتضره في تجربتك الشعرية ، هل تراه ضرورة ملّحة كجزءٍ من شخصيتك وخصوصيتك الرمزية، أم تهدف من ذلك قذف غواياتك وملذاتك الثقافية ضمن تجربة كتابية تحفظ بها ما تمرّ به في طريقك ؟
لننظر لعملية القراءة أولاً على أنها شرط الكتابة الأول وهي بئرها الأعمق وثانياً لنقل عنها أنها عملية بحث واستقصاء جادين ولنضع أيضاً احتمال أن تكون هذه العملية غير أصيلة إلا فيما يخص موضوع الكتابة المراد إنجازه أي أنها تستحضر فكرة الكتابة أو النص أولاً ثم تبحث عن قراءات تصب في جو الفكرة ولا تحيد عنها إلا نادراً حيث يصبح التركيز أساسياً للإنجاز. هنا نحن نقف أمام قراءة ذرائعية أو ربما نفعية ، المهم أن هذه الآلية إذا ما أحسن استخدامها فهي آلية مباشرة ومنتجة. الباقي مسألة لا تخص أحداً سوى "اللاوعي" الذي سيحرص كثيراً على أن يصبغ منتجه بصبغة جماعية ولكنه في النهاية منتجٌ (بصيغة الفرد) ، هكذا وبشكل تلقائي ودون تكلف أو قصد منكِ لإظهاره أو قذفه داخل النص.
6- طبيعة عملك -كمهندسٍ معماري- تُعْلِي سلطتك الذهنية لإخضاع المواد الخارجية لرغبتك وتشكيلك..فهل كان لهذا اللون الذي تمارسه انعكاسًا في جودة مفرداتك وتراكيبك، وتنظيم هندستها بهدمها وبنائها بدقةٍ عالية ؟
المعمار فن وتاريخيا وعبر تفاعله مع جواره من الفنون الأخرى وبالذات في عصر النهضة وجد طريقه مبكراً إلى الفلسفة التي أصبحت لاحقا المصنع الذي انطلقت منه جميع التشكلات والحركات الفنية ، بذلك اصبح هذا الفن فعلا من أفعال الثقافة والحياة معاً فأصبح بذلك منتجاً للأفكار والسياقات الإجتماعية وشريكاً أصيلاً في حركة الحداثه وما بعدها. لا نبالغ أيضاً إذا قلنا أن المعمار هو العتال الذي حفظ الأبجدية وحمل لنا القوانين والشرائع القديمة عبر المسلات والأضرحة والنصب الكثيرة ، أي أنه الناقل الأول للمعرفة. ولكي لا أستغرق ، أعود لعصر النهضة وحيث بدأت تتشكل مفاهيم العمارة ، ظهرت فهرسة أولى تُعنى بالنِسَب في حساب الكتل والإرتفاعات ثم تبعتها وعبر تدرج زمني مفاهيم مثل المغايرة (Contrast) ، الفراغ والإمتلاء (Void & Solid) ، الشفافية بين الداخل والخارج (Transparency) ، الفكرة المركزية (Main Concept) ، وأيضاً مفهوم السياق (Context) والإيقاع (Harmony) والتجانس (Homogenous) وغيرها كثير ، إذا أعملنا النظر فيها سنجدها تنويعات على مفاهيم تطال بنية النص الفني وشكله أياً كان هذا النص بما في ذلك النص الشعري. بهذا المعنى ، نعم كان للعمارة ومفاهيمها دور في التأسيس النظري ولا حقاً في الممارسة وكان لها دور أكبر في تنمية الرؤية البصرية وكيفية النظر في الأشياء.
