سلطان اليباب
29-12-2007, 11:54 AM
أرض الأحياء
هم أسلافي، تواقون للحياة والمغامرة، جوالون، يمخرون البحر وليس لهم قرب اليابسة بيت
في أرض الأحياء كما جلجامش، شدتهم الحياة الى ابدية الخلود، فكانوا الباحثين دوما عن خلودهم مدللين أطفالهم وزوجاتهم، ملئوا كروشهم بالأكل، وشربوا من ماء الحياة مايكفي لجعل أياميهم راقصة وزاهية.
غواصون، لم تكن محارتهم غير لؤلؤة مستقرة في أعماق بحارهم القريبة، ولم تبتعد كتلك العشبة الأبدية .
غوايتهم لؤلؤة تتراقص في سَحر الليل، وأفعاهم أنثى تتلظى في سرير الشتاء المشتعل بإحتراقهم، يشعلون الغناء بفوانيسهم، ويتراقصون حبا في نجمة الصبح الغائبة .
لكنهم في أرض الأحياء، نعم أرض الأحياء البعيدة عن جلجامش، وخلود لم يبحثوا عنه بموت أو طوفان، وأنكيدو لم يكن مسجى بينهم، حين باغتهم إعصار ليلي ليرميهم بعيدا عن زوجاتهم
ملاحون بشعاع الشمس المشرقة بأعينهم، حتى كأنهم من يبعث الشمس من زرقة البحر
أورنابشي ملاح فلك ٍ ماهر في إصطياد الموج، أورثهم حكمته البحرية لإجتياز الصعاب،
ولم يأتمنهم على مردياته، وألوح المي السبعة ؛
وأتونابشتم سيدهم الحكيم وغواص البحار الأزلي في أرض الأحياء، أرضهم .
ُترى لمَِ أختار أسلافي سكنهم في خاصرة البحر!!
مثنية أرضهم، كقوس رمح مشدود في وجه الشمس، وغصن سلام ينحني في ضوء القمر
قربهم نامت سلالات وتناسلت،
ومقابر مائية شيدتْ بين مياه ضحلة، وأرخبيلات تباعدت في الحروب، وتدانت في الفرح
إلى أي السلالات ينتمون؟؟
إحتاروا في تشييد بيوتهم، حين إهتدوا الى بقعة حملت روائحهم، ولم تكن الأختام المدفونة واللقى، وقطع فخاريات محروقة ومتكسرة غير مفاتيح لكنوز أسلافهم البعيدين في تحولاتهم وأسفارهم بين البحار؛
ولم تكن تلك المقبرة المائية، إلا واحدة من المقابرة المتناثرة داخل جزيرة تنام في حضن البحر، وتستفيق على صباحات متبدلة، عابرة بلون وجوه وأناس وبشر، أحبار، قديسون، رهبان وراهبات، مطران أبرشية، مهربون، تجار، غزاة، باحثون عن كنوز وأمجاد، هاربون من قسوة بلادهم وولاتهم وملوكهم، وقبائلهم، وعشائرهم، أو تواقون لخلودٍ أبديّ سطّرته ألواح وكتب منزلة ووصايا آلهات؛
هل دفنتْ تلك المدونات والألواح في القبور المتناثرة ؟
حمورابي أيضا تاق لكنوز أسلافه، حيث فاضت مراكبه بحمولاتها ولم تغرق، وهي تحمل الموتى والكنوز والحلي والأثواب والفخاريات والجرار، و تتوارى عن العين – بعد سرقتها لاحقا أو في أزمان تالية من سُراق ٍ بحجة النفط -، هذا هو سرُّ المدافن التي لم يعرفْ سر غيابها أو تغيبِها عن الناس ولو بطرفة الحكايات وهي تتناقل أو تلاك على الألسن .
الأسلاف وهم يتنقلون في عرض البحر، لم يابهوا لهذه الأسرار التي باتت قرب أنفاسهم، حتى أرجلهم وهي تطأ أرضا حسبوها محرقة بلون رمادها، أو محرقة قديمة لمذابح ديانات أيضا مرّت قرب بيوتهم، وهم يشيدونها بغناء ومرح ورقصات تتمايل بها الأجساد، وأكف وزغاريد بأجساد البنات، وهم يعبثون بفخاريات تتناقلها كفوفهم أو في حضن أحفادهم، يرمونها في عرض البحر سابحة كأسماك ٍ على صفحة الماء .
فلنُشيد منازلنا هنا، صاح كبيرهم ..
هذه البقعة، نحن،
لتكن مباركة خطواتك ِ يانسائنا، ياأمهاتنا ويازوجاتنا، ليجللَ الرّب تعبكم بهذه الشمس، وهي تحرق سحنات وجوهكم كي تزداد إسمرارا ..