7- " محمّد الماجد " ظاهرة قفزتْ بشكل بطولي في الساحة الشِّعرية بالمنطقة إن لم تكن قفزتها أبعد.. فهل كانت العزلة السالفة للظهور هي التّي عززتْ ونمتْ بالمعاني والدلالات اللانهائية التّي كوّنها الماجد بعد توحّده بأناه وثقافته التّي بدتْ واضحة من خلال إسقاطها في المسند ؟
أتذكر في جو السؤال كلمة لمنصور الرحباني يقول فيها "الكسل بَي الإبداع" ، والكسل هنا بمعنى التأمل المتأني والصافي وهو نفسه المعنى الذي ترمي إليه الممارسة الصوفية في استحضارها لمفردة "الخمول" كلازمة من لوازم الكشف والفيض الروحيين. والتأمل كما تعرفين ليس ممارسة جماعية بل هو نشاط ذهني فردي وخاص لا يتأتى إلا عن طريق الرياضة والإعتزال. من هذا الباب يكون التأمل ضروري للشاعر وبالتالي يمكن القول أن كل نفس شاعرة تنطوي على ضرب من ضروب العزلة ومن هنا يصبح الإختلاف بين الشعراء اختلافا في الدرجة وليس في النوع. إذا فالعزلة ضرورة وهي تصبح فاعلة أكثر وسخية أكثر حين تكون في أعلى درجاتها.
8- - مِنْ باب كلّ الأسئلة تليق - .. أنا عندما أفكر في عمقك أو ربما علوك الفارع وأنساقك البلاغية واللغوية، أتسلق بعض أقفالك وأحيانًا أحيلُ أفكارك وأنماطك إلى فكرةٍ عبقريةٍ ومدهشةٍ وباهتة (!) شبيهة بفكرة اختراع الجنة التي ابتكرها الشيخ حسن الصباح في قلعة "آلموت" وذاب فيها مريدوه..
• هل تعلّق على فكرتي.. ؟!
• وكيف وصلتَ إلى هذه المغاليق من الأقفال والحيل ؟!
لا أدري على وجه الدقة ولم أقرأ الشيخ حسن الصباح بالمناسبة لأقارب الفكرة التي تذكرينها ، ولكني عندما أفكر في كيفية الحفاظ على وهج الكتابة حاراً ومتدفقاً ، أعول كثيراً على المفارقة ضمن حدودها القصوى وأعني هنا استيلاد الشيء من رحم النقيض وبالعكس ليس فقط على مستوى المفردة بل على مستوى الحدث والموقف أيضاً ، هذا أولاً ، وأعول ثانياً على الداخل/الذاتي شرط أن يكون تمثّله في الخارج مرهونا لطفولة متفلتة من حبائل الواقع ، عفوية وفاقدة للتمييز. وثالثاً أن يكون الحامل لكل ذلك هو اللغة بمعنى أن تكون اللغة هي نفسها مادة الخلق والتكوين فتنتقل بذلك من كونها مادة للقول إلى مادة للفعل. ضمن هذا السياق ستجدين أن الأقفال والحيل تتشكل ليس بالضرورة لأننا نريد ذلك أو نقصده وإن كان هذا صحيحاً في بعض المواضع نتيجة للديناميكية التي تتمتع بها رحلة الخلق (فنياً) بين نقطتي الوعي واللاوعي ولكن يحدث ذلك غالباً لأن آلية الخلق اكتسبت من الدربة والدراية ما يكفي لأن تحتال لنفسها وتتقنع وتوارب لتشكّل عوالمها دون أي وصاية.
9- " مسند الرمل " أراه مشروعًا ضخمًا يستحقُ أن يقف النقاد عليه بدراسةٍ جادةٍ وواعية، فلِمَ الجفاء بين النقاد ومسندك ؟
هذا سؤال يوجه للنقاد بالطبع وليس لي.
ومع ذلك .. اعتقد أن الدوائر الثقافية لدينا ما زالت مقيدة وغير حرة ومازالت مشروطة بحكم كونها قبائل حزبية للغرائز والبيانات وليس لما تدعيه في الظاهر من حرية وتعدد. ذنبنا أننا صدقنا بأنهم أحرار وتعدديون فمارسنا فعل الكتابة لا لنكون نسخاً منهم بل لنكون نحن (ذلك الآخر) ظناً منا بأنهم أوفياء لفولتير وعصر التنوير ولكنهم – ويا لخيبة الدرس – لم يفعلوا. وللأمانة لم أعول أنا أيضاً كثيراً على هذا الأمر ولكنكِ عندما تسألينني عن الجفاء لا أستطيع أن أحيّد حصتي من الدين (التي اعتز بها كثيراً) وإن كانت ضمن حدودها الإنسانية الصافية عن كونها سبباً لوضعي في سلالم التصنيفات القبلية والفئوية. أعتقد أن هذا الأمر لا يعجب البازاريين في سوق (التابو) الحداثي الذين لم يوفروا جهداً كي يجعلوا من هتك (الديني والذات الإلهية) أو خرقهما ميزانا لقوة أو ضعف تجربة ما. وما الذي أنجزوه في نهاية اليوم يا رقية : تنميط فج وموديلات جاهزة للكتابة بالمقاس المطلوب وأيضاً تسليع متعمد للشعر تمارسه آلة الحداثة لإغراق السوق بتوائم وأشباه ومستنسخات. مالذي نفعله نحن في المقابل ، نحن الرافضون للإنضمام للقبائل والكانتونات كونها آلهة لا تكف عن تمجيد ذواتها واستخدام الثقافة والشعر للتكسب والربح السريع ، كونها طاردة للآخر ، كوننا مؤمنون وأقوياء بما نعتقد ، أجدني أكرر هنا كلمة رائعة لعلي جعفر العلاق : سأتحصن بماء النص.
.......
ويا لخيبة الدرس مرة أخرى يا رقية إن لم نذهب بعيدا في الرهان على ما نريده نحن لا ما يريده الآخرون.
10- كيفَ تستقرأ التجارب الأدبية المحلية، وهل توازي الخط الممكن للمستوى الأدبي العام ؟
للأسف لا يوجد مستوى أدبي عام لأن الشعر لم يعد شائعاً أو عاماً. سأفترض أنكِ تقصدين بـ (العام) المشهد الشعري العربي في شقه الحداثي. ضمن هذا التصور أظن بأننا لم نفعل شيئاً مفارقاً بعد ، لم نشكل تجربة موازية ولكننا بالتأكيد نملك نصوصاً رائعة وفاتنة لعدد من الشعراء بإمكانها أن تقف لتعلن عن زمالتها المستحقة لمثيلاتها في الوطن العربي. للأسف أكثر من عقدة تمنعها من ذلك ، لعل الإعلام والرعاية المؤسساتية (بمعناها الشعري وليس الرسمي) تشكل عائقاً بالإضافة إلى أسباب أخرى لا يتسع المجال لذكرها هنا.
11- " الحلمُ هو نافذتي الوحيدةُ للقصاصِ والحريّةِ معًا " .. ما حلم الماجد بعد " مسند الرمل "، وما المشروع القادم ؟
دائما هناك جديد ، تفترضين ذلك ، أنا الآن في منتصف الطريق من العكوف على عمل أتمنى أن يأخذ نصيبه من الرويّة والصبر ليجد طريقه للنور في الوقت المناسب.
" الشّاعرُ المتحصنُ بماءِ النَّص "
http://www.arb-up.com/files/arb-up-Dec1/EqQ32377.jpg
حاورته: رقيّة مهدي
الماجدُ، النّصُّ الكوني الذي لا يتوقف، الموسيقى المجردةُ من المدى، المسافرةُ عن الحدودِ، المهاجرةُ عن مدنِ الضجيجِ إلى التفردِ المطلق، الماجدُ الذاكرةُ المثقلةُ بصورٍ لتفاصيل غائرة ضمن مساحاتِ مشاكسةٍ وفوضى شهيّة، الماجدُ الجمالُ الذي يشدُ مواصيله بخفةِ غيمةٍ تقفزُ بجدائلها وتهطلُ حينَ تَغرقُ في كلّ وجوه العابرين وتخرجُ سالمةً إلا مِنْ روحِها.
كيفَ أعرّفُ الماجد..؟
وهل يعرّفُ من هو جديدٌ كالفجر، غريبٌ كالمطر، قديمٌ كالماء، ووحيدٌ كالموت، هل يُعرّفُ حلمٌ مستحيلٌ لشاعرٍ يحتضرُ في صراعِ الوصول إلى الغيب، وهل يُعرّفُ الكون، هل يعرّفُ مَنْ يفتحُ راياته على شغبنا، ويحررُ دمَنا من أقفاله المستبدة، ويغزو بساطتنا إلى خرائط كنوزه، حيثُ يرتفعُ بنا إلى استغراقٍ شاهق، ويطلُّ بالوهج على نوافذ الدهشة والقلق، هل نعرّفُ وردًا ينثرُ الغوايات الأولى التّي تشيّدُ مدنًا لتعلنها قصائدَ تومئُ للسماء بجلالها، وتتلو باسمِ شاعرها بركات شِعْرِهِ.