هذه البقعة المنحنية، على هيئة قوس، هي " فنيتنا "، وهي مقامنا وطيب إقامتنا، فليَهُم الجميع الى ربط قواربنا باليابسة، وإنزال الأطفال والنساء والأكل والفرش ومابقي من زادنا ومحارُنا .
شُيدت المنازل متلاصقة من بعضها، منازل بسيطة صنعت ْ من جريد النخيل، وخيوط الليف المفتولة أسموها " المختوم "، سهلة البناء والحمل والتنقل، جاورتهم سفنهم وجاورهم البحر بموجه وزرقته، حيث مبتغاهم الأزلي، من بعيد تتراقص النوارس وتحط على " دقل" مراكبهم، تغسل أشرعتهم بياض الزبد وتلونه بنيل " بندرهم "، وهم يرسونَ مراكبهم بأدعيةٍ قد حفظوها بالوراثة عن آباء وأجداد بعدتْ بهم المسافات والأزمنة، وتعددت وتبدلتْ بهم الحكايات وهم يتنافلونها من بحر الى يابسة، الى بنادر ومرافيء ودوحات ٍ، أشعلوا بها نجوما وثريات لسماوات وبحار زرقاء، تسامرتْ بمواويلهم وحكاياتهم وهم يتوارون في الغبيب .
من خلفهم تتراقص نخيل وغابات من الخوص تتمايل بحمامات الدوح وتغريد البلابل، صوت المياه وهي تتناهى الى أسماعهم قبل الجسد، توهنُ العطش المتربص بملوحة البحر، وشياطين الجوع وهي تتراقص على شفاة يابسة حد التشقق.
بحركة من أصبعه وهو يشير الى حدود المنازل والبيوت التي ستشّيد متراصة ومتقاربة حد اللهاث، وهم يغطّون في النوم بنصف إغماضة حين يفترشون الرمل ويلتحفون السماء .
هنا ستكون البقعة التي ستشهد تحولاتهم الجديدة، حتى نسلهم حين يتكاثروا، تكون الحكايات سر ابوتهم وهم يرمّزونها لأحفادهم بكثرة الغواية في سر تناسلهم وغناهم وفقرهم ، وتبدل الألقاب والأسماء، حتى أعدائهم وهم يصفونهم بإزدراءاتٍ بعيدة عن النميمة والتشهير، تلك عادة يتوارثها الأحفاد في تنقلاتهم ورحلاتهم أو في تبدل مهنهم وصنعتهم وطرق عيشهم – حيث في زمانات لاحقة حين يلتحقون بشركة النفط الكبرى – ، ذاك منعطف آخر يزلزل أرض الأحياء التي أسميتها هنا، تيمنا بأرض الخلود الأبدي، أو بأرض المقابر المائية المنسية في المدونات .
المكان تكثر به التلال، متغاوية على مشهد البحر كجذع ملكة تبرزمفاتنها بخيلاء التعفف والشبق المخفي تحت دلال الترف والجوع إذ ينهش الجسد بلسعات أطرافه بنسمات الفجر، وهو يودع صمت السواد برداءه، الحكايات تتناقل أو تنقل لهم عن أقوام مرّوا أو أقاموا قرب الماء، شيدّوا المعابد، وتركوا القبور، تركوا عاداتهم وصلواتهم، فتناسلت بين الناس وتغلغلت في قيامهم وقعودهم، حتى في طرق أكلهم وشربهم، وممارسات عباداتهم ..
ربما هنا – وهو يشير الى القبور أو التلال المحروقة – صاح بهم كبيرهم، دفنوا موتاهم وكنوزهم، هم من يُسَموا بالسومريون أو البابليون، هذا ماسمعته من أجدادي وأسلافي، قرب الماء كان يطيب لهم المقام، هؤلاء من أتوا من العراق الذي تتوقون بالذهاب اليه كل ماجاد لكم البحر من خيراته ورزقه بعد إنتهاء الصيف .
بهذا الوصف المقتضب كانت فاتحة ليلتهم الأولى، في مكان شدّوا به أوتار الحبال، وهم ُيبّرجوا خطوط الطول والعرض لأساسات بيوتهم، وقد صبغوها بدماء الديكة المذبوحة والمتعفرة بدماءها،
كي يحلوا أرضا ويبيحونها، حتى تطأ أقدامهم مباركة خطوهم .