هنا، وفي حكايا الماجد كلّ شيءٍ يتغير، فيأتي زمنُ الوصلِ، ويتكورُ القمرُ هلالاً، ويرتجفُ الإيقاعُ ملامسًا ملكوتَ العرش، صعودًا إلى أقاصي النبض المار على شهقات البحر، وأوجاع اللذة / المتمرغ بمجازٍ صوفيٍّ يحملُ في ذاته صفة الآلهة مشروطة بالقلق !
هنا ..
افتحوا شرفاتكم ،
ورتلوا عند مزاميره آيات البهاء ،
هاتوا كلكم
وتلاشوا ببعضه ..؛
http://www.arb-up.com/files/arb-up-Dec1/fsD32653.jpg
1- اللغة الشِّعرية الشاهقة التّي قرأتُها في نصوصك، قد يراها البعض تكلفًا..فكيف تقرأ ذاتك في نصك ؟
هذا النص بالنسبة لي يشكل مظهراً من مظاهر تجلي الذات بحمولاتها المختلفة ، وللدقة فإن هذه الذات ليست دائما صلدة وسميكة إلا بقدر ما فيها من ضعف وهشاشة. من هنا جاءت كتابة هذا النص مشروطة ليس للوصف الشكلاني للذات وتمجيد خياراتها ( حيث يمكن للتكلف أن يجد متنفسا له ) وإنما جاءت للإعلاء من شأن فطرتها وسليقتها في التعبير عن أحوالها في الصحة والإعتلال وما يقع بينهما دون أدنى عناية لأي إملاء خارجي. ولكن حتى ضمن هذه الجدلية لا يمكن التسليم بأن الذات وهي في طريقها لأن تمارس أو تعمل لغوياً لا تتعرض لأي عطب أو أي شرط سلبي ضاغط قد يضعفها في بعض المفاصل ولكن دائما يكون ذلك نابعاً من طبيعة الذات من جهة وخاضعاً لمستوى المناعة التي تمتلكه من جهة أخرى. الأكيد ( وهو هنا أكيد خاص بالنص ) أن طبيعة النص في النطق باللغة لرسم العلاقات ونحت وتشكيل عوالمها المتنوعة تزعم بأنها كانت وفيّةً لهذا الشرط.
2- كنتُ أجِدُ في رموز مسندك كائناتٍ لغوية تبعثها لتوضيح حقيقةٍ تستوطن جهة الاستعارة للموجودات الممكنة .. فإلى أي مدى يحضر الرمز في شعرك، وهل تراه المحور الرئيس الذي يخلق شخصية الماجد الشعرية، ولغته؟
إجمالا ، إذا اخترتُ النظر لهذا النص ككولاج بصري تحضر فيه الفانتازيا بمستوى معين فصدمة التلقي عادة ما ستكون جمالية مجردة عن أي مرجعية واقعية حيث يبدو للمتلقي وللوهلة الأولى أن لا جدوى من إحالة النص أو الصوره إلى مماثل يحاكيه في الواقع. هنا بالضبط – وإذا أردنا – يفقد الرمز كل صلاته العائلية وحمولاته التاريخية لصالح حضوره كصوت مجرد ، أعني كموسيقى ، رصيده الوحيد هو الثراء الذي تنطوي عليه مادته السمعية. ومع ذلك وكما ذكرت في حوار سابق فإن هذا الكلام وفيما يخص هذا النص ليس دقيقاً في المطلق لسببين : أولاً لأن النص ولو في ومضات قصيرة يطل على القاريء إطلالة تكاد تكون مباشرة ، وثانياً لأنه يمكن للمتلقي وفي بعض المفاصل إستعادة دلالة الرمز لمحاولة الحصول على أجوبة أو التثبت من تخمينات معينه ( لمن يصر على ذلك ).
بشكل عام ، حضور الرمز بمستوياته المتعددة وما دمنا نتحدث عن كولاج بصري يمكن النظر إليه فقط كعنصر من العناصر المشكِّلة للتكوين لا أكثر.الحضور الطاغي في النص ربما لا يكون للأدوات المنتجة للمشهد (الصورة) وإنما للمشهد ذاته. لسبب بسيط وهو أن المشهد وبعد إنجازه تكون الأدوات قد ذابت في نسيجه وكفّت عن أن تعمل بمفردها. والحضور – استطراداً – هنا أيضاً يكون للغة وقدرتها على خلق عالمها الخاص الموازي والمفارق في آن للسائد بما يتطلب ذلك من جهد في حشد الأزمنة والأمكنة والمخلوقات ... الخ ، كل ذلك على خشبة واحدة تعج بالحركة.
3- اعتقد أن صورك الشعرية الباذخة تشعل شهوة البصر بمصفوفةٍ جماليةٍ سريعة الحركة ضمن استجواب يطولُ تأمله في معظم مراحل النص .. فهل تهدف وراء كتاباتك استنفاذ طاقة المتلقي بإيقاع الرؤية الفاتن، وتضخيم ذاكرة البحث باستفزاز وحضور السؤال لديه ؟
هذا السؤال يتعلق بما الذي يريده المتلقي من النص ؟. وهو متشعب لأن هناك مستويات لعملية التلقي. في المقابل نجد أن هذا النص قد حسم خياراته لصالح من يسميهم الجرجاني بـ "أهل التخييل والإيهام" ودائماً ضمن إطار المفارقة والإختلاف مع المُتَصور والقديم والسائد. الذي ربما يكون كله ادعاء لم ينجزه النص بعد. ولكن تظل مآلات السؤال هي المآلات : إلى أي حد يمكن لمثل هذه المفارقة أن تستنفذ طاقة ما أو تحرض أو تستفز ؟ هذا حقيقة ما لا أملك الإجابة الشافية عليه لأنني ما زلت مغموساً في متاهة الحبكة اللغوية ومحكوما بإملااءتها. بسلطة اللغة التي كثيرا ما تمسك بمصائر وحيوات النص ، تأخذها للمكان الذي تريد ، ولم يكن مطروحا في أي من مراحل الكتابة الوقوف بوجهها أو حتى التخفيف من غلواءها.
4- كتبتُ بعد قراءتك : نلتمس انفلات – الماجد - القاتل في سبر أغوار البلاغة، وعصفه للاختزال التعبيري بالاتساع المعنوي ..
• فهل تجد شيئًا من الصحة في محاولة اكتشاف لعبتك اللغوية الشاسعة التي مارستها في نصٍّ شعريٍّ طويلٍ ومفتـوح ؟
• وما تأويل وجودك في جوٍّ تسيطر عليه متاهات اللغة مما يضطر المتلقي للتنقيب عن فِكرك مرورًا بالإحالات المختلفة التي قذفتها في متن النص ؟
• ولماذا كان الانطلاق المفتوح هو الخيار في كتابة مسندك، هل لتناسبه مع نَفَسِكَ الشِّعري، أم رغبة في خلق رؤية مجردة من الحدود.. أم ماذا ؟
سأنطلق من النقطة الأخيرة حيث الرؤية المجردة من الحدود كما أطلقتِ عليها ، وسأتفق بأنها تناسب نفسي الشعري وإلى حد بعيد ولكن ينبغي النظر لهذه الرؤية نظرة تنطلق من منظار أوسع للحياة وما تحمله من تعقيدات بما في ذلك تعقيداتها السياسية والدينية والإجتماعية التي درجت على إنتاجنا ككائنات معزولة وغير راشدة. إن ممارسة الحرية في مثل هذه المناخات تعد ضرباً من الهتك أو الجنون. وفي منطق رد الفعل فحين تغلق الفضاءات والمنافذ لن يترك أحد الماء يجري من تحته دون أن يشعر بل سيحتال على الجدار بفتح كوىً للتمرد والرفض حيث (لا شبابيك إلا التي تضاجع الريح). ومن هنا تصبح الورقة أو البياض الشعري هو الحلبة الوحيدة التي من الممكن غسلها وتجديدها بماء الشعر والحرية معاً. هكذا نغتسل ونتطهر نحن أيضاً من الداخل ، ولا بد من تقديم تقدمات كثيرة في هذا السبيل. لذلك يمكن إرجاع هذه الرؤية المجردة من الحدود والأشكال في الكتابة إلى جذرها الأعمق ، أعني علاقة الذات وموقفها من الحياة الذي ربما يكون كسر القيد أبسط تعبير عنه.