حسن دعبل
khozayhd@hotmail.com
المصدر: أرض الأحياء (http://www.kikah.com/indexarabic.asp?fname=kikaharabic\live\k2\2007-12-26\205.txt&storytitle)
هم أسلافي، تواقون للحياة والمغامرة، جوالون، يمخرون البحر وليس لهم قرب اليابسة بيت
في أرض الأحياء كما جلجامش، شدتهم الحياة الى ابدية الخلود، فكانوا الباحثين دوما عن خلودهم مدللين أطفالهم وزوجاتهم، ملئوا كروشهم بالأكل، وشربوا من ماء الحياة مايكفي لجعل أياميهم راقصة وزاهية.
غواصون، لم تكن محارتهم غير لؤلؤة مستقرة في أعماق بحارهم القريبة، ولم تبتعد كتلك العشبة الأبدية .
غوايتهم لؤلؤة تتراقص في سَحر الليل، وأفعاهم أنثى تتلظى في سرير الشتاء المشتعل بإحتراقهم، يشعلون الغناء بفوانيسهم، ويتراقصون حبا في نجمة الصبح الغائبة .
لكنهم في أرض الأحياء، نعم أرض الأحياء البعيدة عن جلجامش، وخلود لم يبحثوا عنه بموت أو طوفان، وأنكيدو لم يكن مسجى بينهم، حين باغتهم إعصار ليلي ليرميهم بعيدا عن زوجاتهم
ملاحون بشعاع الشمس المشرقة بأعينهم، حتى كأنهم من يبعث الشمس من زرقة البحر
أورنابشي ملاح فلك ٍ ماهر في إصطياد الموج، أورثهم حكمته البحرية لإجتياز الصعاب،
ولم يأتمنهم على مردياته، وألوح المي السبعة ؛
وأتونابشتم سيدهم الحكيم وغواص البحار الأزلي في أرض الأحياء، أرضهم .
ُترى لمَِ أختار أسلافي سكنهم في خاصرة البحر!!
مثنية أرضهم، كقوس رمح مشدود في وجه الشمس، وغصن سلام ينحني في ضوء القمر
قربهم نامت سلالات وتناسلت،
ومقابر مائية شيدتْ بين مياه ضحلة، وأرخبيلات تباعدت في الحروب، وتدانت في الفرح
إلى أي السلالات ينتمون؟؟
إحتاروا في تشييد بيوتهم، حين إهتدوا الى بقعة حملت روائحهم، ولم تكن الأختام المدفونة واللقى، وقطع فخاريات محروقة ومتكسرة غير مفاتيح لكنوز أسلافهم البعيدين في تحولاتهم وأسفارهم بين البحار؛
ولم تكن تلك المقبرة المائية، إلا واحدة من المقابرة المتناثرة داخل جزيرة تنام في حضن البحر، وتستفيق على صباحات متبدلة، عابرة بلون وجوه وأناس وبشر، أحبار، قديسون، رهبان وراهبات، مطران أبرشية، مهربون، تجار، غزاة، باحثون عن كنوز وأمجاد، هاربون من قسوة بلادهم وولاتهم وملوكهم، وقبائلهم، وعشائرهم، أو تواقون لخلودٍ أبديّ سطّرته ألواح وكتب منزلة ووصايا آلهات؛
هل دفنتْ تلك المدونات والألواح في القبور المتناثرة ؟
حمورابي أيضا تاق لكنوز أسلافه، حيث فاضت مراكبه بحمولاتها ولم تغرق، وهي تحمل الموتى والكنوز والحلي والأثواب والفخاريات والجرار، و تتوارى عن العين – بعد سرقتها لاحقا أو في أزمان تالية من سُراق ٍ بحجة النفط -، هذا هو سرُّ المدافن التي لم يعرفْ سر غيابها أو تغيبِها عن الناس ولو بطرفة الحكايات وهي تتناقل أو تلاك على الألسن .
الأسلاف وهم يتنقلون في عرض البحر، لم يابهوا لهذه الأسرار التي باتت قرب أنفاسهم، حتى أرجلهم وهي تطأ أرضا حسبوها محرقة بلون رمادها، أو محرقة قديمة لمذابح ديانات أيضا مرّت قرب بيوتهم، وهم يشيدونها بغناء ومرح ورقصات تتمايل بها الأجساد، وأكف وزغاريد بأجساد البنات، وهم يعبثون بفخاريات تتناقلها كفوفهم أو في حضن أحفادهم، يرمونها في عرض البحر سابحة كأسماك ٍ على صفحة الماء .
فلنُشيد منازلنا هنا، صاح كبيرهم ..
هذه البقعة، نحن،
لتكن مباركة خطواتك ِ يانسائنا، ياأمهاتنا ويازوجاتنا، ليجللَ الرّب تعبكم بهذه الشمس، وهي تحرق سحنات وجوهكم كي تزداد إسمرارا ..