أما فيما يخص اللعبة اللغوية ، فمن الممكن النظر إليها كعمليه فيزيائية (طبيعية) كون اللغة في نهاية المطاف كائن حي ومتجدد. ماذا سيحدث مثلا عندما تتجمع المفردات وفهارس المخلوقات/الموضوعات والمعاجم لتسيل في وادٍ محفوف بتضاريس صعبة ؟ ، سيمتليء بها بالتأكيد ولكن عندما تضيق آنيته عن فم السيل سيجد السيل طريقه إلى المنحدر ، ساعتها لا يمكن توقع جهة السيل ولا التحكم في درجة انهماره. ماء اللغة أيضاً يملك هذه الصفة ، ففي لحظة معينة يقرر أن يصبح سيد نفسه ويأخذ بزمام المبادرة. وبهذا لا يكون قد حمل فقط أخلاطه من العناصر معه ، بل قلَّبها وطمس بعضها وعمّى البعض الآخر ثم استخدم كل هذا الركام في جرف ما يقف في طريقه على المنحدر. هنا يجد البعض صعوبة في التأمل لأنهم يجهدون أنفسهم في البحث عن العناصر بينما المتعة كل المتعة في مشاهدة سيل اللغة المتدفق ، في الوقوف في الجهة المقابلة ومراقبة هذا الشريط من الموزاييك ملتفاً على خاصرة الجبل.
5- التراكم المعرفي والثقافي والتاريخي الذي تستحتضره في تجربتك الشعرية ، هل تراه ضرورة ملّحة كجزءٍ من شخصيتك وخصوصيتك الرمزية، أم تهدف من ذلك قذف غواياتك وملذاتك الثقافية ضمن تجربة كتابية تحفظ بها ما تمرّ به في طريقك ؟
لننظر لعملية القراءة أولاً على أنها شرط الكتابة الأول وهي بئرها الأعمق وثانياً لنقل عنها أنها عملية بحث واستقصاء جادين ولنضع أيضاً احتمال أن تكون هذه العملية غير أصيلة إلا فيما يخص موضوع الكتابة المراد إنجازه أي أنها تستحضر فكرة الكتابة أو النص أولاً ثم تبحث عن قراءات تصب في جو الفكرة ولا تحيد عنها إلا نادراً حيث يصبح التركيز أساسياً للإنجاز. هنا نحن نقف أمام قراءة ذرائعية أو ربما نفعية ، المهم أن هذه الآلية إذا ما أحسن استخدامها فهي آلية مباشرة ومنتجة. الباقي مسألة لا تخص أحداً سوى "اللاوعي" الذي سيحرص كثيراً على أن يصبغ منتجه بصبغة جماعية ولكنه في النهاية منتجٌ (بصيغة الفرد) ، هكذا وبشكل تلقائي ودون تكلف أو قصد منكِ لإظهاره أو قذفه داخل النص.
6- طبيعة عملك -كمهندسٍ معماري- تُعْلِي سلطتك الذهنية لإخضاع المواد الخارجية لرغبتك وتشكيلك..فهل كان لهذا اللون الذي تمارسه انعكاسًا في جودة مفرداتك وتراكيبك، وتنظيم هندستها بهدمها وبنائها بدقةٍ عالية ؟
المعمار فن وتاريخيا وعبر تفاعله مع جواره من الفنون الأخرى وبالذات في عصر النهضة وجد طريقه مبكراً إلى الفلسفة التي أصبحت لاحقا المصنع الذي انطلقت منه جميع التشكلات والحركات الفنية ، بذلك اصبح هذا الفن فعلا من أفعال الثقافة والحياة معاً فأصبح بذلك منتجاً للأفكار والسياقات الإجتماعية وشريكاً أصيلاً في حركة الحداثه وما بعدها. لا نبالغ أيضاً إذا قلنا أن المعمار هو العتال الذي حفظ الأبجدية وحمل لنا القوانين والشرائع القديمة عبر المسلات والأضرحة والنصب الكثيرة ، أي أنه الناقل الأول للمعرفة. ولكي لا أستغرق ، أعود لعصر النهضة وحيث بدأت تتشكل مفاهيم العمارة ، ظهرت فهرسة أولى تُعنى بالنِسَب في حساب الكتل والإرتفاعات ثم تبعتها وعبر تدرج زمني مفاهيم مثل المغايرة (Contrast) ، الفراغ والإمتلاء (Void & Solid) ، الشفافية بين الداخل والخارج (Transparency) ، الفكرة المركزية (Main Concept) ، وأيضاً مفهوم السياق (Context) والإيقاع (Harmony) والتجانس (Homogenous) وغيرها كثير ، إذا أعملنا النظر فيها سنجدها تنويعات على مفاهيم تطال بنية النص الفني وشكله أياً كان هذا النص بما في ذلك النص الشعري. بهذا المعنى ، نعم كان للعمارة ومفاهيمها دور في التأسيس النظري ولا حقاً في الممارسة وكان لها دور أكبر في تنمية الرؤية البصرية وكيفية النظر في الأشياء.
7- " محمّد الماجد " ظاهرة قفزتْ بشكل بطولي في الساحة الشِّعرية بالمنطقة إن لم تكن قفزتها أبعد.. فهل كانت العزلة السالفة للظهور هي التّي عززتْ ونمتْ بالمعاني والدلالات اللانهائية التّي كوّنها الماجد بعد توحّده بأناه وثقافته التّي بدتْ واضحة من خلال إسقاطها في المسند ؟
أتذكر في جو السؤال كلمة لمنصور الرحباني يقول فيها "الكسل بَي الإبداع" ، والكسل هنا بمعنى التأمل المتأني والصافي وهو نفسه المعنى الذي ترمي إليه الممارسة الصوفية في استحضارها لمفردة "الخمول" كلازمة من لوازم الكشف والفيض الروحيين. والتأمل كما تعرفين ليس ممارسة جماعية بل هو نشاط ذهني فردي وخاص لا يتأتى إلا عن طريق الرياضة والإعتزال. من هذا الباب يكون التأمل ضروري للشاعر وبالتالي يمكن القول أن كل نفس شاعرة تنطوي على ضرب من ضروب العزلة ومن هنا يصبح الإختلاف بين الشعراء اختلافا في الدرجة وليس في النوع. إذا فالعزلة ضرورة وهي تصبح فاعلة أكثر وسخية أكثر حين تكون في أعلى درجاتها.
8- - مِنْ باب كلّ الأسئلة تليق - .. أنا عندما أفكر في عمقك أو ربما علوك الفارع وأنساقك البلاغية واللغوية، أتسلق بعض أقفالك وأحيانًا أحيلُ أفكارك وأنماطك إلى فكرةٍ عبقريةٍ ومدهشةٍ وباهتة (!) شبيهة بفكرة اختراع الجنة التي ابتكرها الشيخ حسن الصباح في قلعة "آلموت" وذاب فيها مريدوه..
• هل تعلّق على فكرتي.. ؟!
• وكيف وصلتَ إلى هذه المغاليق من الأقفال والحيل ؟!
لا أدري على وجه الدقة ولم أقرأ الشيخ حسن الصباح بالمناسبة لأقارب الفكرة التي تذكرينها ، ولكني عندما أفكر في كيفية الحفاظ على وهج الكتابة حاراً ومتدفقاً ، أعول كثيراً على المفارقة ضمن حدودها القصوى وأعني هنا استيلاد الشيء من رحم النقيض وبالعكس ليس فقط على مستوى المفردة بل على مستوى الحدث والموقف أيضاً ، هذا أولاً ، وأعول ثانياً على الداخل/الذاتي شرط أن يكون تمثّله في الخارج مرهونا لطفولة متفلتة من حبائل الواقع ، عفوية وفاقدة للتمييز. وثالثاً أن يكون الحامل لكل ذلك هو اللغة بمعنى أن تكون اللغة هي نفسها مادة الخلق والتكوين فتنتقل بذلك من كونها مادة للقول إلى مادة للفعل. ضمن هذا السياق ستجدين أن الأقفال والحيل تتشكل ليس بالضرورة لأننا نريد ذلك أو نقصده وإن كان هذا صحيحاً في بعض المواضع نتيجة للديناميكية التي تتمتع بها رحلة الخلق (فنياً) بين نقطتي الوعي واللاوعي ولكن يحدث ذلك غالباً لأن آلية الخلق اكتسبت من الدربة والدراية ما يكفي لأن تحتال لنفسها وتتقنع وتوارب لتشكّل عوالمها دون أي وصاية.