هذه البقعة المنحنية، على هيئة قوس، هي " فنيتنا "، وهي مقامنا وطيب إقامتنا، فليَهُم الجميع الى ربط قواربنا باليابسة، وإنزال الأطفال والنساء والأكل والفرش ومابقي من زادنا ومحارُنا .
شُيدت المنازل متلاصقة من بعضها، منازل بسيطة صنعت ْ من جريد النخيل، وخيوط الليف المفتولة أسموها " المختوم "، سهلة البناء والحمل والتنقل، جاورتهم سفنهم وجاورهم البحر بموجه وزرقته، حيث مبتغاهم الأزلي، من بعيد تتراقص النوارس وتحط على " دقل" مراكبهم، تغسل أشرعتهم بياض الزبد وتلونه بنيل " بندرهم "، وهم يرسونَ مراكبهم بأدعيةٍ قد حفظوها بالوراثة عن آباء وأجداد بعدتْ بهم المسافات والأزمنة، وتعددت وتبدلتْ بهم الحكايات وهم يتنافلونها من بحر الى يابسة، الى بنادر ومرافيء ودوحات ٍ، أشعلوا بها نجوما وثريات لسماوات وبحار زرقاء، تسامرتْ بمواويلهم وحكاياتهم وهم يتوارون في الغبيب .
من خلفهم تتراقص نخيل وغابات من الخوص تتمايل بحمامات الدوح وتغريد البلابل، صوت المياه وهي تتناهى الى أسماعهم قبل الجسد، توهنُ العطش المتربص بملوحة البحر، وشياطين الجوع وهي تتراقص على شفاة يابسة حد التشقق.
بحركة من أصبعه وهو يشير الى حدود المنازل والبيوت التي ستشّيد متراصة ومتقاربة حد اللهاث، وهم يغطّون في النوم بنصف إغماضة حين يفترشون الرمل ويلتحفون السماء .
هنا ستكون البقعة التي ستشهد تحولاتهم الجديدة، حتى نسلهم حين يتكاثروا، تكون الحكايات سر ابوتهم وهم يرمّزونها لأحفادهم بكثرة الغواية في سر تناسلهم وغناهم وفقرهم ، وتبدل الألقاب والأسماء، حتى أعدائهم وهم يصفونهم بإزدراءاتٍ بعيدة عن النميمة والتشهير، تلك عادة يتوارثها الأحفاد في تنقلاتهم ورحلاتهم أو في تبدل مهنهم وصنعتهم وطرق عيشهم – حيث في زمانات لاحقة حين يلتحقون بشركة النفط الكبرى – ، ذاك منعطف آخر يزلزل أرض الأحياء التي أسميتها هنا، تيمنا بأرض الخلود الأبدي، أو بأرض المقابر المائية المنسية في المدونات .
المكان تكثر به التلال، متغاوية على مشهد البحر كجذع ملكة تبرزمفاتنها بخيلاء التعفف والشبق المخفي تحت دلال الترف والجوع إذ ينهش الجسد بلسعات أطرافه بنسمات الفجر، وهو يودع صمت السواد برداءه، الحكايات تتناقل أو تنقل لهم عن أقوام مرّوا أو أقاموا قرب الماء، شيدّوا المعابد، وتركوا القبور، تركوا عاداتهم وصلواتهم، فتناسلت بين الناس وتغلغلت في قيامهم وقعودهم، حتى في طرق أكلهم وشربهم، وممارسات عباداتهم ..
ربما هنا – وهو يشير الى القبور أو التلال المحروقة – صاح بهم كبيرهم، دفنوا موتاهم وكنوزهم، هم من يُسَموا بالسومريون أو البابليون، هذا ماسمعته من أجدادي وأسلافي، قرب الماء كان يطيب لهم المقام، هؤلاء من أتوا من العراق الذي تتوقون بالذهاب اليه كل ماجاد لكم البحر من خيراته ورزقه بعد إنتهاء الصيف .
بهذا الوصف المقتضب كانت فاتحة ليلتهم الأولى، في مكان شدّوا به أوتار الحبال، وهم ُيبّرجوا خطوط الطول والعرض لأساسات بيوتهم، وقد صبغوها بدماء الديكة المذبوحة والمتعفرة بدماءها،
كي يحلوا أرضا ويبيحونها، حتى تطأ أقدامهم مباركة خطوهم .
حسن دعبل
khozayhd@hotmail.com
المصدر: أرض الأحياء (http://www.kikah.com/indexarabic.asp?fname=kikaharabic\live\k2\2007-12-26\205.txt&storytitle)