9- " مسند الرمل " أراه مشروعًا ضخمًا يستحقُ أن يقف النقاد عليه بدراسةٍ جادةٍ وواعية، فلِمَ الجفاء بين النقاد ومسندك ؟
هذا سؤال يوجه للنقاد بالطبع وليس لي.
ومع ذلك .. اعتقد أن الدوائر الثقافية لدينا ما زالت مقيدة وغير حرة ومازالت مشروطة بحكم كونها قبائل حزبية للغرائز والبيانات وليس لما تدعيه في الظاهر من حرية وتعدد. ذنبنا أننا صدقنا بأنهم أحرار وتعدديون فمارسنا فعل الكتابة لا لنكون نسخاً منهم بل لنكون نحن (ذلك الآخر) ظناً منا بأنهم أوفياء لفولتير وعصر التنوير ولكنهم – ويا لخيبة الدرس – لم يفعلوا. وللأمانة لم أعول أنا أيضاً كثيراً على هذا الأمر ولكنكِ عندما تسألينني عن الجفاء لا أستطيع أن أحيّد حصتي من الدين (التي اعتز بها كثيراً) وإن كانت ضمن حدودها الإنسانية الصافية عن كونها سبباً لوضعي في سلالم التصنيفات القبلية والفئوية. أعتقد أن هذا الأمر لا يعجب البازاريين في سوق (التابو) الحداثي الذين لم يوفروا جهداً كي يجعلوا من هتك (الديني والذات الإلهية) أو خرقهما ميزانا لقوة أو ضعف تجربة ما. وما الذي أنجزوه في نهاية اليوم يا رقية : تنميط فج وموديلات جاهزة للكتابة بالمقاس المطلوب وأيضاً تسليع متعمد للشعر تمارسه آلة الحداثة لإغراق السوق بتوائم وأشباه ومستنسخات. مالذي نفعله نحن في المقابل ، نحن الرافضون للإنضمام للقبائل والكانتونات كونها آلهة لا تكف عن تمجيد ذواتها واستخدام الثقافة والشعر للتكسب والربح السريع ، كونها طاردة للآخر ، كوننا مؤمنون وأقوياء بما نعتقد ، أجدني أكرر هنا كلمة رائعة لعلي جعفر العلاق : سأتحصن بماء النص.
.......
ويا لخيبة الدرس مرة أخرى يا رقية إن لم نذهب بعيدا في الرهان على ما نريده نحن لا ما يريده الآخرون.
10- كيفَ تستقرأ التجارب الأدبية المحلية، وهل توازي الخط الممكن للمستوى الأدبي العام ؟
للأسف لا يوجد مستوى أدبي عام لأن الشعر لم يعد شائعاً أو عاماً. سأفترض أنكِ تقصدين بـ (العام) المشهد الشعري العربي في شقه الحداثي. ضمن هذا التصور أظن بأننا لم نفعل شيئاً مفارقاً بعد ، لم نشكل تجربة موازية ولكننا بالتأكيد نملك نصوصاً رائعة وفاتنة لعدد من الشعراء بإمكانها أن تقف لتعلن عن زمالتها المستحقة لمثيلاتها في الوطن العربي. للأسف أكثر من عقدة تمنعها من ذلك ، لعل الإعلام والرعاية المؤسساتية (بمعناها الشعري وليس الرسمي) تشكل عائقاً بالإضافة إلى أسباب أخرى لا يتسع المجال لذكرها هنا.
11- " الحلمُ هو نافذتي الوحيدةُ للقصاصِ والحريّةِ معًا " .. ما حلم الماجد بعد " مسند الرمل "، وما المشروع القادم ؟
دائما هناك جديد ، تفترضين ذلك ، أنا الآن في منتصف الطريق من العكوف على عمل أتمنى أن يأخذ نصيبه من الرويّة والصبر ليجد طريقه للنور في الوقت المناسب.